تحليل بين الدفع الأميركي والكوابح الإسرائيلية.. هل يصمد اتفاق غزة أمام تصعيد نتنياهو؟

يتفقد فلسطينيون الأضرار الناجمة عن غارة جوية إسرائيلية استهدفت منزلاً في منطقة الصفطاوي بمدينة غزة في الأول من أغسطس/آب 2026.صورة: بلال أسامة

 اتفاق غزة بين ضغط ترامب ومناورات نتنياهو.. السلاح والانسحاب يحددان مصيره

يرى الكاتب والباحث السياسي الفلسطيني أكرم عطا الله أن استمرار الغارات الإسرائيلية على قطاع غزة، بعد الإعلان عن تحركات سياسية للانتقال إلى مرحلة جديدة من الاتفاق، لا يمكن فصله عن الحسابات الداخلية لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ولا عن محاولته تحسين شروط التنفيذ أو خلق ذرائع لتعطيله.

ويشير عطا الله في حديث تلفزيوني رصدته «وكالة قدس نت للأنباء»  إلى أن استهداف إسرائيل مخازن أسلحة في غزة يكشف تناقضًا واضحًا في سلوكها؛ إذ إن بعض الأسلحة الخفيفة الموجودة داخل هذه المخازن، مثل بنادق «الكلاشنكوف»، كان يمكن تسليمها لاحقًا إلى الأجهزة الشرطية التابعة للجنة الوطنية المزمع تشكيلها لإدارة القطاع وضبط الأمن.

ويطرح عطا الله تساؤلًا جوهريًا: إذا كانت حركة «حماس» قد أعلنت استعدادها لوضع السلاح تحت تصرف اللجنة الإدارية أو ضمن آلية متفق عليها، فلماذا تبادر إسرائيل إلى تدمير هذه المخازن قبل اكتمال الترتيبات؟

وبحسب تقديره، فإن هذا السلوك قد يعني أن إسرائيل لا تريد للمسار السياسي أن يمضي بصورة طبيعية، أو أنها تسعى إلى فرض الاتفاق بصيغة المنتصر الذي يحتفظ باليد العليا حتى اللحظة الأخيرة.

تصعيد يحمل احتمالين

يعتقد عطا الله أن التصعيد الإسرائيلي الراهن يمكن قراءته في اتجاهين متناقضين.

الاتجاه الأول هو أن تكون إسرائيل في طريقها إلى قبول الاتفاق، لكنها تريد أن تسبقه بضربات واسعة تظهر من خلالها أنها لم تقدم تنازلات تحت الضغط، وأنها استمرت في استهداف قدرات «حماس» حتى اللحظة الأخيرة.

وفي هذه الحالة، قد يستخدم نتنياهو القصف لإقناع معسكر اليمين بأن الاتفاق لم يكن مكافأة للحركة، وأن إسرائيل سبقت تنفيذه بتدمير ما تبقى من مخازن وأسلحة وعناصر عسكرية.

أما الاتجاه الثاني، فهو أن تكون الحكومة الإسرائيلية غير راغبة أصلًا في تنفيذ الاتفاق، وأن تستخدم التصعيد لاستفزاز «حماس» والفصائل الفلسطينية ودفعها إلى التراجع عن موافقتها، بما يوفر لإسرائيل ذريعة لاستئناف الحرب أو تعطيل المسار السياسي.

ويقول عطا الله إن إسرائيل قادرة، إذا أرادت، على اختلاق الأسباب والمبررات لاستمرار القصف، خصوصًا في ظل غياب إعلان إسرائيلي واضح ونهائي بشأن قبول الاتفاق.

مرونة «حماس» أربكت الحسابات الإسرائيلية

يرى عطا الله أن استعداد «حماس» لمناقشة ملف السلاح قدم مفاجأة حقيقية لإسرائيل والولايات المتحدة، لأن التقديرات السائدة كانت تفترض أن الحركة لن تصل إلى حد القبول بالتخلي عن سلاحها أو وضعه ضمن ترتيبات جديدة.

فالسلاح، وفق عطا الله، لا يمثل مجرد أداة عسكرية بالنسبة إلى «حماس»، بل يشكل جزءًا أساسيًا من هويتها السياسية والتنظيمية ومن البرنامج الذي قامت عليه باعتبارها حركة مقاومة مسلحة.

ومن هنا، فإن القبول بتسليم السلاح أو تخزينه تحت إشراف جهة فلسطينية جديدة يمثل تحولًا كبيرًا، لا يتعلق فقط بمصير الأسلحة، بل بالدور السياسي والوظيفي الذي ستؤديه الحركة في المرحلة المقبلة.

ويعتقد عطا الله أن المرونة التي قدمتها «حماس» قطعت الطريق على عدد من المبررات التي استخدمتها إسرائيل طوال الحرب، خصوصًا أن الاتفاق المطروح يحقق اثنين من أبرز الشروط التي أعلنتها تل أبيب: ألا تبقى «حماس» حاكمة لقطاع غزة، وألا تحتفظ بسلاح مستقل.

لذلك، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: ماذا تريد إسرائيل أكثر من اتفاق يحقق الشروط التي أعلنت أنها خاضت الحرب من أجلها؟

نتنياهو بين ترامب واليمين الإسرائيلي

يلخص عطا الله مأزق نتنياهو بالقول إنه يقف حاليًا «بين الدوافع الأميركية والكوابح الإسرائيلية».

فمن جهة، هناك إدارة أميركية تتبنى الاتفاق، ورئيس أميركي أعلن عنه وقدم نفسه بوصفه راعيًا له، بل تحدث عن رضا إسرائيل عنه. ومن الصعب على نتنياهو الدخول في مواجهة مباشرة مع الرئيس دونالد ترامب بشأن خطة تحمل اسمه وتحظى بدعم إقليمي ودولي.

ومن جهة أخرى، تواجه الحكومة الإسرائيلية ضغوطًا داخلية متزايدة من أحزاب اليمين والمعارضة ووسائل الإعلام، التي تصور الاتفاق على أنه مكافأة لـ«حماس» بعد هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول.

ويشير عطا الله إلى أن بعض الأصوات الإسرائيلية تروج لفكرة أن الاتفاق يمنح قادة «حماس» خروجًا آمنًا أو امتيازات سياسية، بدل محاسبتهم، وهو خطاب يضع قيودًا إضافية على نتنياهو عشية الانتخابات.

وبحسب عطا الله، لا ينظر نتنياهو فقط إلى عدد المقاعد التي قد يحصل عليها حزب «الليكود»، بل إلى قدرة المعسكر اليميني بأكمله على الوصول إلى أغلبية تمكنه من تشكيل الحكومة المقبلة.

ولهذا السبب، يحتاج نتنياهو إلى الحفاظ على حلفائه، وفي مقدمتهم إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، حتى لو اضطر إلى مواصلة التصعيد أو تأخير تنفيذ بعض بنود الاتفاق لطمأنة قاعدته اليمينية.

هل أصبح تأثير نتنياهو على واشنطن أضعف؟

يعتقد عطا الله أن علاقة نتنياهو بالبيت الأبيض لم تعد كما كانت في مراحل سابقة، وأن تأثيره على الإدارة الأميركية تراجع بعد التطورات الإقليمية والحروب الأخيرة.

ويشير إلى أن ترامب قدم نتنياهو سابقًا باعتباره حليفًا وبطلًا سياسيًا، لكنه لم يعد ينظر إليه بالقدر نفسه من الإعجاب أو الثقة بعد اتساع نطاق المواجهة في المنطقة.

ومن هنا، قد يجد نتنياهو صعوبة أكبر في إقناع واشنطن بإسقاط الاتفاق كليًا، خصوصًا بعدما أعلن ترامب عنه واعتبره خطوة تحقق الأمن لإسرائيل وتفتح الطريق أمام ترتيبات جديدة في غزة.

لكن هذا لا يعني أن نتنياهو عاجز عن المناورة؛ إذ إنه قد يقبل الاتفاق نظريًا، ثم يعمل على إفراغه من مضمونه أو تأخير تنفيذه عبر الشروط الميدانية والأمنية.

اللغم الأكبر: السلاح أولًا أم الانسحاب؟

يعتبر عطا الله أن أخطر عقبة أمام الاتفاق لا تتمثل في تشكيل اللجنة الوطنية أو في أسماء أعضائها، بل في ترتيب الخطوات المتعلقة بالسلاح والانسحاب الإسرائيلي.

فالموقف الفلسطيني يقوم على أن تسليم السلاح أو تخزينه لا يمكن أن يسبق انسحاب القوات الإسرائيلية، لأن بقاء الاحتلال داخل القطاع يجعل التخلي الكامل عن السلاح مخاطرة سياسية وأمنية.

في المقابل، تقول إسرائيل إنها لن تنسحب قبل ضمان نزع سلاح «حماس» بصورة كاملة ونهائية.

وهنا ينشأ ما يصفه عطا الله بـ«لغم الألغام»: من يبدأ أولًا؟

ويحذر من أن إسرائيل ستكون الطرف الأقوى في معركة تفسير الاتفاق، لأنها تستطيع تقديم موقفها للولايات المتحدة والوسطاء باعتباره مطلبًا أمنيًا مشروعًا، والقول إنها لا تستطيع الانسحاب بينما لا تزال أسلحة موجودة داخل القطاع.

ورغم أن ما تبقى من السلاح في غزة لم يعد، وفق تقديره، يشكل تهديدًا استراتيجيًا لإسرائيل، فإن تل أبيب ستواصل استخدام أحداث السابع من أكتوبر لتبرير الإبقاء على قواتها أو تأخير الانسحاب.

خطر دفع «حماس» إلى التصلب

يحذر عطا الله حركة «حماس» من الوقوع في الفخ الإسرائيلي عبر اتخاذ مواقف متصلبة أو إطلاق تصريحات تمنح نتنياهو مبررات لتعطيل الاتفاق.

فإسرائيل، بحسب تحليله، حاولت خلال مراحل الحرب دفع الحركة إلى رفض المقترحات المطروحة، بما يسمح لها بمواصلة عملياتها العسكرية وتنفيذ مشاريعها في غزة.

وقد يتكرر السيناريو نفسه في المرحلة المقبلة، من خلال تكثيف الغارات وفرض شروط متشددة، بهدف دفع «حماس» إلى سحب موافقتها أو ربط تنفيذ كل خطوة بشروط يصعب تحقيقها.

ويرى عطا الله أن إدارة هذا الملف تحتاج إلى كفاءة سياسية عالية، وإلى فهم دقيق لطريقة تفكير نتنياهو الذي يتقن سياسة «نعم، ولكن»، بحيث لا يرفض الاتفاق صراحة، لكنه يضع أمام تنفيذه سلسلة من الشروط والعقبات.

اللجنة الوطنية أمام تحديات ثقيلة

في حال تجاوز عقدة السلاح والانسحاب، ستواجه اللجنة الوطنية لإدارة غزة تحديات هائلة، تبدأ باستعادة الأمن والخدمات ولا تنتهي عند إعادة الإعمار.

لكن عطا الله يرى أن الحديث عن الإعمار لا يزال مبكرًا؛ فالدول التي كان يمكن أن تمول العملية تواجه أزمات اقتصادية وسياسية وأعباء إعادة إعمار في دول ومناطق أخرى.

كما أن الحروب والتوترات الإقليمية أضعفت موازنات دول أوروبية وعربية، في وقت تحتاج فيه سوريا ولبنان ودول أخرى إلى موارد ضخمة لإعادة البناء.

وهذا يعني أن الطلب الإقليمي على أموال الإعمار أصبح أكبر من الموارد المتاحة، ما قد يجعل عملية إعادة بناء قطاع غزة طويلة ومعقدة.

عوامل النجاح أكبر.. والحذر واجب

على الرغم من كل هذه العقبات، يعتقد عطا الله أن عوامل نجاح الاتفاق لا تزال أكبر من عوامل إفشاله.

فالاتفاق يحظى برعاية مباشرة من الرئيس الأميركي، وبدعم من مصر وقطر وتركيا والاتحاد الأوروبي وأطراف دولية واسعة، كما أنه يلبي جزءًا كبيرًا من المطالب الأمنية التي أعلنتها إسرائيل منذ بداية الحرب.

ويضيف أن الخطة، في حال تطبيقها، تنزع من نتنياهو المبررات التي استخدمها لمواصلة العمليات العسكرية، بعدما وافقت الفصائل على ترتيبات تنهي حكم «حماس» المباشر وتضع السلاح ضمن آلية جديدة.

ومع ذلك، تبقى التجربة مع إسرائيل سببًا كافيًا للحذر حتى اللحظة الأخيرة؛ إذ إن نتنياهو، إذا قرر تمرير الاتفاق، يمتلك القدرة السياسية على ضبط معارضيه وتسويقه داخليًا، وإذا أراد تعطيله، يستطيع استخدام التصعيد والشروط الأمنية لقلب الطاولة.

وعليه، فإن مستقبل اتفاق غزة سيتوقف على أي القوتين ستنجح في التأثير على قرار نتنياهو: الدفع الأميركي والإقليمي نحو التنفيذ، أم الكوابح الانتخابية واليمينية داخل إسرائيل.

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - القاهرة