بين انعدام الثقة وإمكانية التعايش: كيف يرى الفلسطينيون شروط السلام المستدام؟

بقلم: نبيل كوكالي

الدكتور نبيل كوكالي

بقلم: الدكتور نبيل كوكالي
مؤسس ورئيس المركز الفلسطيني لاستطلاع الرأي (PCPO)

المقدمة

تكشف نتائج الاستطلاع عن مفارقة واضحة في نظرة الفلسطينيين إلى العلاقة الفلسطينية–الإسرائيلية. فمن جهة، تنخفض مستويات الثقة بين الطرفين، ويسود تقييم سلبي للواقع الراهن، ومن جهة أخرى، لم يُغلق الباب نهائياً أمام إمكان التعايش والسلام مستقبلاً.

فالرأي العام الفلسطيني لا يمنح قبولاً غير مشروط، لكنه لا يعبّر أيضاً عن رفض نهائي للسلام. وبدلاً من ذلك، يربط أي تحول إيجابي بإنهاء الاحتلال، وتحقيق العدالة والحقوق المتساوية، وضمان الأمن والكرامة والحرية للطرفين.

وتشير هذه المفارقة إلى أن الموقف الفلسطيني لا يقوم على رفض مبدئي للسلام أو التعايش، بقدر ما يعكس تراجع الثقة في المسارات السياسية التي لم تُحدث تغييراً ملموساً في حياة الناس. فقد أسهم استمرار الاحتلال والعنف والتوسع الاستيطاني وغياب الأفق السياسي في تعميق الشكوك، وجعل قبول أي تسوية مرتبطاً بقدرتها على معالجة جذور الصراع، وتحقيق العدالة، وتوفير ضمانات عملية للحقوق والأمن والحرية.

ومن هنا، تكتسب دراسة اتجاهات الرأي العام أهمية خاصة في تحديد الشروط التي يمكن أن تعيد بناء الثقة، وتحول السلام من اتفاق سياسي إلى واقع قابل للحياة والاستمرار.

وفي هذا السياق، أجرى المركز الفلسطيني لاستطلاع الرأي (PCPO) استطلاعاً حول اتجاهات الرأي العام الفلسطيني تجاه الثقة المتبادلة والتعايش وشروط تحقيق سلام مستدام. واعتمد الاستطلاع أسلوب الاتصال الهاتفي العشوائي (RDD)، ونُفذت المقابلات باستخدام نظام المقابلات الهاتفية بمساعدة الحاسوب (CATI)، بما يعزز دقة جمع البيانات وتنظيمها.

وشملت الدراسة عينة من 309 مستجيبين من الضفة الغربية وقطاع غزة، وبلغ معدل الاستجابة 64%، فيما بلغ هامش الخطأ الإحصائي ±5.57% عند مستوى ثقة 95%.  ونُفذ العمل الميداني خلال الفترة من 5  إلى 18 تموز/يوليو 2026.

الثقة بوصفها العقبة الأولى

اعتبر 61.8% أن غياب الثقة بين الفلسطينيين والإسرائيليين يمثل عقبة كبيرة جداً أمام السلام، ورأى 15.9% أنه يمثل عقبة متوسطة. وبذلك وضع 77.7% أزمة الثقة في صلب المشكلة.

وفي المقابل، اعتبر 8.4% أن غياب الثقة يمثل عقبة محدودة، وقال 11.3% إنه لا يمثل عقبة، بينما لم يحدد 2.6% موقفاً.

وعندما سُئل المشاركون عن العامل الأكثر مسؤولية عن غياب الثقة، اختار 59.9% إجابة «جميع ما سبق»، في إشارة إلى تداخل استمرار الاحتلال، والعنف والصراع المستمر، وغياب التواصل المباشر، والتحريض الإعلامي والسياسي.

كما اختار 15.2% العنف والصراع المستمر بوصفهما العامل الأكثر مسؤولية، وأشار 10.7% إلى استمرار الاحتلال، واختار 8.1% التحريض الإعلامي والسياسي، و4.2% غياب التواصل المباشر، بينما لم يحدد 1.9% موقفاً.

وترفض هذه النتيجة التفسير المبسط الذي يحصر الأزمة في سوء تفاهم بين شعبين. فغياب التواصل جزء من المشكلة، لكنه يعمل داخل سياق أوسع من الاحتلال والعنف والتحريض. ولذلك، لا يمكن اختزال بناء الثقة في لقاءات رمزية أو حملات إعلامية، بل يحتاج إلى تغيير في الظروف السياسية والأمنية التي تنتج الخوف وعدم المساواة.

صورة الطرف الآخر والشك في الرغبة بالسلام

وصف 54.4% نظرتهم الحالية إلى الشعب الإسرائيلي بأنها سلبية أو سلبية جداً، موزعين بين 18.8% وصفوها بأنها سلبية إلى حد ما، و35.6% وصفوها بأنها سلبية جداً.

وفي المقابل، عبّر 16.5% عن نظرة إيجابية بدرجات مختلفة، بينما اتخذ 29.1% موقفاً محايداً. ويكشف الحجم النسبي للكتلة المحايدة عن مساحة غير محسومة قد تتأثر بتغير الظروف والسياسات.

كما اعتقد 52.8% أن غالبية الإسرائيليين لا يرغبون في العيش بسلام مع الفلسطينيين، ورأى 20.1% أن رغبتهم محدودة. وهذا يعني أن 72.9% يشككون، بدرجات مختلفة، في وجود رغبة إسرائيلية كافية لتحقيق السلام.

وفي المقابل، رأى 22.6% أن هذه الرغبة موجودة إلى حد كبير أو إلى حد ما، بينما لم يحدد 4.5% موقفاً.

ولم تكن تصورات المستجيبين عن المجتمع الفلسطيني إيجابية بصورة كاملة أيضاً. فقد رأى 42.1% أن غالبية الفلسطينيين لا يرغبون في العيش بسلام مع الإسرائيليين، واعتبر 14.6% أن رغبتهم محدودة.

وفي المقابل، رأى 41.1% أن الرغبة في العيش بسلام موجودة بدرجة كبيرة أو إلى حد ما، بينما لم يحدد 2.3% موقفاً.

ولا تقيس هذه النتائج بالضرورة موقف كل مستجيب الشخصي من السلام، بل تقيس تصوره لاتجاه المجتمع. ومع ذلك، فإنها تكشف أن فقدان الثقة لم يعد موجهاً نحو الطرف الآخر وحده، بل أصبح يؤثر أيضاً في تقييم قدرة المجتمعين معاً على الخروج من الصراع.

غياب التواصل: عامل مهم لكنه ليس بديلاً عن الحل السياسي

رأى 69.6% أن غياب التواصل المباشر يزيد كثيراً أو إلى حد ما من سوء الفهم بين الطرفين، بينما رأى 12.9% أنه يزيد سوء الفهم بدرجة قليلة.

وفي المقابل، قال 15.9% إن غياب التواصل لا يزيد من سوء الفهم، بينما لم يحدد 1.6% موقفاً.

ومع ذلك، لم يختر سوى 4.2% غياب التواصل بوصفه العامل المنفرد الأكثر مسؤولية عن انعدام الثقة.

وتوضح المقارنة بين النتيجتين أن التواصل مهم لتقليل الصور النمطية، وتصحيح المعلومات الخاطئة، وفتح مساحة للاعتراف بإنسانية الطرف الآخر، لكنه لا يستطيع وحده معالجة الاحتلال والعنف والحرمان من الحقوق.

ولذلك، يصبح التواصل أكثر فاعلية عندما يجري في بيئة توفر أفقاً سياسياً وأمنياً عادلاً، لا عندما يُستخدم بديلاً عن معالجة جذور الصراع.

ما الذي يمكن أن يعيد بناء الثقة؟

في سؤال العوامل القادرة على بناء الثقة، جاء إنهاء العنف من جميع الأطراف في المرتبة الأولى بنسبة 40.8%، يليه التوصل إلى اتفاق سياسي بنسبة 29.5%، ثم تحسين الظروف الاقتصادية بنسبة 13.3%، وزيادة التواصل بين المجتمعين بنسبة 7.4%.

كما اختار 5.5% جميع العوامل مجتمعة، بينما توزعت النسبة المتبقية على إجابات أخرى أو متعددة.

وتشير هذه الأولويات إلى تسلسل واضح: تخفيف الخوف والعنف أولاً، ثم إيجاد قاعدة سياسية عادلة، وبعد ذلك توسيع المصالح الاقتصادية وقنوات التواصل.

كما اختار 70.6% وقف التوسع الاستيطاني ضمن الخطوات التي يمكن أن تحسن الأوضاع وتعزز فرص السلام والاستقرار، ما يبين أن بناء الثقة يرتبط أيضاً بوقف التغيرات على الأرض التي تقوض إمكان الحل السياسي.

الأمن والكرامة والحرية: سلام لا يقوم على حقوق منقوصة

وافق 80.6% على أنه لا يمكن تحقيق سلام دائم من دون ضمان الأمن والكرامة والحرية لكل من الفلسطينيين والإسرائيليين، موزعين بين 48.2% وافقوا بشدة و32.4% وافقوا.

وفي المقابل، بلغت نسبة عدم الموافقة 17.8%، بينما لم يحدد 1.6% موقفاً.

وتكشف النتيجة أن السلام المقبول فلسطينياً لا يقوم على أمن طرف مقابل حرمان الطرف الآخر من حقوقه. كما يرتبط السلام، في الوعي العام، بالتوازن بين الأمن والحياة الطبيعية وحرية الحركة والكرامة.

والمعنى الأساسي هنا هو أن الحقوق والاستقرار يجب أن يتقدما معاً، وألا يتحقق أحدهما على حساب الآخر.

العوامل اللازمة للسلام المستدام

عندما سُئل المشاركون عن العامل الأكثر أهمية لتحقيق سلام مستدام، اختار 53.1% جميع العوامل مجتمعة، وهي: إنهاء الاحتلال، وتحقيق الأمن للطرفين، والتنمية الاقتصادية، وبناء الثقة المتبادلة، والاعتراف المتبادل بالحقوق الوطنية.

وجاء إنهاء الاحتلال منفرداً في المرتبة الثانية بنسبة 26.9%، ثم تحقيق الأمن للطرفين بنسبة 7.8%، والاعتراف المتبادل بالحقوق الوطنية بنسبة 5.8%، وبناء الثقة المتبادلة بنسبة 3.6%، والتنمية الاقتصادية بنسبة 2.3%، بينما لم يحدد 0.6% موقفاً.

وتعكس هذه النتيجة إدراكاً بأن السلام المستدام لا ينتج من إجراء واحد. فهو يحتاج إلى أساس سياسي يعالج الاحتلال والحقوق الوطنية، وإلى ترتيبات أمنية متبادلة، واقتصاد قابل للحياة، ومسار مجتمعي يعالج آثار الخوف والعداء المتراكمين.

التعايش الممكن ليس تعايشاً بلا عدالة

وافق 68.9%، أي نحو 69.0%، على إمكان تعايش الفلسطينيين والإسرائيليين مستقبلاً إذا توفرت العدالة والحقوق المتساوية للطرفين، موزعين بين 29.8% وافقوا بشدة و39.2% وافقوا.

وفي المقابل، لم يوافق 29.1% بدرجات مختلفة، بينما لم يحدد 1.9% موقفاً.

كما رأى 26.9% أن العلاقات الطبيعية بين الشعبين يمكن أن تتحسن بالتأكيد إذا تم التوصل إلى اتفاق سياسي عادل يضمن الحقوق الفلسطينية، وقال 19.4% إنها يمكن أن تتحسن إلى حد ما، وأضاف 31.4% أن ذلك ربما يحدث.

وبذلك، بلغت دائرة التوقع الإيجابي أو الاحتمال المشروط 77.7%، مقابل 21.0% استبعدوا التحسن، و1.3% لم يحددوا موقفاً.

وتتضح هنا الرسالة المركزية: السلبية تجاه الواقع الحالي لا تساوي رفضاً أبدياً للتعايش، بل تعكس رفض تعايش يقوم على استمرار الاحتلال أو تفاوت الحقوق.

فحين يُطرح اتفاق عادل يغير الواقع ويضمن الحقوق، تبقى مساحة واسعة لإمكان تحسن العلاقات مع مرور الوقت.

ما الضمانة الأفضل لسلام طويل الأمد؟

اختار 44.3% إنهاء الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية مستقلة باعتبارهما أفضل ضمانة للسلام طويل الأمد.

كما اختار 32.7% جميع الضمانات مجتمعة، التي تشمل إنهاء الاحتلال، والترتيبات الأمنية المتبادلة، والتنمية الاقتصادية المشتركة، وبناء الثقة والتواصل.

وفي المقابل، اختار 8.1% التنمية الاقتصادية المشتركة، و7.1% الترتيبات الأمنية المتبادلة، و6.5% بناء الثقة والتواصل، بينما لم يحدد 1.3% موقفاً.

وتعطي النتيجة أولوية واضحة للحل السياسي المتعلق بإنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية، لكنها لا تختزل السلام في هذا الجانب وحده.

فاختيار ما يقارب ثلث العينة جميع الضمانات يعكس وعياً بأن الدولة والسيادة تحتاجان أيضاً إلى الأمن، واقتصاد قابل للحياة، وعلاقات مجتمعية تساعد على تثبيت السلام، لا مجرد توقيعه.

 

الاتفاق السياسي بداية لمسار السلام وليس نهايته

وافق 80.9% على أن السلام الحقيقي لا يتحقق فقط عبر الاتفاقيات السياسية، بل أيضاً من خلال بناء الثقة والاحترام المتبادل بين الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي.

وتوزعت الموافقة بين 36.6% وافقوا بشدة و44.3% وافقوا، مقابل 17.2% لم يوافقوا بدرجات مختلفة، بينما لم يحدد 1.9% موقفاً.

ولا تقلل هذه النتيجة من أهمية الاتفاق السياسي، بل تضعه في بداية مسار بناء السلام. فالاتفاق يستطيع تغيير القواعد والمؤسسات والعلاقات القانونية، لكن تحويله إلى سلام فعلي يتطلب شعور المواطنين بأن حقوقهم وأمنهم وكرامتهم أصبحت مصونة، وأن حياتهم اليومية قد تغيرت.

كما يحتاج السلام إلى مؤسسات وقنوات تواصل تساعد على معالجة الخلافات، وتمنع تحولها مجدداً إلى دوائر من العنف.

الخلاصة

السلام المستدام، كما ترسمه النتائج، ليس صفقة أمنية منفصلة، ولا مشروع تعايش اجتماعي يتجاهل السياسة. إنه معادلة تبدأ بإنهاء الاحتلال والاعتراف بالحقوق، وتضمن الأمن والكرامة والحرية، وتوقف العنف والتوسع الاستيطاني، ثم تبني الثقة عبر التواصل والمصالح المشتركة والتنمية.

وعليه، فإن عمق أزمة الثقة لا يعني استحالة السلام، بل يكشف أن أي تسوية لا تغير الواقع ولا تحقق العدالة ستظل فاقدة للمصداقية.

ومع ذلك، تبقى إمكانية التعايش وتحسن العلاقات قائمة إذا تم التوصل إلى اتفاق سياسي عادل يوقف العنف والتوسع الاستيطاني، ويُحدث تغييراً ملموساً في حياة الناس.

فالسلام المستدام لا يتحقق بتوقيع الاتفاقيات وحده، بل يحتاج أيضاً إلى بناء الثقة والاحترام المتبادل، وتعزيز التنمية والمصالح المشتركة، حتى يتحول من اتفاق سياسي إلى واقع قابل للحياة والاستمرار.

نبذة عن المؤلف
د. نبيل كوكالي، مؤسس ورئيس المركز الفلسطيني لاستطلاع الرأي (PCPO)، وباحث متخصص في استطلاعات الرأي العام ومنهجيات المسوح. يمتلك أكثر من ثلاثة عقود من الخبرة في البحوث الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وأشرف على العديد من الدراسات الوطنية والدولية في فلسطين والشرق الأوسط.

 

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة قدس نت