قراءة سياسية في دلالات التحول بملفي السلاح والموظفين، وتكامل الأدوار المصرية والقطرية والتركية والأميركية لإنقاذ الاتفاق من التعطيل
تبدو مباحثات القاهرة بشأن المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة هذه المرة مختلفة عن سابقاتها؛ ليس لأن الملفات المعقدة اختفت من طاولة التفاوض، ولا لأن الجانب الإسرائيلي قدم ضمانات نهائية بالتنفيذ، بل لأن الأطراف الفلسطينية والوسطاء انتقلوا من مرحلة النقاش حول المبادئ العامة إلى مرحلة صياغة الحلول التفصيلية لأكثر بندين تعقيداً: مستقبل سلاح الفصائل، وأوضاع الموظفين العاملين في المؤسسات المدنية والأمنية بقطاع غزة.
وتشير التقارير المتقاطعة الصادرة مساء الأربعاء 29 يوليو/تموز 2026 إلى أن حركة «حماس» والفصائل الفلسطينية قطعت شوطاً متقدماً في التوافق على خطة الممثل الأعلى لمجلس السلام بشأن غزة، نيكولاي ملادينوف، بعد إدخال تعديلات قانونية وفنية على بنودها، ولا سيما البند الخامس المتعلق بالموظفين، والبند الثامن الخاص بالسلاح والبنية التحتية العسكرية.
لكن الفارق يظل قائماً بين التوافق الفلسطيني مع الوسطاء على الصياغة وبين التوصل إلى اتفاق نهائي ملزم لجميع الأطراف؛ إذ لم يصدر حتى الآن إعلان رسمي مشترك يحدد الجداول الزمنية للتنفيذ، كما لم يتضح ما إذا كانت إسرائيل ستقبل الصيغة كاملة، أم ستسعى مجدداً إلى تفسير بنودها بما يخدم أهدافها السياسية والأمنية. وأفادت تقارير بأن التفاهمات الفلسطينية أصبحت جاهزة للعرض على الجانب الإسرائيلي، بينما توقعت مصادر صدور بيان عن الوسطاء عقب استكمال المشاورات.
غزة تنتظر «بشرى» بعد نحو ثلاثة أعوام من الاستنزاف
ينطلق الكاتب والباحث السياسي أكرم عطا الله في قراءته للمشهد من الحالة الإنسانية والسياسية التي يعيشها قطاع غزة، مؤكداً أن سكان القطاع ينتظرون أي تطور قادر على إخراجهم من دائرة الموت والتدمير والنزوح المستمر.
وبحسب عطا الله، فإن المناخات التفاؤلية المتداولة هذه المرة تبدو أكثر جدية من الجولات السابقة؛ إذ لا تصدر التصريحات الإيجابية عن شخصيات فلسطينية مطلعة من دون الاستناد إلى معلومات واتصالات مباشرة مع الأطراف المشاركة في التفاوض. كما جاء في حديث تلفزيوني رصدته «وكالة قدس نت للأنباء»
ويربط عطا الله هذا التفاؤل بما أعلنه سمير المشهراوي، نائب رئيس تيار الإصلاح الديمقراطي في حركة «فتح»، عن اقتراب الاتفاق، إلى جانب تصريحات قيادات في «حماس» تحدثت عن الأمل في زف بشرى إلى الشعب الفلسطيني.
كما يرى أن وصول الوفد القيادي للحركة إلى القاهرة، بعد مشاورات داخلية مكثفة، يعكس وجود قرار سياسي أكثر نضجاً باتجاه القبول بالصيغة المتاحة، وليس مجرد جولة جديدة هدفها الاستماع إلى مقترحات الوسطاء أو تأجيل اتخاذ القرار.
وكانت «حماس» قد أعلنت أن وفدها توجه إلى القاهرة لعقد لقاءات مع المسؤولين المصريين ووسطاء من مصر وقطر وتركيا، إضافة إلى الفصائل الفلسطينية، بهدف تثبيت وقف إطلاق النار وضمان تنفيذ الالتزامات التي جرى الاتفاق عليها في شرم الشيخ، والانتقال إلى المرحلة الثانية من الخطة الأميركية.

ما الجديد في جولة القاهرة؟
يرى أكرم عطا الله أن التفاؤل الحالي لا يستند إلى عامل واحد، بل إلى اجتماع سلسلة من المتغيرات التي لم تكن متوافرة بالقوة نفسها خلال الجولات السابقة.
أول هذه المتغيرات هو دخول الولايات المتحدة بصورة أعمق في تفاصيل التفاوض، بعدما كان الدور الأميركي، وفق قراءة عطا الله، يترك مساحة واسعة لإسرائيل كي تقبل مقترحات الوسطاء أو ترفضها من دون ضغوط حقيقية.
وتقوم المقاربة الجديدة، كما يشرحها عطا الله، على إقناع الإدارة الأميركية بأن تعطيل الاتفاق لا يصدر بالضرورة عن الجانب الفلسطيني وحده، وأن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد يستخدم الغموض في البنود أو الخلافات حول السلاح والموظفين لإفشال المسار الأميركي نفسه.
وبهذا المعنى، لم تعد القضية بالنسبة إلى واشنطن مجرد خلاف فلسطيني–إسرائيلي، بل أصبحت مرتبطة بمصداقية الخطة الأميركية وقدرة الرئيس دونالد ترامب على تحقيق إنجاز سياسي في غزة، في وقت تواجه فيه سياساته الإقليمية عقبات متعددة.
أما المتغير الثاني، فهو ارتفاع مستوى التنسيق بين الوسطاء؛ إذ تتولى مصر الدور السياسي والأمني المركزي، بينما يمكن لقطر أن تؤدي دوراً حاسماً في معالجة الأبعاد المالية، وخاصة حقوق الموظفين والرواتب والتقاعد، بالتوازي مع الدور التركي المستند إلى علاقات أنقرة مع «حماس» واتصالاتها الوثيقة بالإدارة الأميركية.
ويضاف إلى ذلك، وفق تصريحات المشهراوي وتقارير فلسطينية، دور تيار الإصلاح الديمقراطي والقيادي محمد دحلان في تقريب وجهات النظر وإجراء اتصالات مع المسؤولين المصريين والأميركيين. غير أن هذا الدور يظل في إطار الوساطة وتذليل العقبات، وليس جزءاً معلناً من البنية الرسمية للوفود المفاوضة أو من ترتيبات إدارة القطاع.
وأكدت مصادر تحدثت إلى صحيفة «الشرق الأوسط» أن تيار الإصلاح يؤدي دوراً في تقريب المواقف، بينما أشار المشهراوي إلى وجود تنسيق مكثف مع رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية اللواء حسن رشاد واتصالات مع الجانب الأميركي.
من الصراع على المبادئ إلى التفاوض على الصياغات
أحد أهم المؤشرات على جدية الجولة الحالية هو انحسار الخلاف، وفق التقارير المنشورة، في البندين الخامس والثامن من خطة تتكون من 15 بنداً.
فقد كانت الفصائل قد توافقت على 13 بنداً، بينما ظل ملف الموظفين وملف السلاح يمثلان العقدتين الأكثر صعوبة، بسبب ارتباطهما بمستقبل حكم قطاع غزة، ومصير البنية الأمنية والإدارية القائمة، ومكانة حركة «حماس» بعد انتقال إدارة القطاع.
وتشير هذه النقلة إلى أن الخلاف لم يعد يدور حول رفض مبدأ انتقال الإدارة أو تشكيل اللجنة الوطنية أو نشر قوة دولية، بل أصبح مرتبطاً بالتعريفات القانونية وآليات التنفيذ وتوقيته وتسلسله.
وهذا تطور سياسي مهم؛ لأن المفاوضات السابقة كانت تتعثر عند السؤال الأول: هل تقبل «حماس» التخلي عن إدارة غزة ومناقشة سلاحها؟ أما المفاوضات الحالية فتدور حول السؤال الثاني: كيف يجري انتقال الإدارة ومعالجة السلاح والموظفين من دون إحداث فراغ أمني أو اجتماعي، ومن دون منح إسرائيل حق التحكم المنفرد في العملية؟
وبحسب «العربي الجديد»، تنص الصياغة المتعلقة بالسلاح على بدء عملية التخزين والحصر أو الجمع بعد تنفيذ الالتزامات المتبقية من بروتوكول شرم الشيخ، ودخول اللجنة الوطنية إلى غزة، ونشر قوة الاستقرار الدولية، بينما تشمل العملية الأسلحة الثقيلة والمستودعات والأنفاق ومواقع الإنتاج العسكري.

ملف الموظفين: من عقدة سياسية إلى تسوية قانونية ومالية
يعد ملف الموظفين أكثر من مجرد مسألة رواتب؛ فهو يرتبط بعشرات آلاف الأسر، وباستمرار عمل الوزارات والبلديات والمستشفيات والمدارس والأجهزة المدنية والأمنية، وبقدرة أي لجنة جديدة على إدارة قطاع غزة من دون تفكيك المؤسسات القائمة أو خلق أزمة اجتماعية واسعة.
وبحسب أحدث التقارير، يجري بحث صيغة تقوم على تشكيل لجنة قانونية فلسطينية لمعالجة أوضاع الموظفين وفق القوانين المعمول بها، وبما يحفظ الحقوق والمستحقات ويحدد أوضاع العاملين بعد انتقال المسؤوليات إلى اللجنة الوطنية.
وكشفت مصادر فلسطينية عن مقترح يتناول نحو خمسة آلاف موظف يعملون في جهاز الشرطة، يقوم على نقل من تنطبق عليهم الشروط من المسار الأمني إلى وظائف مدنية، أو إحالة بعضهم إلى التقاعد مع حفظ حقوقهم، بعد إخضاع الأسماء لعمليات تدقيق وفحص.
ولا تعني هذه الصيغة أن جميع العاملين في المؤسسات الأمنية سيبقون في مواقعهم، أو أن الرقم والتفاصيل أصبحا نهائيين؛ فهي لا تزال مقترحات قيد البحث. لكنها تكشف الاتجاه العام للحل: تجنب الفصل الجماعي أو الإقصاء السياسي، وفي الوقت نفسه منع انتقال الجهاز الأمني القائم بصورة كاملة إلى الإدارة الجديدة من دون مراجعة قانونية وأمنية.
وفي قراءة أكرم عطا الله، كان هذا الملف أسهل نسبياً من ملف السلاح، لأن جزءاً كبيراً منه مالي وقانوني ويمكن للوسطاء، وخاصة قطر، المساهمة في تسويته من دون الحاجة إلى موافقة إسرائيل على كل تفصيل.حسب متابعة «وكالة قدس نت للأنباء»
ويرى عطا الله أن من الخطأ أصلاً تحويل حقوق الموظفين إلى ورقة تفاوض مباشرة مع إسرائيل، لأنها تستطيع استخدام الملف لتعطيل الاتفاق أو تفكيك البنية الإدارية الفلسطينية، بينما يمكن الوصول إلى ترتيبات فلسطينية–عربية تحمي الموظفين وتمنع انهيار المؤسسات.
وتقوم المعالجة المتداولة، وفق قراءة عطا الله، على التمييز بين فئات مختلفة: موظفون مهنيون لا يرتبطون تنظيمياً بـ«حماس» ويمكن استمرارهم في العمل؛ وعاملون يمكن نقلهم من الوظائف الأمنية إلى وظائف مدنية؛ وفئات يمكن إحالتها إلى التقاعد مع ضمان حقوقها.
وتحمل هذه المقاربة قدراً من الواقعية، لكنها ستحتاج إلى قواعد شفافة ومعلنة، حتى لا يتحول «الفحص الأمني» إلى أداة إسرائيلية للإقصاء السياسي أو إلى عملية انتقائية تحرم آلاف الموظفين من حقوقهم.
السلاح: حفظ وتسليم فلسطيني بدلاً من النزع الإسرائيلي
يبقى ملف السلاح هو الاختبار الأصعب، لأنه يتجاوز الجانب الفني إلى جوهر المشروع السياسي والأمني لحركة «حماس» والفصائل المسلحة.
ووفق مصادر فلسطينية مطلعة، تتضمن الصيغة المطروحة «حفظ» السلاح أو تخزينه وحصره، وليس تسليمه مباشرة إلى إسرائيل، على أن يوضع لدى جهة فلسطينية مرتبطة باللجنة الوطنية أو بقوة شرطة فلسطينية تعمل خلال المرحلة الانتقالية.
وأكد سمير المشهراوي أن المقترح الفلسطيني لا يقوم على تسليم السلاح إلى إسرائيل، بل إلى جهة فلسطينية، معتبراً أن حماية الدم الفلسطيني هي الأولوية التي ينبغي أن تتقدم على قدسية الأدوات والوسائل.
كما نقلت تقارير عن مصادر مشاركة في مشاورات القاهرة أن الصيغة المتداولة تضمن حفظ السلاح وتسليمه إلى قوات فلسطينية، بالتزامن مع دخول لجنة التكنوقراط ونشر قوة الاستقرار الدولية، وربط التنفيذ بضمانات تمنع الخروقات والتوسع الإسرائيلي بعد «الخط الأصفر».
وأفادت تقارير أخرى بأن «حماس» وافقت على إدراج مصطلح «البنية التحتية» في البند المتعلق بالسلاح، بعد أن كانت تتحفظ عليه، على أن يجري تحديد تعريف المصطلح ونطاقه وآليات التعامل معه بالاتفاق مع الوسطاء.
وهنا يطرح أكرم عطا الله تحذيراً مركزياً: الصياغات الملتبسة في اتفاق بين طرفين غير متكافئين لا تكون محايدة، لأن الطرف الأقوى عسكرياً هو الذي يحاول فرض تفسيره على الأرض.
فمصطلح مثل «البنية التحتية» يمكن أن يشمل، في التفسير الفلسطيني، الأسلحة الثقيلة والأنفاق ومواقع الإنتاج العسكري، لكنه قد يتحول في التفسير الإسرائيلي إلى مبرر لاستهداف منشآت مدنية أو ملاحقة أفراد أو فرض مطالب جديدة لا تتضمنها الصياغة الأصلية.
لذلك فإن التحدي ليس في قبول المصطلح أو رفضه فقط، بل في وضع تعريف تفصيلي ومغلق له، وتحديد الجهة التي تقرر وقوع المخالفة، وآلية فض النزاعات، وترتيب الخطوات بصورة متبادلة، بحيث لا تنفذ الفصائل التزاماتها أولاً ثم تترك لإسرائيل حرية تأجيل الانسحاب أو إعادة الإعمار.

«أفضل الممكن» وتحول حسابات حماس
ينظر أكرم عطا الله إلى المرونة الجديدة لدى «حماس» بوصفها انتقالاً من البحث عن الحل المثالي إلى قبول «أفضل الممكن» في ظل موازين قوى شديدة القسوة.
فالحركة، وفق قراءته، تواجه ضغطاً عسكرياً وجغرافياً وزمنياً متزايداً، في وقت تواصل إسرائيل توسيع مناطق سيطرتها وتهدد بدفع السكان نحو مساحات أضيق، بما قد يسمح لها بعزل ما تبقى من عناصر الحركة واستنزافهم داخل نطاق محدود.
وفي هذه الحالة، يمكن أن تفقد أوراق السلاح والموظفين قيمتها التفاوضية مع مرور الوقت؛ إذ لن يبقى للموظفين إطار إداري يمكن حمايته، وقد يصبح الاحتفاظ بالسلاح غير قادر على منع التوسع العسكري الإسرائيلي أو حماية السكان.
لذلك يرى عطا الله أن المقايضة الحالية، التي تربط معالجة السلاح بضمان حقوق الموظفين ومنع الاجتياح ودخول لجنة الإدارة، قد تكون أفضل من تأجيل القرار إلى مرحلة تصبح فيها الحركة أمام شروط أكثر قسوة.
ولا يقدم عطا الله هذه النتيجة بوصفها انتصاراً كاملاً لأي طرف، بل بوصفها تسوية فرضتها كلفة الحرب واختلال القوة. فالمرونة الفلسطينية يمكن أن تنقذ أرواحاً وتحافظ على ما تبقى من مؤسسات، لكنها لن تكون مكسباً حقيقياً ما لم تتزامن مع انسحاب إسرائيلي وفتح المعابر ووقف الغارات وبدء إعادة الإعمار.
قوة الاستقرار: غطاء للجنة أم قيد جديد على الفلسطينيين؟
يمثل قبول إسرائيل الإطار القانوني لدخول قوة الاستقرار الدولية تطوراً مهماً في حسابات المرحلة الثانية.
فقد وافق المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر على السماح بدخول قوة أولية متعددة الجنسيات إلى مناطق في قطاع غزة، تضم نحو 200 عنصر من دول توصف بأنها صديقة، من بينها المغرب وأوغندا، مع بقاء دخول كل وحدة خاضعاً لموافقة إسرائيلية منفصلة وعدم تحديد موعد نهائي للانتشار.
وترى قراءة عطا الله أن أهمية هذه القوة ليست في عددها المحدود، الذي لا يسمح لها بإدارة الأمن في كامل قطاع غزة، بل في الغطاء السياسي والرمزي الذي يمكن أن توفره للجنة الوطنية والشرطة الفلسطينية.
فمن دون القوة الدولية، قد تبدو اللجنة وكأنها تعمل في مناطق خاضعة للسيطرة الإسرائيلية، أو تنسق مباشرة مع الجيش الإسرائيلي، وهو ما يضعف شرعيتها الوطنية.
أما وجود قوة دولية، حتى لو كانت محدودة في البداية، فيمنح اللجنة مرجعية انتقالية ويخلق فاصلاً رمزياً وعملياً بينها وبين الاحتلال، ويسمح للشرطة الفلسطينية بالتعامل مع جهة دولية بدلاً من الظهور كجهاز يعمل تحت المظلة الأمنية الإسرائيلية.
لكن هذه القوة تحمل في الوقت نفسه نقاط ضعف واضحة؛ إذ إن انتشارها مشروط بالموافقة الإسرائيلية، وقد يبدأ في منطقة تجريبية محدودة في رفح، بينما لا تزال إسرائيل تسيطر على مساحات واسعة من القطاع.
وبالتالي، يمكن أن تصبح قوة الاستقرار جسراً لعودة الإدارة الفلسطينية وبدء الانسحاب، أو تتحول إلى غطاء لإدارة مناطق محددة بينما تواصل إسرائيل سيطرتها على بقية غزة. والفيصل بين الاحتمالين سيكون طبيعة التفويض والجدول الزمني للانسحاب وحرية حركة اللجنة والقوة الدولية.
اللجنة الوطنية وانتقال الحكم
يرتبط نجاح المرحلة الثانية بقدرة اللجنة الوطنية لإدارة غزة، برئاسة علي شعث، على دخول القطاع وتسلم المؤسسات المدنية والخدمية.
وقد اتخذت «حماس» خطوات تمهيدية عندما أُعلن حل لجنة متابعة العمل الحكومي في غزة استعداداً لنقل الصلاحيات إلى اللجنة الوطنية، وهو ما يعكس قبولاً مبدئياً بإنهاء شكل الإدارة الحالية وفتح الطريق أمام بنية انتقالية جديدة.
غير أن انتقال الحكم لا يتحقق بمجرد صدور قرار فلسطيني؛ إذ يتطلب السماح لأعضاء اللجنة بالدخول، وفتح المعابر، وتأمين التمويل، وإعادة تشغيل المؤسسات، ونشر الشرطة، وتوفير الحماية الدولية، وإطلاق عملية التعافي المبكر.
وسيكون ملف تسلم السلاح أو حفظه مرتبطاً بالجهة الأمنية التي ستعمل تحت مظلة اللجنة. فإذا جرى تشكيل قوة شرطة فلسطينية من عناصر جدد وموظفين مدنيين وأمنيين خضعوا للتدقيق، فقد تكون هذه الشرطة هي الجهة الفلسطينية التي تتولى حفظ السلاح الثقيل والمستودعات خلال المرحلة الانتقالية.
لكن نجاح هذه الصيغة مشروط بألا تتحول اللجنة إلى مجرد جهاز إداري لتقديم الخدمات تحت السيطرة الإسرائيلية، وبأن تكون مهمتها جزءاً من عملية استعادة الوحدة السياسية والجغرافية بين غزة والضفة الغربية.
الانتخابات الإسرائيلية وضغط اللحظة الأخيرة
يلفت أكرم عطا الله إلى أن الانتخابات الإسرائيلية تلقي بظلها على المفاوضات، لأن نتنياهو يحتاج إلى دخولها بخطاب يؤكد تحقيق هدفه المعلن بإسقاط حكم «حماس» ومنع عودتها إلى إدارة غزة.
وأشارت مصادر فلسطينية تحدثت إلى «الشرق الأوسط» إلى خشيتها من أن يعطل نتنياهو التفاهمات حتى لا يظهر أمام منافسيه وكأنه منح «حماس» مكسباً سياسياً، مع اقتراب انتخابات الكنيست المقررة في نهاية أكتوبر/تشرين الأول 2026.
لكن العامل الانتخابي يمكن أن يعمل في الاتجاهين؛ فقد يدفع نتنياهو إلى التعطيل والمطالبة بشروط إضافية، وقد يدفعه أيضاً إلى قبول صفقة تتيح له القول إن حكم «حماس» انتهى وإن سلاحها الثقيل أصبح خاضعاً للحصر أو التخزين.
وهنا تتقاطع مصلحة نتنياهو الانتخابية مع رغبة ترامب في إعلان نجاح خطته، لكن هذا التقاطع لا يعني بالضرورة أن المصالح الفلسطينية مضمونة.
فالجانب الإسرائيلي يمكن أن يوافق على العنوان السياسي للاتفاق، مثل دخول اللجنة أو نشر قوة دولية، ثم يفرغ هذه الخطوات من مضمونها عبر القيود الأمنية والتحكم في المعابر وتأخير الانسحاب وإبقاء حق تنفيذ الغارات.
هل سُحبت ذرائع إسرائيل فعلاً؟
يمكن القول إن المرونة التي أبدتها الفصائل تقلص مساحة الذرائع الإسرائيلية، لكنها لا تلغيها بالكامل.
فموافقة «حماس» على مناقشة السلاح، وقبول انتقال إدارة القطاع، والاستعداد لمعالجة أوضاع الموظفين، وإدراج مصطلح البنية التحتية، كلها خطوات تجعل من الصعب على إسرائيل الادعاء بأن الطرف الفلسطيني يرفض بصورة مطلقة متطلبات المرحلة الثانية.
لكن التجربة تشير إلى أن إسرائيل لا تحتاج دائماً إلى ذريعة ثابتة؛ إذ يمكنها إثارة خلاف حول تفسير بند، أو الاعتراض على اسم في الشرطة، أو الادعاء بوجود سلاح غير مسجل، أو ربط الانسحاب بشروط أمنية جديدة.
لذلك، فإن سحب الذرائع يحتاج إلى أكثر من مرونة فلسطينية. يحتاج إلى وثيقة تفصيلية، وضمانات أميركية وعربية، وآلية مراقبة، وجدول زمني، وربط كل خطوة فلسطينية بخطوة إسرائيلية مقابلة.
وبدون هذه الضمانات، يمكن أن تتحول موافقة الفصائل إلى تنازل منفرد، بينما تستمر إسرائيل في تغيير الوقائع على الأرض.
ثلاثة اختبارات تحسم مصير التفاهمات
الاختبار الأول هو الموقف الإسرائيلي النهائي. فقد أصبحت معظم الصياغات محل توافق فلسطيني مع الوسطاء، لكن إسرائيل لا تزال قادرة على الاعتراض أو طلب تعديلات أو فرض شروط على التنفيذ.
الاختبار الثاني هو تسلسل الخطوات. هل يبدأ حصر السلاح قبل الانسحاب، أم بالتزامن معه؟ وهل تدخل اللجنة قبل فتح المعابر، أم بعده؟ وهل تبدأ إعادة الإعمار فوراً، أم تبقى رهينة التحقق الأمني الإسرائيلي؟
أما الاختبار الثالث فهو الضمانات. فالاتفاق الذي لا يتضمن جهة قادرة على إلزام إسرائيل بوقف الخروقات لن يختلف كثيراً عن التفاهمات السابقة التي تعرضت للتآكل بفعل القصف والاغتيالات وقضم الأراضي.
ومن هنا يظل التفاؤل مشروعاً، لكنه يجب أن يكون تفاؤلاً سياسياً حذراً، لا احتفالاً مبكراً باتفاق لم يستكمل توقيعه وتنفيذه.

فرصة لإنهاء الحرب أم إعادة ترتيب للصراع؟
تكشف مباحثات القاهرة عن محاولة لإعادة بناء المعادلة الفلسطينية في غزة: خروج «حماس» من الإدارة المباشرة، انتقال المسؤوليات إلى لجنة تكنوقراط، تشكيل شرطة فلسطينية جديدة، حفظ السلاح لدى جهة فلسطينية، دخول قوة دولية، وبدء عملية تعافٍ وإعمار.
إذا نُفذت هذه العناصر بصورة متوازنة، فقد تمثل المرحلة الثانية مدخلاً لإنهاء الحرب وإعادة توحيد المؤسسات الفلسطينية ومنع التهجير واستعادة الحياة.
أما إذا نُفذت بصورة انتقائية، فقد تتحول إلى ترتيب أمني يخفف الأعباء عن إسرائيل، بينما تبقى سيطرتها العسكرية قائمة وتتحمل اللجنة الفلسطينية مسؤولية إدارة السكان والخدمات.
وهذه هي المسألة السياسية الأعمق التي تطرحها قراءة أكرم عطا الله: ليست المشكلة في أن تقدم الفصائل تنازلاً مؤلماً لإنقاذ غزة، بل في ضمان ألا يدفع الفلسطينيون الثمن السياسي والأمني كاملاً، ثم يكتشفوا أن الطرف الإسرائيلي لم ينفذ شيئاً مقابله.
الخلاصة: اتفاق يقترب.. لكن التنفيذ هو الخبر الحقيقي
تدل المؤشرات الحالية على أن مفاوضات القاهرة بلغت مرحلة متقدمة لم تصل إليها خلال جولات سابقة. فقد تقلصت الخلافات، وظهرت حلول قانونية لملف الموظفين، وصياغة فلسطينية أكثر مرونة بشأن السلاح، كما وافقت إسرائيل مبدئياً على الإطار القانوني لدخول قوة دولية، وارتفع مستوى التدخل الأميركي والتنسيق المصري–القطري–التركي.
لكن الخبر السياسي الحقيقي لن يكون مجرد إعلان موافقة فلسطينية على خطة ملادينوف، بل نجاح الوسطاء في تحويلها إلى اتفاق متبادل ومتزامن وملزم.
فالفلسطينيون لا يحتاجون إلى وثيقة جديدة تضاف إلى الاتفاقات السابقة، بل إلى وقف فعلي للغارات، وانسحاب إسرائيلي واضح، وفتح دائم للمعابر، وتدفق المساعدات، ودخول اللجنة الوطنية، وحماية الموظفين، وبدء إعادة إعمار حقيقية.
وبين «أفضل الممكن» الذي قبلت الفصائل الاقتراب منه، وأسوأ السيناريوهات الذي يهدد به استمرار التوسع الإسرائيلي، تقف القاهرة أمام فرصة سياسية نادرة.
نجاحها يمكن أن يفتح الباب أمام مرحلة تعافٍ واستعادة للوحدة الفلسطينية، أما فشلها فسيعيد غزة إلى دائرة الاستنزاف، ويؤكد أن المشكلة لم تكن يوماً في غياب الصيغ الفلسطينية، بل في غياب الإرادة والضمانات القادرة على إلزام إسرائيل بتنفيذ ما توافق عليه.
