في وقت تتكثف فيه التحركات الأميركية والإقليمية حول مستقبل قطاع غزة وترتيبات السلطة الفلسطينية، كشفت معطيات صحفية متقاطعة عن مسارين سياسيين يجريان بالتوازي: الأول يتعلق بمحادثات غير معلنة بين القيادة الفلسطينية والإدارة الأميركية في اليونان، تناولت أموال المقاصة والأمن والانتخابات، والثاني يدور في القاهرة حول استكمال تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، عبر خريطة طريق يعمل عليها مبعوث “مجلس السلام” نيكولاي ملادينوف بالتنسيق مع الوسطاء.
وبحسب ما نقلته صحيفة “العربي الجديد” عن مصادر مطلعة، فإن وفداً من السلطة الفلسطينية أجرى محادثات مع مسؤولين أميركيين في العاصمة اليونانية أثينا، بدأت في 17 إبريل/نيسان الماضي، بالتزامن مع زيارة رسمية أُعلن خلالها لقاء الوفد الفلسطيني رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس. وترأس الوفد، وفق الصحيفة، نائب الرئيس الفلسطيني حسين الشيخ، وضم مدير جهاز المخابرات العامة ماجد فرج، ومستشار الرئيس الفلسطيني مجدي الخالدي.
ورغم أن وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية “وفا” اكتفت بالإشارة إلى اللقاء مع رئيس الوزراء اليوناني، فإن “العربي الجديد” أفادت، نقلاً عن مصادرها، بأن اجتماعاً غير معلن عُقد أيضاً مع مسؤولين أميركيين. ولم تكشف المصادر عن هويات هؤلاء المسؤولين.
المقاصة ومجلس السلام
أبرز ما طُرح في اجتماع أثينا، وفق مصادر “العربي الجديد”، كان اقتراحاً أميركياً يقضي بأن تحوّل إسرائيل مليار دولار من أموال المقاصة الفلسطينية المحتجزة لديها إلى “مجلس السلام” الذي أسسه الرئيس الأميركي دونالد ترامب من أجل غزة، على أن يُخصص نصف المبلغ للقطاع، والنصف الآخر للضفة الغربية.
غير أن القيادة الفلسطينية، بحسب المصادر ذاتها، لم تتعامل مع المقترح باعتباره مالياً فقط، بل ربطته بمسألة الولاية السياسية والإدارية. فقد تمسكت بأن أي أموال مخصصة لغزة يجب أن تقترن بصلاحيات حقيقية للسلطة الفلسطينية داخل القطاع، وباطلاعها على آليات الصرف وأوجه الإنفاق.
وأوضحت المصادر أن الموافقة الفلسطينية المشروطة، إن وُجدت، اقتصرت على الجزء المتعلق بغزة، أي 500 مليون دولار، بينما رفضت القيادة الفلسطينية تحويل النصف الآخر المخصص نظرياً للضفة الغربية إلى مجلس السلام. وتخشى السلطة، وفق ما نقلته “العربي الجديد”، أن يؤدي ذلك إلى وضعها عملياً تحت وصاية مجلس خارجي، لا سيما مع الحديث عن لجنة خاصة بالضفة الغربية ضمن تصورات المجلس.
تفكيك تشكيلات أمنية نخبوية
ولم يقتصر نقاش أثينا، بحسب المصادر، على الملف المالي. فقد طُرحت أيضاً مسألة إنهاء وجود تشكيلات أمنية نخبوية داخل الأجهزة الأمنية الفلسطينية، من بينها كتيبة 101 التابعة للأمن الوطني الفلسطيني، إلى جانب فرق أخرى في جهازي المخابرات والأمن الوقائي.
ونقلت “العربي الجديد” عن مصدر آخر أن إسرائيل تنظر إلى هذه التشكيلات بقلق، خشية أن ينخرط عناصر تلقوا تدريبات متقدمة في أي عمل مقاوم ضد الجيش الإسرائيلي أو المستوطنين. ووفق المصدر، فإن هذه الوحدات خضعت لتدريبات عالية المستوى في أكثر من دولة، وهو ما يجعلها موضع متابعة إسرائيلية خاصة.
الانتخابات: واشنطن ترفض المجلس الوطني
في الملف السياسي الداخلي، أفادت مصادر “العربي الجديد” بأن الاجتماع تطرق إلى الانتخابات الفلسطينية، لا سيما قرار الرئيس محمود عباس، الصادر في فبراير/شباط الماضي، بشأن انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني.
وبحسب المصادر، أبلغ المسؤولون الأميركيون الجانب الفلسطيني رفضهم هذا المسار، مؤكدين أن واشنطن وتل أبيب لن توافقا إلا على انتخابات تشريعية ورئاسية وفق ما نص عليه اتفاق أوسلو عام 1993.
في المقابل، عرضت السلطة الفلسطينية، وفق الصحيفة، مجموعة مطالب أمام الوفد الأميركي، أبرزها: تسلم دور أساسي في إدارة قطاع غزة، والإفراج عن أموال المقاصة المحتجزة لدى إسرائيل في ظل أزمة مالية حادة تهدد بانهيار مؤسسات السلطة، إضافة إلى كبح عنف المستوطنين ووقف توسعهم في مناطق “ب”، التي يفترض، وفق اتفاق أوسلو، أن تكون تحت الإدارة المدنية الفلسطينية.
القاهرة: مؤشرات إيجابية حول اتفاق غزة
بالتوازي مع مسار أثينا، تحدثت صحيفة “الشرق الأوسط” عن مؤشرات إيجابية في محادثات القاهرة المتعلقة باستكمال تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، المعلن منذ أكتوبر/تشرين الأول الماضي.
ونقلت الصحيفة عن مصدر في فريق مبعوث “مجلس السلام” نيكولاي ملادينوف، وعن مصدر آخر في حركة “حماس”، أن لقاءات القاهرة شهدت تقدماً في مناقشة خريطة الطريق المرتبطة بالخطة التي طرحها الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن غزة، والتي اعتمدها مجلس الأمن في قرار صدر في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي.
وبحسب مصدر من فريق ملادينوف تحدث إلى “الشرق الأوسط”، فإن الاجتماع مع “حماس” انتهى بأجواء “إيجابية”، وشهد تقريباً للمواقف في بنود خريطة الطريق. وأضاف المصدر أن الحركة أبلغت ملادينوف بأنها ستقدم ردها بعد مشاورات داخلية، وقبل منتصف الأسبوع المقبل.
تعديلات على خريطة الطريق
وأفادت “الشرق الأوسط”، نقلاً عن مصادر فصائلية وأخرى قريبة من المحادثات في القاهرة، بأن ملادينوف أجرى تعديلات جديدة على رد “حماس” والفصائل الفلسطينية الذي كان قد سُلّم إلى الوسطاء قبل أيام.
ووفق مصدر في “حماس” تحدث للصحيفة، سلّم الوسيط المصري قيادة الحركة، بعد منتصف ليل الثلاثاء - الأربعاء، صياغة معدلة لخريطة الطريق. ثم التقى وفد “حماس” ملادينوف ظهر الأربعاء في القاهرة لمناقشة التعديلات ومحاولة تسريع الرد عليها، على أن تُعرض لاحقاً على الفصائل الفلسطينية.
وفي بيان لاحق، أعلنت “حماس” أنها أجرت لقاء مع ملادينوف، مشيرة إلى أن النقاشات مع الوسطاء أفضت إلى “توافقات واسعة” وتقارب كبير بشأن تنفيذ ما تبقى من المرحلة الأولى، إلى جانب بحث ملفات المرحلة الثانية.
وبحسب البيان، جرى تناول إدخال “اللجنة الوطنية” إلى قطاع غزة، ومسألة القوات الدولية، والتعامل مع ملف السلاح الفلسطيني ضمن مقاربة وصفتها الحركة بأنها “منطقية ومعقولة” وقابلة للقبول من مختلف الأطراف.
السلاح والانسحاب الإسرائيلي
يشكل ملف السلاح أحد أكثر بنود خريطة الطريق حساسية. ووفق “الشرق الأوسط”، يركز البند الثامن على آلية حصر وتخزين السلاح في غزة تدريجياً، بينما تشدد “حماس” على أن يكون ذلك بيد طرف فلسطيني، وبالتزامن مع انسحاب إسرائيل من المناطق التي لا تزال تسيطر عليها داخل القطاع، والتي تقول المصادر إنها تتجاوز 60 في المائة من مساحة غزة.
ونقلت الصحيفة عن مصدر من فريق ملادينوف أن التعديلات لم تقتصر على بند السلاح، بل شملت البنود الخمسة عشر في خريطة الطريق، مضيفاً أن التنسيق جرى مع المبعوث الأميركي جاريد كوشنر والوسطاء بهدف تضييق الفجوة بين الموقفين الفلسطيني والإسرائيلي.
وتأتي هذه المحادثات بعد فترة جمود في المفاوضات غير المباشرة بين إسرائيل من جهة، و“حماس” والفصائل الفلسطينية من جهة أخرى. ففي حين يطالب الجانب الفلسطيني بتنفيذ استحقاقات المرحلة الأولى، وفي مقدمتها انسحاب الجيش الإسرائيلي وإدخال المساعدات والبضائع، تضغط إسرائيل باتجاه نزع سلاح الفصائل باعتباره أحد أبرز استحقاقات المرحلة الثانية.
رغبة في تسريع الاتفاق
مصدر “حماس” الذي تحدث إلى “الشرق الأوسط” قال إن الحركة تلقت من الوسطاء تأكيدات بأن الأجواء إيجابية، وأن ممثل “مجلس السلام” لديه ملاحظات تحتاج إلى بعض الوقت. وأضاف أن الوسطاء يريدون تسريع الوصول إلى تفاهمات نهائية، ولذلك بقي ممثلون عن غالبية الفصائل في القاهرة للمشاركة في المشاورات والبت السريع في الملاحظات المطروحة.
وقدّر المصدر أن هناك رغبة واضحة لدى الوسطاء وملادينوف والإدارة الأميركية في دفع الاتفاق قدماً، بما يؤدي إلى تثبيت الاستقرار في غزة والمنطقة. كما أشار إلى وجود دعم عربي من دول غير منخرطة مباشرة في الوساطة، بهدف الوصول إلى وقف كامل للحرب على القطاع.
ميدانياً، أفادت “الشرق الأوسط” بأن قطاع غزة شهد، منذ منتصف نهار الثلاثاء وحتى منتصف نهار الأربعاء بتوقيت غزة، هدوءاً ملحوظاً من دون تسجيل ضحايا جدد. ورداً على سؤال الصحيفة حول ما إذا كانت هناك ترتيبات مع إسرائيل لوقف الغارات، قال مصدر من فريق ملادينوف إن الإسرائيليين منحوا الوسطاء “48 ساعة هدوءاً”.
مساران ورسالة واحدة
تكشف المعطيات الواردة في تقريري “العربي الجديد” و“الشرق الأوسط” عن تداخل واضح بين مستقبل السلطة الفلسطينية وترتيبات غزة بعد الحرب. ففي أثينا، دار النقاش حول موقع السلطة في القطاع، وأموال المقاصة، وشروط واشنطن وتل أبيب للانتخابات والأمن. وفي القاهرة، تتركز المفاوضات على تثبيت وقف إطلاق النار، وإدارة غزة، والقوات الدولية، والسلاح، والانسحاب الإسرائيلي.
وبين المسارين، تبدو واشنطن حاضرة في التفاصيل المالية والأمنية والسياسية، سواء عبر مقترحات تتعلق بتحويل أموال فلسطينية إلى مجلس السلام، أو عبر تنسيق خريطة الطريق الخاصة بغزة مع الوسطاء. أما السلطة الفلسطينية و“حماس”، فرغم اختلاف موقعيهما، فتواجهان اختباراً مشتركاً: كيف يمكن التعامل مع ترتيبات دولية وإقليمية واسعة من دون خسارة القرار الفلسطيني أو تحويل المرحلة الانتقالية إلى صيغة وصاية طويلة الأمد؟
