الفلسطينيون والانتخابات القادمة: عندما يصبح الاقتصاد بوابة السياسة قراءة تحليلية في اتجاهات الرأي العام الفلسطيني

بقلم: نبيل كوكالي

الدكتور نبيل كوكالي

بقلم: د. نبيل كوكالي

في العلوم السياسية تُعد الانتخابات إحدى أهم أدوات التعبير الديمقراطي وقياس اتجاهات الرأي العام وتحديد موازين القوى بين الأحزاب والتيارات المختلفة. غير أن نتائج هذا الاستطلاع تكشف أن الفلسطينيين ينظرون اليوم إلى الانتخابات من زاوية أوسع بكثير من مجرد التنافس السياسي أو تجديد الشرعيات الدستورية. فبالنسبة لقطاع واسع من المواطنين، أصبحت الانتخابات ترتبط بصورة مباشرة بآمال تحسين الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، وتعزيز الاستقرار، والخروج من حالة الجمود السياسي التي رافقت الحياة الفلسطينية خلال السنوات الأخيرة.

وتأتي هذه القراءة في أعقاب القرارات التي أصدرها الرئيس محمود عباس خلال حزيران/يونيو 2026، والتي تضمنت تعديل قانون الانتخابات العامة، وزيادة عدد أعضاء المجلس التشريعي إلى 200 عضو، وخفض نسبة الحسم إلى 1%، وتعزيز تمثيل المرأة والشباب، إلى جانب الدعوة لإجراء انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني في الأول من تشرين الثاني/نوفمبر 2026، والإعلان عن انتخابات رئاسية خلال عام 2027.

وفي هذا السياق، أجرى المركز الفلسطيني لاستطلاع الرأي (PCPO) استطلاعاً للرأي العام خلال الفترة 15–20 حزيران/يونيو 2026 لاستكشاف مواقف الفلسطينيين تجاه الانتخابات التشريعية والرئاسية المقبلة وعلاقتها بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية. واعتمدت الدراسة على أسلوب المقابلات الهاتفية بمساعدة الحاسوب (CATI) وتقنية الاتصال العشوائي بالأرقام (RDD). وشملت العينة 300 مستجيب من الفلسطينيين البالغين (18 عاماً فأكثر) في الضفة الغربية بما فيها القدس وقطاع غزة، بواقع 57.0% من الضفة الغربية و43.0% من قطاع غزة، فيما بلغت نسبة الذكور 52.3% مقابل 47.7% للإناث. وقد بلغ معدل الاستجابة 73%، وهامش الخطأ ±5.6% عند مستوى ثقة 95%، بما يوفر تمثيلاً مناسباً لمختلف شرائح المجتمع الفلسطيني.

الاقتصاد أولاً... الخلفية التي تفسر كل شيء

يصعب فهم المواقف الفلسطينية تجاه الانتخابات دون فهم البيئة الاقتصادية التي تتشكل فيها هذه المواقف. فالنتائج تكشف أن المجتمع الفلسطيني يعيش واحدة من أصعب مراحله الاقتصادية، الأمر الذي يجعل أي حديث عن السياسة أو الانتخابات مرتبطاً بصورة وثيقة بالواقع المعيشي للمواطنين.

فقد أظهرت النتائج أن 66.3% من الفلسطينيين يعيشون بدخل شهري يقل عن 2000 شيكل، بينما يقع نحو 31.4% ضمن فئات الدخل المتوسطة، في حين لا تتجاوز نسبة من يزيد دخلهم الشهري عن 6000 شيكل 2.3% فقط. وتعكس هذه الأرقام حجم الضغوط الاقتصادية التي تواجه غالبية الأسر الفلسطينية.

وتبدو الصورة أكثر قسوة في قطاع غزة، حيث يعيش 93.8% من السكان بدخل شهري يقل عن 2000 شيكل، مقارنة بـ 45.6% في الضفة الغربية بما فيها القدس. كما تشير النتائج إلى ارتفاع معدلات البطالة، خاصة في قطاع غزة الذي يواجه أوضاعاً اقتصادية وإنسانية بالغة الصعوبة نتيجة الحرب وتداعياتها المستمرة، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على مستويات الدخل وفرص العمل والاستقرار المعيشي.

ولا يقتصر الأمر على مستوى الدخل فقط، بل يمتد إلى قدرة الأسر على تلبية احتياجاتها الأساسية. فقد أظهرت النتائج أن 54.0% من الفلسطينيين أفادوا بأن دخل أسرهم لا يكفي بعض الاحتياجات الأساسية أو لا يكفي إطلاقاً، مقابل 45.3% قالوا إن دخلهم يكفي الاحتياجات الأساسية أو معظمها أو يوفر فائضاً. وتبدو الفجوة أكثر وضوحاً في قطاع غزة، حيث أفاد 75.9% بأن دخلهم لا يكفي بعض الاحتياجات الأساسية أو لا يكفي إطلاقاً، مقارنة بـ 37.4% في الضفة الغربية. وفي المقابل، قال 62.1% من سكان الضفة الغربية إن دخلهم يكفي احتياجاتهم الأساسية بدرجات متفاوتة، مقابل 23.2% فقط في قطاع غزة.

ولا تتوقف انعكاسات الأزمة عند المؤشرات الاقتصادية فقط، بل تمتد إلى مستوى الرضا العام عن الحياة. ففي الضفة الغربية أعرب 65.1% عن رضا مرتفع أو متوسط عن حياتهم، بينما تنخفض هذه النسبة إلى 27.2% فقط في قطاع غزة. وفي المقابل، وصف 55.8% من سكان غزة مستوى رضاهم عن حياتهم بأنه منخفض جداً، مقارنة بـ 18.7% فقط في الضفة الغربية.

وتشير هذه المعطيات مجتمعة إلى أن الاقتصاد لم يعد مجرد ملف من ملفات الحياة العامة، بل أصبح عاملاً رئيسياً في تشكيل المزاج السياسي الفلسطيني. فكلما ازدادت الضغوط الاقتصادية والمعيشية، ازدادت الرغبة في البحث عن بدائل وفرص للتغيير. ومن هنا يمكن فهم جانب مهم من مستويات التأييد المرتفعة للانتخابات التي ستظهر في المحاور اللاحقة، حيث يبدو أن كثيراً من الفلسطينيين ينظرون إلى الانتخابات ليس فقط كاستحقاق سياسي، بل كفرصة للمساهمة في تحسين أوضاعهم الاقتصادية والمعيشية واستعادة قدر من الأمل بالمستقبل.

 

تأييد واسع للانتخابات ورغبة واضحة في تجديد الحياة السياسية

في ظل هذه الظروف الاقتصادية الصعبة، لم تتراجع الرغبة في المشاركة السياسية، بل بدت أكثر حضوراً من أي وقت مضى. فقد أظهرت نتائج الاستطلاع أن 79.4% من الفلسطينيين يؤيدون إجراء انتخابات المجلس التشريعي والمجلس الوطني الفلسطيني خلال عام 2026، منهم 53.7% يؤيدونها بشدة و25.7% يؤيدونها إلى حد ما. وفي المقابل، بلغت نسبة المعارضين 13.4%، منهم 7.7% يعارضون إلى حد ما و5.7% يعارضون بشدة، بينما بلغت نسبة المترددين أو الذين لم يحسموا موقفهم 7.3%.

كما امتد هذا التأييد بصورة أكبر إلى الانتخابات الرئاسية، حيث أيد 83.6% من الفلسطينيين إجراء انتخابات رئاسية خلال عام 2027، منهم 59.3% يؤيدونها بشدة و24.3% يؤيدونها إلى حد ما. وفي المقابل، بلغت نسبة المعارضين 14.0%، بينما لم تتجاوز نسبة المترددين 2.3%.

ومن اللافت أن مستويات التأييد كانت أعلى في قطاع غزة مقارنة بالضفة الغربية. فقد بلغت نسبة التأييد الشديد للانتخابات التشريعية والمجلس الوطني 57.4% في غزة مقابل 50.9% في الضفة الغربية، كما بلغت نسبة التأييد الشديد للانتخابات الرئاسية 65.1% في غزة مقابل 55.0% في الضفة الغربية. ويعكس ذلك وجود علاقة واضحة بين حجم الضغوط الاقتصادية والمعيشية وبين الرغبة في التغيير السياسي.

ولا يقتصر الأمر على التأييد النظري؛ فقد أظهرت النتائج أن 71.3% من الفلسطينيين ينوون المشاركة في التصويت إذا أجريت الانتخابات، منهم 59.0% أكدوا مشاركتهم بالتأكيد و12.3% رجحوا مشاركتهم. وفي المقابل، أفاد 24.0% بأنهم لا ينوون المشاركة، بينما لم يحسم 4.7% موقفهم بعد. كما بلغت نسبة الذين أكدوا مشاركتهم بالتأكيد 65.9% في قطاع غزة مقارنة بـ53.8% في الضفة الغربية.

وعندما سُئل المواطنون عن نظرتهم للانتخابات الرئاسية المقبلة، اعتبر 46.7% أنها تمثل فرصة لتحقيق إصلاحات سياسية واقتصادية، وهي النسبة الأعلى بين جميع الخيارات المطروحة. كما رأى 17.3% أنها خطوة مهمة نحو تعزيز الديمقراطية، و8.7% أنها فرصة لتجديد الشرعية السياسية. وفي المقابل، اعتقد 18.3% أنها لن تؤدي إلى تغييرات جوهرية في الواقع الحالي، بينما رأى 5.7% أنها قد تزيد من الانقسام السياسي، ولم يحدد 3.3% موقفهم

وتعزز هذه النتائج استعداد الفلسطينيين للالتزام بقواعد العملية الديمقراطية، إذ أبدى 75.4% استعدادهم لقبول نتائج الانتخابات حتى في حال فوز حزب أو قائمة لا يؤيدونها، منهم 46.7% سيقبلون بذلك بالتأكيد و28.7% سيقبلون إلى حد ما. وفي المقابل، رفض 22.3% قبول النتائج بدرجات متفاوتة، بينما بلغت نسبة المترددين 2.3%.

وتشير هذه المؤشرات مجتمعة إلى أن الفلسطينيين لا ينظرون إلى الانتخابات باعتبارها استحقاقاً شكلياً أو مجرد إجراء دستوري، بل باعتبارها أداة حقيقية للتغيير السياسي وإعادة تنشيط الحياة العامة. ومع ذلك، فإن وجود نسب من المعارضة والتردد وعدم الحسم يعكس استمرار بعض التحفظات المرتبطة بالثقة بالعملية السياسية وظروف إجرائها وفرص نجاحها.

ما الذي يريده الفلسطينيون من الانتخابات؟

إذا كانت نتائج المحور السابق قد أظهرت وجود تأييد واسع لإجراء الانتخابات، فإن السؤال الأهم يتمثل في معرفة ما الذي ينتظره الفلسطينيون من هذا الاستحقاق السياسي.

تكشف النتائج أن المواطنين لا ينظرون إلى الانتخابات بوصفها هدفاً بحد ذاته، بل كوسيلة لتحقيق نتائج ملموسة في حياتهم اليومية. فعندما سُئل المشاركون عن الأولوية الأهم التي يجب أن تحققها الانتخابات المقبلة، جاءت تحسين الأوضاع الاقتصادية والمعيشية في المرتبة الأولى بفارق واضح، حيث اختارها 54.7% من المستطلعة آراؤهم. وجاءت تعزيز الوحدة الوطنية في المرتبة الثانية بنسبة 22.0%، تلتها مكافحة الفساد وتحسين أداء المؤسسات بنسبة 15.3%.

وفي المقابل، حصلت القضايا السياسية التقليدية على نسب أقل بكثير، إذ لم تتجاوز نسبة الذين اعتبروا تعزيز المشاركة الديمقراطية الأولوية الأهم 5.0%، بينما رأى 1.3% فقط أن تجديد الشرعيات السياسية يمثل الهدف الرئيسي للانتخابات، في حين بلغت نسبة الذين لم يحددوا موقفهم 1.7%.

كما أظهرت النتائج تقارباً بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وإن كانت الأولوية الاقتصادية أكثر حضوراً في قطاع غزة  57.4% مقارنة بالضفة الغربية  52.6%، وهو ما يعكس حجم الضغوط الاقتصادية والمعيشية التي يواجهها المواطنون هناك.

وتشير هذه النتائج إلى أن الفلسطينيين يتعاملون مع الانتخابات من منظور عملي أكثر من كونه دستورياً أو حزبياً. فبالنسبة لغالبية المواطنين، تكمن أهمية الانتخابات في قدرتها على تحسين الواقع الاقتصادي، وتعزيز الوحدة الوطنية، وتحسين أداء المؤسسات العامة، أكثر من ارتباطها بقضايا الشرعية السياسية أو إعادة تشكيل النظام السياسي فقط.

إصلاح النظام السياسي وتجديد النخب

لم يقتصر الدعم الشعبي على إجراء الانتخابات نفسها، بل امتد أيضاً إلى الإصلاحات التي رافقت الإعلان عنها.

فقد أظهرت نتائج الاستطلاع أن 78.7% من الفلسطينيين يؤيدون التعديلات الأخيرة على قانون الانتخابات، منهم 47.0% يؤيدونها بشدة و31.7% يؤيدونها إلى حد ما. وفي المقابل، بلغت نسبة المعارضين 18.7%، منهم 10.0% يعارضون إلى حد ما و8.7% يعارضون بشدة، بينما بلغت نسبة المترددين 2.7%.

وتشمل هذه التعديلات خفض سن الترشح إلى 23 عاماً، وزيادة تمثيل المرأة في القوائم الانتخابية، وخفض نسبة الحسم إلى 1%، وهي إجراءات تهدف إلى توسيع قاعدة المشاركة السياسية وإتاحة فرص أكبر أمام الشباب والمرأة والقوى السياسية الصغيرة.

وتؤكد النتائج هذا التوجه بصورة أوضح عند سؤال المواطنين عن أثر زيادة تمثيل الشباب والمرأة في المؤسسات المنتخبة. فقد رأى 82.4% من الفلسطينيين أن ذلك سيسهم بدرجة كبيرة أو متوسطة في تحسين الأداء السياسي الفلسطيني، منهم 48.7% يعتقدون أنه سيسهم بدرجة كبيرة و33.7% بدرجة متوسطة. وفي المقابل، رأى 16.7% فقط أن تأثيره سيكون محدوداً أو معدوماً، بينما بلغت نسبة الذين لم يحددوا موقفهم 1.0%.

وتعكس هذه النتائج وجود رغبة مجتمعية واضحة في تجديد النخب السياسية وإشراك فئات أوسع من المجتمع في صنع القرار، بما يتلاءم مع التحولات الاجتماعية والديموغرافية التي يشهدها المجتمع الفلسطيني.

بين الأمل والواقعية... ما الذي قد يعرقل الانتخابات؟

رغم مستويات التأييد المرتفعة لإجراء الانتخابات، فإن الفلسطينيين لا ينظرون إليها بقدر من التفاؤل غير المشروط، بل يدركون وجود تحديات حقيقية قد تعيق نجاحها أو تحد من قدرتها على تحقيق التغيير المنشود.

فقد أظهرت النتائج أن 36.0% من الفلسطينيين يعتبرون الأوضاع الاقتصادية الصعبة التحدي الأكبر أمام نجاح الانتخابات المقبلة، فيما رأى 21.7% أن استمرار الانقسام السياسي يمثل العقبة الرئيسية. كما أشار 19.3% إلى الأوضاع الأمنية، و8.7% إلى ضعف الثقة بالمؤسسات، و8.3% إلى التدخلات الخارجية، بينما اعتبر 4.7% أنه لا توجد تحديات كبيرة أمام الانتخابات، وبلغت نسبة الذين لم يحددوا موقفهم 1.3%.

وتكشف النتائج عن اختلافات بين الضفة الغربية وقطاع غزة. ففي الضفة الغربية احتلت الأوضاع الاقتصادية المرتبة الأولى بنسبة 40.4%، بينما برز الانقسام السياسي بصورة أكبر في قطاع غزة حيث أشار إليه 26.4% من المستطلعة آراؤهم مقارنة بـ 18.1% في الضفة الغربية.

وفي الوقت نفسه، تظهر النتائج أن الفلسطينيين ما زالوا يربطون بين الانتخابات وإمكانية تحسين أوضاعهم الاقتصادية. فقد اعتقد 76.7% أن الانتخابات الرئاسية والتشريعية يمكن أن تسهم بدرجة كبيرة أو متوسطة في تحسين الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، منهم 34.0% يرون أنها ستسهم بدرجة كبيرة و42.7% بدرجة متوسطة. وفي المقابل، رأى 21.7% أن تأثيرها سيكون محدوداً أو معدوماً، بينما بلغت نسبة المترددين 1.7%.

كما أبدى 89.4% من الفلسطينيين موافقتهم على أن إجراء انتخابات حرة ونزيهة يمكن أن يعزز ثقة المجتمع الدولي بفلسطين ويزيد فرص الاستثمار والدعم الاقتصادي، منهم 56.7% يوافقون بشدة و32.7% يوافقون إلى حد ما. وفي المقابل، بلغت نسبة غير الموافقين 9.3%، بينما لم يحدد 1.3% موقفهم.

وتعزز هذه النتائج الانطباع بأن الفلسطينيين لا يفصلون بين السياسة والاقتصاد، بل ينظرون إلى الانتخابات باعتبارها جزءاً من عملية إصلاح أشمل يمكن أن تنعكس على فرص الاستثمار والنمو الاقتصادي وتحسين الخدمات العامة.

سادساً: الأمل أكثر من الخوف

عند سؤال الفلسطينيين عن الشعور الذي يعبر بصورة أفضل عن موقفهم تجاه الانتخابات المقبلة، جاء الأمل والتفاؤل في المرتبة الأولى بنسبة 49.3%، يليه الحذر والترقب بنسبة 19.0%، ثم القلق والخوف من النتائج بنسبة 15.7%، وعدم الاهتمام بنسبة 15.3%، بينما بلغت نسبة الذين لم يحددوا موقفهم 0.7% فقط.

وتشير هذه النتائج إلى أن المزاج العام الفلسطيني، رغم كل التحديات الاقتصادية والسياسية والأمنية، ما زال يميل نحو التفاؤل أكثر من التشاؤم. كما تعكس وجود رغبة حقيقية لدى قطاعات واسعة من المواطنين في منح العملية الديمقراطية فرصة جديدة، أملاً في أن تسهم في تحسين الواقع القائم وفتح آفاق جديدة للمستقبل.

الخاتمة: عندما يصبح الاقتصاد بوابة السياسة

تكشف نتائج هذا الاستطلاع أن الفلسطينيين يؤيدون بصورة واضحة إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية في المرحلة الحالية، وأن هذا التأييد لا يقتصر على الرغبة في تجديد الشرعيات السياسية، بل يرتبط بصورة وثيقة بتطلعات اقتصادية واجتماعية أوسع.

فالغالبية تؤيد إجراء الانتخابات، والغالبية تنوي المشاركة فيها، كما أن معظم المواطنين مستعدون لقبول نتائجها حتى في حال فوز قوى لا يؤيدونها. وفي الوقت نفسه، يربط الفلسطينيون بين الانتخابات وبين تحسين الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، وتعزيز الوحدة الوطنية، ومكافحة الفساد، وجذب الاستثمارات والدعم الدولي.

وتشير النتائج أيضاً إلى أن المجتمعات الأكثر تأثراً بالأزمات الاقتصادية، وخاصة في قطاع غزة، تبدو أكثر تمسكاً بخيار الانتخابات وأكثر إيماناً بقدرتها على إحداث التغيير. وهذا يعني أن الانتخابات لم تعد تُنظر إليها كاستحقاق سياسي منفصل عن الواقع، بل كوسيلة محتملة لمعالجة الأزمات المتراكمة واستعادة الثقة بالمؤسسات العامة.

وفي النهاية، يمكن القول إن الرسالة الأبرز التي تحملها هذه النتائج هي أن الفلسطينيين لا يبحثون فقط عن صناديق اقتراع، بل عن أفق جديد. فالانتخابات بالنسبة لهم ليست غاية بحد ذاتها، وإنما وسيلة لتحقيق الاستقرار والإصلاح وتحسين نوعية الحياة. ومن هنا، يبدو أن الاقتصاد أصبح بالفعل بوابة السياسة، وأن الرهان الشعبي على الانتخابات يرتبط قبل كل شيء بالأمل في مستقبل أفضل.

 

نبذة عن المؤلف
د. نبيل كوكالي، مؤسس ورئيس المركز الفلسطيني لاستطلاع الرأي (PCPO)، وباحث متخصص في استطلاعات الرأي العام ومنهجيات المسوح. يمتلك أكثر من ثلاثة عقود من الخبرة في البحوث الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وأشرف على العديد من الدراسات الوطنية والدولية في فلسطين والشرق الأوسط

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة قدس نت