أصدر رئيس دولة فلسطين محمود عباس (أبومازن)، الخميس 9 تموز/يوليو 2026 ، مرسومًا رئاسيًا حدد يوم السبت الموافق 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2026 موعدًا لإجراء الانتخابات التشريعية، في خطوة تعيد ملف تجديد المؤسسات الفلسطينية إلى الواجهة، لكنها فتحت في الوقت نفسه بابًا واسعًا من الجدل بشأن شروط الترشح، واستبعاد انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني، والفصل الزمني بين الانتخابات التشريعية والرئاسية.
ونص المرسوم على دعوة الشعب الفلسطيني في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة للمشاركة في انتخابات تشريعية حرة ومباشرة لانتخاب أعضاء المجلس التشريعي الفلسطيني في الموعد المحدد، فيما أشار إلى أن الانتخابات الرئاسية ستُجرى في الربع الأول من العام المقبل وفقًا للقانون.
وصدر المرسوم استنادًا إلى أحكام القرار بقانون رقم (1) لسنة 2007 بشأن الانتخابات العامة وتعديلاته، وقالت الرئاسة إن الخطوة تهدف إلى ترسيخ أسس الديمقراطية واستكمال العملية الانتخابية في دولة فلسطين.
غير أن المرسوم لم يتطرق إلى انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني أو مشاركة الفلسطينيين في الخارج والشتات، كما لم يقدم معالجة للمطالب التي طرحتها مؤسسات أهلية وقوى سياسية بشأن التعديلات الأخيرة على قانون الانتخابات، ولا سيما الشروط المرتبطة بالتزام المرشحين بمنظمة التحرير الفلسطينية وبرنامجها السياسي والوطني.
ترحيب فتحاوي: الانتخابات مدخل لاستعادة عافية النظام
وفي أولى ردود الفعل، اعتبر القيادي في حركة «فتح» فهمي الزعارير أن الانتخابات التشريعية تمثل المدخل الرئيسي لاستعادة عافية النظام السياسي الفلسطيني.
وقال الزعارير إن انتخاب ممثلي الشعب في البرلمان حق يجب التمسك به «دون أي تردد»، مؤكدًا أن المشاركة السياسية تشكل أساس النظام التعددي الديمقراطي، وأن النظام القائم على إرادة الناس واختيارهم الحر يكون أكثر قوة وقدرة على المواجهة.
ويعكس هذا الموقف دعمًا واضحًا لإجراء الانتخابات باعتبارها أداة لتجديد الشرعيات، إلا أن المرسوم ظل موضع تساؤلات لدى جهات أهلية وسياسية ترى أن إجراء الاقتراع وحده لا يكفي لمعالجة أزمة النظام السياسي والانقسام المستمر.
المجلس الوطني خارج المرسوم
وبرز غياب أي إشارة إلى انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني بوصفه أحد أكثر جوانب المرسوم إثارة للنقد، خصوصًا في ظل مطالب متكررة بإعادة بناء مؤسسات منظمة التحرير على أسس ديمقراطية تضمن تمثيل الفلسطينيين في الداخل والخارج.
وأكدت الهيئة الوطنية للعمل الشعبي الفلسطيني، في بيان، أن تجديد الشرعيات الوطنية عبر انتخابات حرة ونزيهة يمثل مبدأ أساسيًا في الحياة السياسية الفلسطينية، لكنها شددت على أن نجاح أي عملية انتخابية لا يقاس بمجرد إجراء الاقتراع وإعلان النتائج، بل بقدرتها على تعزيز الوحدة الوطنية وتجديد الشرعية الشعبية وإعادة بناء المؤسسات الوطنية الجامعة.
وأشارت الهيئة إلى أن الفلسطينيين في الشتات يشكلون جزءًا أصيلًا من الشعب الفلسطيني، وأن مشاركتهم في اختيار ممثليهم داخل المؤسسات الوطنية، وفي مقدمتها المجلس الوطني الفلسطيني، هي حق وطني وديمقراطي لا يجوز تجاوزه.
ودعت إلى إطلاق حوار وطني شامل يسبق العملية الانتخابية ويرافقها، للتوافق على الضمانات السياسية والوطنية التي تكفل أوسع مشاركة ممكنة، وتحمي وحدة النظام السياسي، وتضمن احترام نتائج الانتخابات.
وبحسب مصادر تحدثت إليها صحيفة «القدس العربي»، فإن استبعاد انتخابات المجلس الوطني من المرسوم يرتبط بأسباب سياسية وإدارية ولوجستية، فيما أشار مصدر مقرب إلى وجود ترتيبات داخلية تقودها حركة «فتح» لتشكيل المجلس الوطني في الخارج عبر التعيين، وهو ما يضيف مزيدًا من الأسئلة بشأن طبيعة التمثيل الفلسطيني وآليات تجديد الشرعية.
تعديلات قانونية تثير مخاوف الإقصاء
ويأتي المرسوم بعد تعديلات قانونية صدرت في رام الله بتاريخ 14 حزيران/يونيو 2026، وأثارت جدلًا سياسيًا وحقوقيًا، خصوصًا ما يتعلق بشروط الترشح.
فقد نص تعديل المادة (45) على أن يكون المترشح قد أتم الثالثة والعشرين من العمر يوم الاقتراع، وأن يلتزم بالقانون الأساسي المعدل لسنة 2003 وتعديلاته، وبأحكام قانون الانتخابات، وبمنظمة التحرير الفلسطينية بوصفها ممثلًا شرعيًا ووحيدًا للشعب الفلسطيني، وبرنامجها السياسي والوطني، وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة.
كما تضمنت التعديلات اشتراط ألا يقل عدد مرشحي القائمة في الكشف المغلق عن عشرين مرشحًا، إلى جانب إلزام مرشحي القوائم بتقديم إقرارات تتضمن قبولهم الترشح والتزامهم بمنظمة التحرير وبرنامجها السياسي والوطني.
وتنظر قوى ومؤسسات فلسطينية إلى هذه الشروط باعتبارها قابلة للتحول إلى قيود سياسية على حق الترشح، خصوصًا بالنسبة إلى القوى التي تختلف في برامجها ومواقفها مع البرنامج السياسي الرسمي لمنظمة التحرير.
ائتلاف أهلي يرفض «الشروط الأيديولوجية»
وكان الائتلاف الأهلي للانتخابات قد أكد، في بيان سابق، أن الانتخابات يجب أن تكون جزءًا من مسار وطني جامع يعيد الاعتبار إلى إرادة المواطنين، مطالبًا بإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية بصورة متزامنة وفي يوم واحد في الضفة الغربية، بما فيها القدس، وقطاع غزة.
كما دعا إلى حوار وطني واسع تشارك فيه القوى والفصائل ومؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات النسائية والشبابية والنقابات والاتحادات المهنية والشعبية، بهدف تهيئة الظروف السياسية والقانونية والمجتمعية لانتخابات جامعة دون إقصاء.
ورفض الائتلاف فرض شروط أيديولوجية على الترشح من شأنها استبعاد قوى سياسية بسبب توجهاتها أو رؤيتها السياسية، مطالبًا بالتراجع عن التعديلات الأخيرة التي اعتبرها ماسّة بمبدأ التعددية وحق المواطنين في الاختيار الحر.
كما طالب بمراجعة النظام الانتخابي للمجلس الوطني الفلسطيني لسنة 2026، ولا سيما ما يتعلق بآليات اختيار وتمثيل الفلسطينيين في الخارج والشتات.
هاني المصري: السؤال ليس متى الانتخابات بل أي انتخابات؟
من جانبه، طرح الباحث السياسي هاني المصري تساؤلات أعمق بشأن طبيعة العملية الانتخابية والهدف السياسي منها، معتبرًا أن السؤال الحقيقي لا يتمثل في موعد الانتخابات فقط، وإنما في نوع الانتخابات المطلوبة والمشروع الوطني الذي ستخدمه.
ورأى المصري أن بعض التعديلات، رغم ظهورها بمظهر تقني، تحمل دلالات سياسية عميقة، مشيرًا إلى رفع عدد أعضاء المجلس التشريعي إلى 200 عضو وخفض نسبة الحسم إلى 1%، إلى جانب استمرار ما وصفه باشتراط الولاء السياسي للترشح.
وبحسب المصري، قد تؤدي هذه التعديلات إلى تعويم نتائج الانتخابات، وتغليب الطابع المحلي والشخصي على التنافس السياسي والبرامجي، وتحويل المنافسة بصورة أكبر إلى صراع على المواقع والنفوذ والمصالح، فضلًا عن زيادة التكاليف المالية للعملية الانتخابية.
وأشار إلى أن قرار إجراء الانتخابات يأتي في وقت تتصاعد فيه دعوات إلى تأجيلها حتى آذار/مارس المقبل، انتظارًا لاتضاح تطورات إقليمية ودولية، من بينها نتائج الانتخابات الأميركية والإسرائيلية، وطبيعة الحكومة الإسرائيلية المقبلة، ومآلات التفاهم الأميركي–الإيراني وانعكاساته على المنطقة.
وشدد المصري على أن القضية الفلسطينية تمر بمنعطف وجودي غير مسبوق في ظل الحرب والتهجير وتسارع مشاريع الضم وفرض الوقائع على الأرض، معتبرًا أن المخاطر الراهنة لا تستهدف مؤسسة أو قيادة بعينها، بل تطال الهوية الوطنية الجامعة ووحدة الشعب والأرض والقضية والمكانة التمثيلية لمنظمة التحرير الفلسطينية.
ورأى أن الانتخابات ليست حلًا تلقائيًا للأزمة ولا مدخلًا كافيًا إليها، لكنها قد تصبح جزءًا من الحل إذا سبقتها عملية سياسية ووطنية أعمق تبدأ بحوار وطني جاد، يفضي إلى رؤية جامعة تحدد طبيعة المرحلة والأهداف الوطنية وأسس الشراكة وأشكال النضال وبرنامج الحد الأدنى الوطني.
اقتراع مؤجل الأسئلة
وبينما يعيد المرسوم الرئاسي الانتخابات التشريعية إلى الأجندة الفلسطينية بعد سنوات طويلة من تعطيل الاستحقاقات الديمقراطية، فإن الأسئلة التي أحاطت به تبدو أكبر من تحديد يوم الاقتراع نفسه.
فالفصل بين التشريعية والرئاسية، وغياب المجلس الوطني، وعدم حسم مشاركة الشتات، والإبقاء على شروط ترشح موضع اعتراض، كلها ملفات تجعل الانتخابات المقبلة أمام اختبار يتجاوز القدرة على فتح مراكز الاقتراع وفرز الأصوات.
وفي ظل الانقسام الفلسطيني والحرب على قطاع غزة وتصاعد الاستيطان والضم في الضفة الغربية والقدس، يبقى التحدي الأساسي هو ما إذا كانت انتخابات 28 تشرين الثاني/نوفمبر ستفتح طريقًا فعليًا لتجديد الشرعية وإعادة بناء النظام السياسي، أم ستتحول إلى عملية انتخابية محدودة تعيد إنتاج أزمة التمثيل تحت عناوين جديدة.
