صعّدت محافظة الخليل ومؤسساتها الرسمية والشعبية، الثلاثاء 16 حزيران/يونيو 2026، موقفها في مواجهة القرار الإسرائيلي المتعلق بسحب صلاحيات التخطيط والبناء من بلدية الخليل في البلدة القديمة ومحيط الحرم الإبراهيمي الشريف، وسط تحذيرات من أن الخطوة تمثل مساراً عملياً لتقويض اتفاق الخليل وفتح الباب أمام مرحلة جديدة من السيطرة الاستعمارية على المدينة.
ووصف محافظ الخليل خالد دودين قرار وزير المالية الإسرائيلي المتطرف بتسلئيل سموتريتش بشأن إلغاء اتفاقية الخليل بأنه “قرار إرهابي صادر عن عصابة”، مؤكداً أن مدينة الخليل أرض فلسطينية محتلة ولا تخضع لقرارات حكومة الاحتلال.
وشدد المحافظ، في بيان، على أن الحرم الإبراهيمي الشريف والبلدة القديمة مسجلان على قائمة التراث العالمي لدى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “اليونسكو” باعتبارهما موروثاً فلسطينياً خالصاً، مؤكداً أن الإجراءات الإسرائيلية لن تغيّر من الواقع القانوني والتاريخي للمدينة.
ودعا دودين أبناء الشعب الفلسطيني إلى تكثيف وجودهم في الحرم الإبراهيمي الشريف والبلدة القديمة، معتبراً أن الحضور الشعبي يشكل رداً عملياً على محاولات الاحتلال فرض وقائع جديدة في قلب المدينة. كما ناشد المجتمع الدولي الخروج عن صمته إزاء اعتداءات المستعمرين وسياسات الاحتلال، والوقوف إلى جانب الحق الفلسطيني.
وجاء موقف المحافظ بالتزامن مع اجتماع طارئ عقدته مؤسسات وفعاليات الخليل في دار بلدية المدينة، بدعوة من رئيس البلدية يوسف الجعبري، وبمشاركة ممثلين عن المؤسسات الرسمية والأهلية والقوى الوطنية والأجهزة الأمنية والعشائر، لبحث آليات مواجهة القرار الإسرائيلي.
وأكد المجتمعون التفافهم الكامل حول بلدية الخليل، ودعمهم للجهود السياسية والقانونية والشعبية التي تبذلها لمواجهة قرار الاحتلال القاضي بسحب صلاحياتها في الحرم الإبراهيمي الشريف والبلدة القديمة.
وقال عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية أحمد التميمي إن القرار يأتي ضمن سياسة إسرائيلية ممنهجة تستهدف مدينة الخليل والحرم الإبراهيمي والبلدة القديمة، مشيراً إلى أن الاحتلال يسعى منذ سنوات إلى فرض سيطرته على قلب المدينة وطمس هويتها الوطنية والتاريخية.
وأضاف التميمي أن البلدة القديمة تمثل العمق التاريخي والوطني لمدينة الخليل، وأن صمود المواطنين فيها أفشل العديد من مخططات الاحتلال على مدار السنوات الماضية. وأكد أن القيادة الفلسطينية تتابع الملف باهتمام بالغ، وأن هناك التفافاً وطنياً واسعاً حول بلدية الخليل في مواجهة هذه الإجراءات.
من جانبه، أكد وزير الأوقاف والشؤون الدينية محمد نجم أن استهداف الخليل ليس جديداً، بل يأتي ضمن مخطط يستهدف المحافظة لما تمثله من أهمية دينية ووطنية وتاريخية. وشدد على ضرورة توحيد الجهود الرسمية والشعبية والوطنية لحماية الحرم الإبراهيمي الشريف، باعتباره وقفاً إسلامياً خالصاً وجزءاً أصيلاً من الهوية الفلسطينية.
وفي كلمته، قال رئيس بلدية الخليل يوسف الجعبري إن القرار الإسرائيلي يمثل منعطفاً خطيراً في مسار استهداف المدينة، موضحاً أن البلدية تتعرض منذ سنوات لسلسلة من الإجراءات الممنهجة التي تستهدف صلاحياتها وممتلكاتها ودورها الوطني.
وأكد الجعبري أن البلدية باشرت تحركات سياسية وقانونية واسعة لمواجهة القرار، بالتنسيق مع القيادة الفلسطينية والحكومة، كما وجهت رسائل إلى المدن المتوأمة والسفراء والجهات الدولية لشرح خطورة ما يجري في الخليل.
وشدد على أن الخليل هي صاحبة الحق والسيادة على مدينتها، وأن البلدية، التي يسبق وجودها عمر الاحتلال بعقود طويلة، ستواصل أداء واجباتها تجاه المواطنين والدفاع عن حقوقهم ومقدساتهم.
وأشار الجعبري إلى أن البلدية ستتخذ إجراءات تسهيلية لدعم المواطنين في البلدة القديمة وتعزيز صمودهم، معلناً أن المجلس البلدي سيعقد جلسته يوم الأربعاء في مقر لجنة إعمار البلدة القديمة، في رسالة سياسية وميدانية تؤكد تمسك البلدية بدورها وصلاحياتها في قلب المدينة.
كما أكد مدير جهاز المخابرات العامة في محافظة الخليل، العميد علي شاهين، أن تصريحات سموتريتش كشفت حقيقة المخططات الإسرائيلية تجاه الخليل، داعياً إلى المضي في مسارين متوازيين: قانوني وشعبي.
وشدد شاهين على ضرورة تشكيل فرق قانونية متخصصة، وتفعيل الحراك الشعبي المنظم، إلى جانب تحرك البلدية والهيئات المحلية لتشكيل جبهة ضغط وطنية وعربية ودولية دفاعاً عن الحرم الإبراهيمي الشريف والبلدة القديمة وصلاحيات بلدية الخليل.
وأقر المجتمعون سلسلة خطوات لمواجهة القرار، أبرزها دعوة الحكومة الفلسطينية إلى عقد اجتماعها في دار بلدية الخليل، تأكيداً على دعم صمود المدينة وتعزيز حضورها السياسي والرسمي، إلى جانب عقد اجتماع عاجل للهيئات المحلية والبلديات الفلسطينية في دار البلدية، بهدف توحيد الموقف البلدي الوطني وصياغة خطة عمل مشتركة.
كما دعا الاجتماع إلى مخاطبة المؤسسات الدولية، وفي مقدمتها “اليونسكو”، وتعزيز الحضور الشعبي في الحرم الإبراهيمي والبلدة القديمة، ودعم صمود المواطنين والتجار، وإطلاق حراك إعلامي واسع لنقل حقيقة ما تتعرض له الخليل إلى العالم.
وفي السياق ذاته، حذرت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان من خطورة سحب صلاحيات التخطيط والبناء من بلدية الخليل، معتبرة أن القرار يشكل خطوة جديدة نحو تعزيز السيطرة الاستيطانية على المدينة.
وأصدرت الهيئة ورقة موقف بعنوان “الخليل في مرمى الضم: الاحتلال ينتزع صلاحيات التخطيط الفلسطينية ويفتح الباب أمام مرحلة جديدة من السيطرة الاستعمارية”، أكدت فيها أن سلطات الاحتلال قررت نقل صلاحيات التخطيط والبناء المتعلقة بالمستوطنات والمواقع الدينية الخاضعة لسيطرة المستعمرين في الخليل من بلدية المدينة إلى مؤسسات التخطيط التابعة لما تسمى “الإدارة المدنية” الإسرائيلية.
وقالت الهيئة إن القرار يمثل حلقة في مسار متدرج يستهدف تفكيك الولاية الفلسطينية على الخليل، وتعزيز السيطرة الإسرائيلية المباشرة على واحد من أكثر المواقع حساسية في الضفة الغربية.
وأوضحت أن خطورة الخطوة تكمن في أنها تمس جوهر الترتيبات التي قام عليها بروتوكول الخليل عام 1997، والذي قسم المدينة إلى منطقتين: “H1” وتشكل نحو 80% من مساحة المدينة وتخضع للسيطرة الفلسطينية، و“H2” وتشكل نحو 20% وتخضع للسيطرة الأمنية الإسرائيلية، مع بقاء صلاحيات مدنية محددة لبلدية الخليل.
وترى الهيئة أن الاحتلال يسعى اليوم إلى تقويض هذا الأساس، عبر نقل صلاحيات التخطيط والتنظيم المتعلقة بالمستعمرين والمواقع الدينية إلى جهاته الرسمية، بما يعني عملياً إلغاء أحد أبرز مظاهر الولاية الفلسطينية داخل المدينة.
وأكدت الهيئة أن القرار لا يمكن فصله عن السياق الاستيطاني الأوسع في محافظة الخليل، التي تعد من أكثر المحافظات الفلسطينية استهدافاً بالمشروع الاستعماري، إذ تضم المحافظة 25 مستعمرة و80 بؤرة استعمارية، يقطنها أكثر من 25.8 ألف مستعمر حتى نهاية عام 2025.
وأضافت أن سلطات الاحتلال تواصل استخدام أدوات التخطيط والبناء لتكريس الوجود الاستعماري وتوسيعه، مشيرة إلى أنه خلال عام 2025 فقط، درست سلطات الاحتلال سبعة مخططات هيكلية استيطانية في محافظة الخليل، فيما أقام المستعمرون 23 بؤرة استعمارية جديدة، في مؤشر على تسارع عمليات التوسع الاستعماري وتعزيز البنية التحتية للمستعمرات على حساب الأرض الفلسطينية.
وتكتسب هذه التطورات خطورة خاصة في ظل ما تمثله الخليل من رمزية دينية وتاريخية وسياسية، ووجود الحرم الإبراهيمي الشريف في قلب الصراع على هوية المدينة وسيادتها. كما تأتي في سياق أوسع من قرارات إسرائيلية تستهدف إعادة تشكيل الواقع القانوني والإداري في الضفة الغربية، بما ينسجم مع مشروع الضم الزاحف الذي تدفع به قوى اليمين المتطرف في حكومة الاحتلال.
وبين الموقف الرسمي الفلسطيني، وتحرك بلدية الخليل، وتحذيرات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، تبدو المدينة مقبلة على مواجهة سياسية وقانونية وشعبية مفتوحة، عنوانها الدفاع عن صلاحيات البلدية، وحماية الحرم الإبراهيمي والبلدة القديمة، ومنع تحويل القرار الإسرائيلي إلى واقع دائم يكرس السيطرة الاستعمارية على قلب الخليل.
