تقرير يحذر: ثلثا سكان غزة مهددون بالجوع الشديد مع تراجع المساعدات ونقص التمويل

تجمّع فلسطينيون نازحون لتلقّي وجبات طعام من مطبخ خيري وحيد متبقٍ في مخيم النصيرات للاجئين، وسط قطاع غزة، في 23 يوليو/تموز 2026.صورة: حسن الجدي

«الأمن الغذائي في غزة على حافة الانتكاس: 1.4 مليون شخص مهددون بالجوع الشديد».

حذر مرصد دولي معني بمراقبة الجوع والأمن الغذائي، من أن أكثر من ثلثي سكان قطاع غزة قد يواجهون مستويات حادة من الجوع بحلول نهاية العام الجاري، في ظل تراجع تدفقات المساعدات الإنسانية واضطرار وكالات الإغاثة إلى تقليص برامجها بسبب النقص الحاد في التمويل والقيود التي تعرقل عملها داخل القطاع.

وأظهر أحدث تقييم أصدره التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، الخميس 23 يوليو/تموز 2026، أن أكثر من 1.4 مليون فلسطيني، بما يعادل نحو 67% من سكان قطاع غزة، قد يصنفون ضمن مرحلة «الأزمة الغذائية أو ما هو أسوأ» بحلول ديسمبر/كانون الأول المقبل.

وأكد التقرير أن التحسن النسبي الذي طرأ على مستويات سوء التغذية الحاد خلال الأشهر الماضية لا يزال هشًا وقابلًا للانتكاس سريعًا، ولا سيما مع بدء انخفاض كميات المساعدات الغذائية وخدمات التغذية المقدمة للسكان.

تحسن مؤقت بعد وقف إطلاق النار

وبحسب التقييم، شهدت مستويات سوء التغذية الحاد، وخصوصًا بين الأطفال، انخفاضًا ملحوظًا عقب زيادة إمدادات الغذاء وتوسيع خدمات التغذية بعد بدء وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحركة حماس في أكتوبر/تشرين الأول 2025.

وساهمت زيادة دخول المواد الغذائية والمكملات العلاجية خلال تلك الفترة في التخفيف المؤقت من بعض مظاهر الجوع وسوء التغذية، بعد أشهر طويلة من النقص الحاد في الغذاء والمياه والخدمات الصحية.

غير أن التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي حذر من أن هذا التحسن لا يعكس تعافيًا مستدامًا، في ظل اعتماد الغالبية العظمى من سكان القطاع بصورة شبه كاملة على المساعدات الإنسانية، واستمرار انهيار الاقتصاد المحلي وفقدان مصادر الدخل والنزوح المتكرر.

وأشار التقرير إلى أن كميات الغذاء المتاحة لا تزال غير كافية لتلبية الاحتياجات اليومية لمعظم الأسر، وأن عددًا من العائلات يضطر إلى اللجوء لوسائل قاسية للحصول على الطعام، من بينها التسول والبحث في النفايات.

1.2 مليون شخص واجهوا الجوع الشديد

وذكر التقرير أن أكثر من 1.2 مليون شخص، أي نحو 59% من سكان قطاع غزة، واجهوا مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي خلال الفترة الممتدة من منتصف أبريل/نيسان وحتى نهاية يونيو/حزيران الماضي.

وصنف هؤلاء ضمن المرحلة الثالثة، المعروفة بمرحلة «الأزمة»، أو مراحل أشد خطورة وفق مقياس التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي.

ومن بين هذا العدد، كان نحو 212 ألف شخص يعيشون في مرحلة «الطوارئ»، التي تعكس فجوات غذائية حادة وارتفاعًا في معدلات سوء التغذية، إلى جانب لجوء الأسر إلى استراتيجيات شديدة الخطورة للبقاء.

وتوقع التقرير ارتفاع عدد الأشخاص الذين يواجهون الجوع الشديد إلى أكثر من 1.4 مليون شخص بحلول نهاية العام، ما يعني أن اثنين من كل ثلاثة أشخاص تقريبًا في القطاع قد يواجهون أزمة غذائية حادة أو ظروفًا أكثر خطورة.

اعتماد واسع على المساعدات

ويعتمد معظم سكان قطاع غزة على المساعدات الإنسانية منذ اندلاع الحرب في أكتوبر/تشرين الأول 2023، في ظل تدمير مساحات واسعة من الأراضي الزراعية والمنشآت الإنتاجية والأسواق والمخابز، إلى جانب فقدان عشرات آلاف الأسر مصادر دخلها.

كما فاقمت عمليات النزوح المتكررة وتدمير المنازل والبنية التحتية من اعتماد السكان على الإمدادات الخارجية، في وقت تواجه فيه منظمات الإغاثة صعوبات متزايدة في توفير الاحتياجات الأساسية.

وأوضح التقرير أن استمرار الوضع الحالي يجعل الأمن الغذائي للسكان مرتبطًا بصورة مباشرة بحجم المساعدات التي تصل إلى القطاع، ومدى قدرة المؤسسات الإنسانية على مواصلة برامج الغذاء والتغذية والصحة والمياه.

تقليص برامج النساء الحوامل والمرضعات

ومن أبرز المؤشرات على تراجع الاستجابة الإنسانية، تقليص برامج التغذية التكميلية المخصصة للنساء الحوامل والمرضعات.

وانخفض عدد المستفيدات من هذه البرامج إلى النصف، ليصل إلى نحو ستة آلاف امرأة خلال الفترة الممتدة من يناير/كانون الثاني إلى مايو/أيار من العام الجاري.

وحذر التقرير من أن هذا التقليص قد يؤدي إلى ارتفاع مخاطر سوء التغذية لدى الأمهات والأطفال حديثي الولادة، خاصة في ظل ضعف الخدمات الصحية ونقص المكملات الغذائية والأدوية.

ورجح التصنيف المرحلي أن تشهد برامج المساعدات مزيدًا من التخفيضات نتيجة استمرار نقص التمويل الدولي، إلى جانب الضبابية المتعلقة بقدرة المؤسسات الإنسانية على مواصلة عملها داخل القطاع.

خطر العودة إلى ظروف المجاعة

وكان التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي قد ذكر في تقرير سابق صدر في ديسمبر/كانون الأول الماضي أن بعض مناطق قطاع غزة لم تعد تعيش ظروف المجاعة التي سبق أن حذر منها خلال أغسطس/آب.

غير أن التقرير الجديد أكد أن التقدم الذي تحقق منذ وقف إطلاق النار مهدد بالتراجع، في ظل بدء انخفاض كميات المساعدات الغذائية وتقلص برامج التغذية.

وحذر من أن أي توقف إضافي أو اضطراب واسع في تدفقات الغذاء والمياه والوقود والخدمات الصحية قد يعيد مناطق من القطاع إلى مستويات كارثية من انعدام الأمن الغذائي.

وأشار إلى أن هشاشة الأوضاع تجعل السكان غير قادرين على تحمل أي صدمة جديدة، بما في ذلك استئناف العمليات العسكرية واسعة النطاق، أو إغلاق المعابر، أو تراجع التمويل المخصص لبرامج الإغاثة.

إسرائيل ترفض النتائج

من جهتها، نفت وزارة الخارجية الإسرائيلية فرض قيود على دخول الغذاء إلى قطاع غزة، وقالت إن إسرائيل سهلت دخول أكثر من 1.8 مليون طن من المواد الغذائية إلى القطاع منذ أكتوبر/تشرين الأول 2025.

كما رفضت وحدة تنسيق أعمال الحكومة الإسرائيلية في المناطق، وهي الجهة العسكرية المسؤولة عن الإشراف على تدفق المساعدات، نتائج تقرير التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، واعتبرته «متحيزًا».

وقالت الوحدة إن كميات كبيرة من الغذاء والمياه والإمدادات الطبية دخلت القطاع منذ وقف إطلاق النار، ووجهت اتهامات إلى حركة حماس بتحويل مسار بعض المساعدات ونهبها.

وسبق لإسرائيل أن رفضت نتائج تقييم أصدره التصنيف المرحلي في أغسطس/آب، ونفت اتباع سياسة تجويع بحق سكان غزة، مع إقرارها في ذلك الوقت بوجود نقص في المواد الغذائية.

مخاوف من انهيار المياه والصرف الصحي

وتزامنت التحذيرات من تفاقم الجوع مع تحذيرات أطلقتها منظمات إنسانية بشأن اقتراب شبكات المياه والصرف الصحي في قطاع غزة من انهيار غير مسبوق.

وتعرضت شبكات المياه والآبار ومحطات الضخ والمعالجة لأضرار واسعة خلال الحرب، فيما تعاني المؤسسات المختصة من نقص الوقود وقطع الغيار والمعدات اللازمة لإجراء عمليات الإصلاح.

ويهدد انهيار خدمات المياه والصرف الصحي بانتشار الأمراض المعدية والمنقولة بالمياه، ويزيد من مخاطر سوء التغذية، خصوصًا بين الأطفال والنساء الحوامل وكبار السن والمصابين بالأمراض المزمنة.

وأكدت منظمات الإغاثة أن معالجة أزمة الغذاء لا يمكن أن تتم بمعزل عن توفير المياه النظيفة والرعاية الصحية والمأوى وخدمات الصرف الصحي، محذرة من أن تدهور أي من هذه القطاعات ينعكس مباشرة على الوضع الغذائي والصحي للسكان.

تداعيات حرب ممتدة منذ 2023

ويعيش قطاع غزة تداعيات الحرب التي اندلعت عقب هجوم نفذه مقاتلون بقيادة حركة حماس على جنوب إسرائيل في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.

وتقول إسرائيل إن الهجوم أسفر عن مقتل نحو 1200 شخص، غالبيتهم من المدنيين، واحتجاز 251 رهينة.

وفي المقابل، أفادت السلطات الصحية في قطاع غزة بأن الهجوم العسكري الإسرائيلي اللاحق أدى إلى مقتل أكثر من 73 ألف فلسطيني، غالبيتهم من المدنيين، فضلًا عن إصابة أعداد كبيرة وتدمير مساحات واسعة من القطاع.

وأدت الحرب إلى نزوح معظم سكان غزة مرارًا، وانهيار قطاعات واسعة من النظام الصحي والخدمات العامة، وتدمير المنازل والمدارس والمنشآت الاقتصادية، ما عمق اعتماد السكان على المساعدات الإنسانية.

دعوات إلى تمويل عاجل ومستدام

ويؤكد التقرير أن منع عودة المجاعة يتطلب ضمان تدفق مستدام وكافٍ للمساعدات الإنسانية والغذاء والوقود والمياه والمستلزمات الطبية إلى جميع مناطق قطاع غزة.

كما يتطلب الأمر تمويلًا عاجلًا ومستقرًا لبرامج الإغاثة، ولا سيما برامج علاج سوء التغذية ودعم الأطفال والنساء الحوامل والمرضعات، بدلًا من الاعتماد على تمويل متقطع قد يؤدي إلى إغلاق البرامج أو تقليص المستفيدين منها.

وحذر المرصد من أن استمرار تراجع المساعدات قد يؤدي إلى فقدان التحسن المحدود الذي تحقق منذ وقف إطلاق النار، ودفع مئات آلاف السكان إلى مستويات أكثر خطورة من الجوع وسوء التغذية خلال الأشهر المقبلة.

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - جنيف (رويترز)