في خيمة تستند إلى بضع قطع من الخشب وتغطيها شوادر بالية لا تقي من برد الشتاء ولا حر الصيف، يعيش الفلسطيني لافي محمد النجار، البالغ من العمر 35 عامًا، مثقلًا بإعاقته البصرية ومرضه المزمن، وبفقدان اثنين من أطفاله وإصابة ثالث خلال حرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية على قطاع غزة.
وُلد لافي فاقدًا للبصر، ويعاني مرض سيولة الدم من النوع «B»، المعروف بالهيموفيليا، وكان قبل العدوان الإسرائيلي يتنقل بين المستشفى الحكومي في رام الله ومستشفى تل هشومير داخل إسرائيل لتلقي العلاج من مرضه الوراثي النادر.
لكن حياته، التي كانت تعتمد على مساعدات محدودة يقدمها أهل الخير، انقلبت رأسًا على عقب منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023. فبينما كان يتلقى العلاج في مستشفى تل هشومير، اعتقلته قوات الاحتلال الإسرائيلي في العاشر من الشهر نفسه عند حاجز ميتار، خلال توجهه إلى الضفة الغربية.
وكان لافي قد تزوج عام 2011 من سالي شحدة حسين النجار، وأنجبا خمسة أطفال هم محمد وصابر وعادل وأحمد وعمر. وخلال الحرب، قتلت قوات الاحتلال الطفلين محمد وعادل، وأصابت شقيقهما صابر إصابة خطيرة استدعت استئصال طحاله.
14 يومًا من الاعتقال
في شهادة أدلى بها لباحث المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، استعاد لافي تفاصيل اعتقاله، قائلًا إن جنود الاحتلال نقلوه مقيّد اليدين والقدمين إلى بركسات داخل معسكر عناتوت.
وأوضح أنه أمضى 14 يومًا على فراش رقيق وتحت بطانية واحدة، وكان يُجبر على الجلوس معظم ساعات اليوم فوق الحصى، في حين لم يكن يحصل سوى على وجبة واحدة في الصباح.
وبسبب فقدانه البصر، اضطر إلى الاعتماد على معتقلين آخرين لمساعدته في أبسط احتياجاته اليومية. كما كان الجنود يقيدون يديه إلى الخلف في كل مرة تُنفذ فيها عمليات قمع بحق المعتقلين.
وأدى البرد والجلوس المتواصل على الأرض الحجرية إلى تدهور حالته الصحية وتورم جسده، قبل أن يعرض على طبيب قرر تحويله إلى الضفة الغربية بعد اكتشاف إصابته بمرض سيولة الدم.
ونقلت قوات الاحتلال لافي إلى حاجز الجيب شمال غربي القدس، حيث أُفرج عنه، قبل نقله إلى المستشفى الحكومي في رام الله. وهناك تمكن من التواصل مع زوج شقيقته، محمود النجار، الذي كان يقيم في الضفة الغربية.
وبعد أسابيع من التنسيق، عاد إلى قطاع غزة في 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2023، ليجد أن زوجته وأطفاله اضطروا إلى النزوح من منزلهم إلى منزل عائلتها في منطقة بني سهيلا شرقي خان يونس.
رحلة نزوح لا تنتهي
كانت عودة لافي إلى غزة بداية رحلة طويلة من النزوح المتكرر. انتقلت الأسرة من منطقة أرميضة في بني سهيلا إلى مدينة رفح، حيث بقيت نحو ستة أشهر، قبل أن تعود إلى منزلها في خان يونس.
لكن المنزل كان قد تعرض لأضرار واسعة واحترقت أجزاء منه بعدما استخدمه جنود الاحتلال ثكنة عسكرية، قبل أن يُدمّر بالكامل في مرحلة لاحقة من العدوان.
وفي 19 مايو/أيار 2024، تلقى لافي اتصالًا من أحد ضباط جيش الاحتلال يأمره بإخلاء المنزل. نزحت الأسرة مجددًا إلى منطقة دوار بني سهيلا، ثم إلى سوق الدواب شمال سجن أصداء، وبعدها إلى مواصي القرارة، حيث استضافتها عائلة الأسطل لمدة ثلاثة أشهر.
واستقرت الأسرة لاحقًا في خيمة شرقي مجمع ناصر الطبي، بالقرب من المستشفى الفرنسي الميداني، إذ فرض مرض لافي المزمن عليها البقاء في مكان قريب من المرافق الصحية التي يحتاج إلى مراجعتها بصورة دورية.
وفي جميع محطات النزوح، عانت الأسرة شح المياه، وارتفاع درجات الحرارة داخل الخيام صيفًا، والبرد القارس شتاءً، إلى جانب انتشار الحشرات والقوارض في المساحات الضيقة المكتظة بالنازحين.
ومع إغلاق المعابر وتقليص دخول المساعدات الإنسانية وارتفاع أسعار المواد الأساسية، اضطرت الأسرة إلى تقليص طعامها إلى وجبة واحدة يوميًا، غالبًا ما تتكون من العدس أو الفاصوليا. كما لجأت إلى استخدام الحطب بدلًا من غاز الطهي، في حين كان الطحين المتاح في بعض الأحيان مخلوطًا بالرمل والشوائب.
محمد خرج بحثًا عن الطعام ولم يعد
مع افتتاح نقاط لتوزيع المساعدات في مناطق خاضعة لسيطرة جيش الاحتلال، أصبح محمد، الابن الأكبر للافي والبالغ من العمر 13 عامًا، يتولى مهمة البحث عن الطعام لعائلته.
وفي صباح 3 أغسطس/آب 2025، توجه الطفل إلى نقطة للمساعدات في منطقة ميراج، الفاصلة بين جنوبي خان يونس وشمالي رفح، على أمل العودة بما يسد جوع أسرته.
انتظرت العائلة عودته ساعات طويلة، قبل أن تتلقى خبر إصابته ونقله إلى مجمع ناصر الطبي.
يقول لافي إنه وصل إلى قسم الاستقبال والطوارئ برفقة زوجته، وهناك أُبلغا بمقتل ابنهما. وبسبب فقدانه البصر، أخذ الأب يتحسس وجه طفله وجسده للمرة الأخيرة، وسط صراخ زوجته ومحاولات الموجودين تهدئتهما.
دُفن محمد في مقبرة تقع خلف أبراج النمساوي في خان يونس، وعاد والداه إلى الخيمة يحملان ألمًا يقول لافي إنه لم يغادرهما منذ ذلك اليوم.
إصابة صابر برصاص الاحتلال
بعد أقل من شهر على مقتل محمد، تلقت العائلة ضربة جديدة.
ففي 2 سبتمبر/أيلول 2025، توجهت زوجة لافي برفقة ابنهما صابر، البالغ من العمر 11 عامًا، إلى منطقة بني سهيلا لإحضار بعض الأغطية استعدادًا لفصل الشتاء.
وخلال وجودهما قرب دوار بني سهيلا، أطلق جنود الاحتلال النار على مدنيين في المنطقة، وأصيب صابر برصاصتين، قبل نقله إلى المستشفى.
ويقول لافي إنه أسرع إلى المستشفى معتقدًا أن ابنه الثاني قد لحق بشقيقه محمد، وخشي أن يكون المحيطون به يخفون عنه خبر مقتله تفاديًا لتعريضه لصدمة جديدة.
كان صابر لا يزال على قيد الحياة، لكنه أصيب بعيار ناري اخترق قدمه اليسرى، بينما استقرت رصاصة أخرى في بطنه. وأدخل الطفل إلى غرفة العمليات، حيث اضطر الأطباء إلى استئصال طحاله.
وتماثل صابر للشفاء لاحقًا، لكنه انتقل للإقامة لدى أقارب الأسرة في مخيم القادسية، قرب أبراج طيبة، للحصول على رعاية لا تستطيع ظروف الخيمة توفيرها.
عادل قُتل وهو يجمع الحطب
لم تكن إصابة صابر نهاية مأساة العائلة.
فمع استمرار أزمة غاز الطهي الناتجة عن الحصار الإسرائيلي، كان عادل، البالغ من العمر عشر سنوات، يخرج بصورة منتظمة إلى محيط دوار بني سهيلا بحثًا عن الحطب وقطع البلاستيك وأي مواد قابلة للاشتعال، لاستخدامها في تسخين المياه وإعداد الطعام.
وتقع المنطقة بالقرب من مواقع تتمركز فيها قوات الاحتلال شرقي خان يونس، وعلى مقربة مما يُعرف بـ«الخط الأصفر».
وفي صباح 28 أبريل/نيسان 2026، استهدفت طائرة إسرائيلية مسيّرة الطفل عادل خلال بحثه عن الحطب، فأصابته شظايا في أنحاء مختلفة من جسده وأودت بحياته على الفور.
وصل خبر الاستهداف إلى الأسرة عن طريق فرح، زوجة شقيق لافي، بعدما حمل والدها بلال الطفل على دراجة نارية وتوجه به إلى مجمع ناصر الطبي.
أسرع لافي وزوجته إلى المستشفى وهما يستعيدان الخوف ذاته الذي عاشاه عند مقتل محمد وإصابة صابر. لكن عادل لم يكن داخل غرفة العمليات، بل كان جثمانه قد نُقل إلى ثلاجة الموتى.
شُيّع الطفل على أكتاف أقاربه وجيرانه، ودُفن في المقبرة الواقعة خلف أبراج النمساوي، إلى جوار شقيقه محمد.
ويقول لافي: «مشاعر وأحاسيس لا تفارقني ولا تغادرني حتى الآن. كنت أحلم أن يكبر أبنائي ويعوّضوني عن إعاقتي ومرضي، فإذا بالاحتلال يقتل اثنين منهم ويصيب الثالث».
حياة معلقة بين المرض والفقدان
يعيش لافي اليوم مع أسرته على مساعدة شهرية يقدمها برنامج الأغذية العالمي، لكنها لا تكفي لتغطية احتياجاتهم الأساسية في ظل الارتفاع الحاد في الأسعار وانعدام مصادر الدخل.
ويواصل تلقي العلاج الدوري من مرض سيولة الدم في عيادة متخصصة داخل مجمع ناصر الطبي. كما يعاني كسرًا في يده اليمنى لم يلتئم بسبب طبيعة مرضه، رغم مرور أسابيع على إصابته.
وأبلغه الأطباء بإمكانية سفره للعلاج خارج قطاع غزة، إلا أنه لا يزال ينتظر السماح له بالمغادرة في ظل القيود المفروضة على حركة المرضى وإغلاق المعابر.
ولم تتمكن زوجته من معرفة المصير النهائي لمنزلهما إلا بعد وصولها إلى المنطقة قبل أشهر، لتجد أن المكان الذي عاشا فيه وربيا أطفالهما الخمسة تحول إلى ركام.
أما لافي، فيقول إن الحديث عن معاناته يعيد فتح جروح يحاول تفاديها، وإن ما يحمله من حزن على طفليه، إلى جانب إعاقته ومرضه وعجزه عن حماية أسرته، يفوق قدرته على التعبير.
وتكشف شهادة عائلة النجار جانبًا من الأثر المتعدد لحرب الإبادة الإسرائيلية على الأشخاص ذوي الإعاقة في قطاع غزة، الذين يواجهون مخاطر مضاعفة نتيجة الهجمات العسكرية والنزوح المتكرر وانهيار الخدمات الصحية، فضلًا عن القيود التي تحول دون حصولهم على الغذاء والعلاج والحماية.
