قيود غير مسبوقة على اغتيالات غزة: موافقة زامير شرط لأي ضربة موجهة | ضغوط لوقف الهجمات 14 يومًا وخلاف على الانسحاب ونزع السلاح

رئيس الأركان الاسرائيلي إيال زامير يجري تقدير موقف في الضفة الغربية...jpg

فرض الجيش الإسرائيلي قيودًا واسعة على سياسة إطلاق النار في قطاع غزة، تقضي بإخضاع جميع عمليات الاغتيال الموجهة لموافقة شخصية ومسبقة من رئيس الأركان، إيال زامير، في خطوة تأتي وسط ضغوط أميركية متصاعدة للالتزام بتفاهمات شرم الشيخ والانتقال إلى المرحلة الثانية من الخطة الأميركية، فيما تتعمق الخلافات بشأن تزامن الانسحاب الإسرائيلي مع نزع سلاح حركة حماس.

وقالت مصادر عسكرية إسرائيلية، مساء الثلاثاء 04 أغسطس/آب 2026، إن صلاحية الموافقة على عمليات الاغتيال في القطاع نُقلت من قيادة المنطقة الجنوبية والفرق العسكرية إلى رئيس الأركان، بعدما كان يكفي، حتى مطلع الأسبوع، الحصول على موافقة قائد المنطقة الجنوبية، يانيف عاسور، أو قائد الفرقة العاملة في المنطقة المستهدفة.

ونقلت إذاعة الجيش الإسرائيلي عن مصادر أمنية أن سياسة إطلاق النار التي تتبعها قيادة المنطقة الجنوبية خضعت لتقييدات «كبيرة»، وأن أي اغتيال مخطط له مسبقًا بات يحتاج إلى موافقة زامير شخصيًا قبل تنفيذه. وأوضحت أن التغيير يقلص بصورة مباشرة قدرة القيادات الميدانية على المصادقة السريعة على الضربات، ويرجح أن يؤدي إلى انخفاض ملموس في عدد الهجمات الإسرائيلية على القطاع.

وبحسب الإذاعة، ظهرت نتائج القرار سريعًا في الميدان، إذ امتنع الجيش الإسرائيلي، باستثناء غارة واحدة نُفذت نحو الساعة العاشرة من مساء الإثنين، عن شن غارات في قطاع غزة خلال نحو 48 ساعة سبقت نشر التقرير. ولم يصدر عن الناطق باسم الجيش الإسرائيلي، حتى مساء الثلاثاء، رد رسمي يوضح مدة سريان القيود أو طبيعتها التفصيلية.

الاغتيالات المخططة تحتاج إلى موافقة زامير

وأفادت هيئة البث الإسرائيلية العامة «كان 11» بأن زامير أصدر خلال الأيام الأخيرة تعليمات بتقييد الهجمات في القطاع، في أعقاب إعلان «مجلس السلام» خارطة الطريق الخاصة بتنفيذ المرحلة الثانية من الخطة الأميركية في غزة.

ووفق التفريق الذي أوردته التقارير الإسرائيلية، لا تمنع التعليمات القوات الموجودة داخل القطاع من الرد على إطلاق نار أو التعامل مع خطر مباشر يهدد الجنود. لكنها تقيد اغتيال أشخاص جرى تحديدهم مسبقًا ولا يشكلون، وقت تنفيذ الضربة، تهديدًا آنيًا للقوات الإسرائيلية.

وبذلك، فإن استهداف فلسطيني تزعم إسرائيل أنه شارك في هجوم السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، أو ينتمي إلى قيادة أحد الفصائل، لن يُنفذ تلقائيًا بناء على توصية القيادة الميدانية، بل سيحتاج إلى رفع الملف إلى رئيس الأركان والحصول على موافقته المسبقة.

ونقلت «كان 11» عن مصادر في قيادة المنطقة الجنوبية أن الجيش ينفذ في هذا الملف تعليمات صادرة عن المستوى السياسي. كما ذكرت صحيفة «يسرائيل هيوم» أن القوات تلقت توجيهات بتقييد نشاطها، وحصر الموافقة على الاغتيالات الموجهة برئيس الأركان.

ضغوط لوقف الهجمات والاغتيالات 14 يومًا

تأتي القيود غداة اجتماع وصفته وسائل إعلام إسرائيلية بأنه «متوتر» أو «صعب» بين رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، والمندوب السامي لـ«مجلس السلام» لشؤون غزة، نيكولاي ملادينوف، بمشاركة مستشار المجلس آري لايتستون.

وذكرت القناة الإسرائيلية 12 أن ملادينوف طالب نتنياهو بوقف فوري للهجمات والاغتيالات في قطاع غزة لمدة 14 يومًا، من أجل استكمال التفاصيل التنفيذية للمرحلة الثانية. وأكد التقرير أن هذا الطلب يأتي ضمن ضغوط أميركية على إسرائيل للالتزام بالخطة التي سبق أن وافقت عليها، وعدم الظهور باعتبارها الطرف الذي يعطل تنفيذها.

وعلى الرغم من عدم إعلان إسرائيل موافقتها رسميًا على وقف الهجمات لمدة أسبوعين، كشفت «يسرائيل هيوم» أن المؤسسة الأمنية تستعد لاحتمال تجميد الغارات والاغتيالات طوال هذه المدة، فور توقيع الاتفاق وصدور تعليمات سياسية واضحة بذلك.

ونقلت الصحيفة عن مسؤول رفيع في الجيش قوله، خلال مداولات مغلقة، إن إسرائيل «دُفعت إلى الزاوية» وإنه لا خيار أمامها سوى التعاون مع الاتفاق، مضيفًا أن الجيش يعتقد أنه قد يضطر في مرحلة لاحقة إلى العودة إلى القتال.

وتشير هذه الاستعدادات إلى أن القيود الحالية قد تكون خطوة تمهيدية لاختبار وقف أوسع للعمليات، لكنها لا ترقى حتى الآن إلى إعلان وقف إطلاق نار جديد، ولا تزال مرهونة بقرارات المستوى السياسي وبالتفاهم على آليات تنفيذ الاتفاق.

خلاف بشأن نقطة البداية والانسحاب

يتركز الخلاف الأساسي بين إسرائيل و«مجلس السلام» والوسطاء على تحديد نقطة الصفر لتنفيذ المرحلة الثانية، والعلاقة بين نزع السلاح وانسحاب القوات الإسرائيلية.

وتنص خارطة الطريق المنشورة على إعداد جدول زمني وآليات تفصيلية للتنفيذ خلال 14 يومًا من موافقة الأطراف، على أن تُنقل الصلاحيات المدنية والأمنية تدريجيًا إلى «اللجنة الوطنية لإدارة غزة»، بالتزامن مع نشر قوة استقرار دولية وتشكيل لجنة دولية للتحقق من التزام الأطراف.

وتربط الخطة عملية إخراج الأسلحة الثقيلة والأنفاق ومواقع تصنيع السلاح من الخدمة بانسحاب إسرائيلي تدريجي من المناطق التي يسيطر عليها الجيش، تحت رقابة دولية. كما تنص على تخزين الأسلحة الخاضعة للجمع تحت سلطة اللجنة الفلسطينية، لا تسليمها إلى إسرائيل.

غير أن إسرائيل تطالب بأن يسبق تفكيك سلاح حماس بالكامل أي انسحاب جديد، وأن تُخرج الأسلحة من قطاع غزة بدلًا من تخزينها داخل القطاع. وقالت مصادر إسرائيلية إن حكومة نتنياهو رفضت، في المرحلة الحالية، حتى العودة إلى «الخط الأصفر» الذي أعادت القوات الإسرائيلية توسيع نطاق سيطرتها إلى ما بعده خلال الأشهر الماضية.

وبعد اجتماع ملادينوف ونتنياهو، أصدر «مجلس السلام» بيانًا أكد فيه أن الانسحاب الإسرائيلي الكامل إلى ما وراء «الخط الأصفر» لن يحدث إلا بعد استكمال عملية نزع السلاح، بما يشمل الأسلحة الخفيفة والثقيلة والأنفاق.

ويختلف هذا التوضيح عن الصيغة الأولية لخارطة الطريق، التي ربطت بين التقدم التدريجي في نزع السلاح والتقدم الموازي في الانسحاب. وأثار التحول تساؤلات بشأن ما إذا كان المجلس عدّل موقفه استجابة لاعتراضات إسرائيلية، أم أنه يفرق بين انسحابات مرحلية محدودة وبين الانسحاب الكامل إلى ما وراء الخط.

الجيش يطرح شروطه للمرحلة الثانية

في موازاة القيود الميدانية، يعكف الجيش الإسرائيلي على إعداد توصياته النهائية بشأن الإطار المقترح للمرحلة الثانية، تمهيدًا لعرضها على المستوى السياسي.

وأفادت «كان 11» بأن قيادة الجيش تريد تثبيت مجموعة من «الخطوط الحمراء»، في مقدمتها الاحتفاظ بحرية عمل عسكرية كاملة ضد ما تصفه إسرائيل بالتهديدات، وإسناد مراقبة جمع السلاح وتخزينه إلى جهة خارجية، ورفض أي انسحاب قبل استكمال تفكيك سلاح حماس.

أما «يسرائيل هيوم»، فذكرت أن التوصيات الجاري إعدادها تشمل الإبقاء على سيطرة أمنية إسرائيلية على محيط القطاع والمعابر، والاحتفاظ بحرية العمل في المناطق الواقعة تحت سيطرة الجيش، إضافة إلى إمكانية العمل في أنحاء غزة ضد أي تهديد ترى إسرائيل أنه يتشكل ضد قواتها أو مستوطنات الغلاف.

كما يطالب الجيش بأن يكون الانتقال بين مراحل الاتفاق مرتبطًا بتحقيق أهداف يمكن قياسها والتحقق منها، وألا تبدأ إعادة الإعمار أو إعادة انتشار القوات إلا مقابل تقدم فعلي في نزع السلاح وبالتنسيق مع إسرائيل.

وتشمل التوصيات كذلك وضع سقف زمني لوقف إطلاق النار، بما يسمح لإسرائيل باستئناف هجماتها إذا انتهت المدة من دون التوصل إلى تفاهمات تنفيذية، إلى جانب توصية بعدم الانسحاب من المنطقة التي يسميها الجيش «الشريط الأمني» داخل قطاع غزة.

حماس تطلب توضيحات وتنتقد تجاهل التزامات إسرائيل

في المقابل، طلبت حركة حماس توضيحات رسمية من «مجلس السلام»، وأبدت، وفق تصريحات نقلتها وسائل إعلام إسرائيلية، «عدم ارتياحها» للبيان الصادر عقب لقاء ملادينوف ونتنياهو.

وقال مسؤول في الحركة إن البيان ركز على سلاح الفصائل وانسحاب إسرائيل بعد نزع السلاح، لكنه لم يتناول الالتزامات الإسرائيلية المتعلقة بوقف الهجمات والاغتيالات والقصف المدفعي، أو البنود الإنسانية الواردة في تفاهمات شرم الشيخ.

وأضاف مسؤول آخر أن الحركة تنتظر ردًا رسميًا وواضحًا من ملادينوف بشأن ما جرى الاتفاق عليه، وموقف المجلس من استمرار العمليات الإسرائيلية ومن تأخير تنفيذ المرحلة الثانية.

وتقول حماس إنها متمسكة بالاتفاق المتعلق بحصر السلاح وجمعه وتخزينه لدى الجهة الفلسطينية المكلفة بإدارة القطاع، لكنها تطالب بتنفيذ متبادل ومتزامن للالتزامات، بما يشمل وقف العمليات العسكرية الإسرائيلية وبدء الانسحاب.

كما حمّلت قطر إسرائيل مسؤولية عرقلة تطبيق الاتفاق، وقال المتحدث باسم وزارة خارجيتها، ماجد الأنصاري، إن تكثيف الهجمات الإسرائيلية خلال الأيام الماضية يمثل محاولة لتعطيل الحل السياسي.

تراجع الغارات لا يعني حسم الخلاف

يمثل نقل صلاحية الموافقة على الاغتيالات إلى رئيس الأركان تغييرًا عملياتيًا ملموسًا في سياسة الجيش الإسرائيلي داخل غزة، لكنه لا يحسم حتى الآن الخلاف السياسي الأوسع.

فإسرائيل ما زالت تطالب بحرية عمل عسكرية وبقاء طويل الأمد في مناطق داخل القطاع، بينما تنص خارطة الطريق على وقف العمليات العسكرية وانتقال تدريجي للسلطة والانسحاب، مرتبطين بعملية نزع سلاح خاضعة لرقابة دولية.

وفي ظل غياب إعلان إسرائيلي رسمي عن قبول الاتفاق بصيغته الحالية، يبقى تراجع الغارات قابلًا للتفسير بوصفه تهدئة مؤقتة تحت الضغط الأميركي، وليس تحولًا نهائيًا في الاستراتيجية الإسرائيلية.

أما الاختبار الفعلي فسيكون في ما إذا كانت القيود ستتحول إلى وقف شامل للهجمات والاغتيالات لمدة 14 يومًا، وما إذا كانت إسرائيل ستقبل بدء انسحابات مرحلية بالتوازي مع نزع السلاح، أم ستتمسك بشرطها القاضي بتفكيك سلاح حماس بالكامل قبل تحريك قواتها من مواقعها الحالية.

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - القدس