غزة على مفترق السلاح والانسحاب... خريطة طريق معلّقة وارتدادات تنظيمية داخل حماس

فلسطينيون يشيّعون في مدينة غزة، في 4 أغسطس/آب 2026، جثامين ورفات 112 شخصاً من عائلتي الحساينة وأبو شريعة

خريطة طريق غزة بين شروط الانسحاب ونزع السلاح... و«حماس» تعيد تموضع أنشطتها بين الدوحة وأنقرة

كشفت مصادر في حركة «حماس» وفصائل فلسطينية أخرى عن ملامح اتفاق جديد توصل إليه الوفد الفلسطيني المفاوض مع الوسطاء، يهدف إلى وضع آليات تنفيذ المرحلة الثانية من التفاهمات المتعلقة بقطاع غزة، في وقت تحدثت فيه تقارير إسرائيلية عن شروع الحركة في إعادة توزيع بعض أنشطتها التنظيمية بين قطر وتركيا.

وبحسب أربعة مصادر فلسطينية تحدثت بصورة منفصلة إلى صحيفة «الشرق الأوسط»، جاء الاتفاق بعد مباحثات مكثفة استمرت أياماً وانتهت فجر الجمعة، ويتضمن تنفيذ المرحلة الثانية على مدى 210 أيام، موزعة على خمس مراحل مترابطة، بحيث لا يبدأ تنفيذ أي مرحلة قبل استكمال الالتزامات الواردة في المرحلة السابقة.

وأوضحت المصادر أن الانتقال إلى المرحلة الثانية سيكون مشروطاً بتنفيذ إسرائيل التزامات المرحلة الأولى، وفي مقدمتها تثبيت وقف إطلاق النار ووقف عمليات الاغتيال، والانسحاب إلى «الخط الأصفر» الأصلي المحدد بوصفه أول خطوط الانسحاب في اتفاق أكتوبر (تشرين الأول) 2025.

كما تشمل الالتزامات، وفق المصادر ذاتها، التطبيق الكامل للبروتوكول الإنساني، بما يتضمن إدخال 600 شاحنة مساعدات يومياً، والسماح بدخول المعدات الثقيلة لإزالة الأنقاض، والعمل على ترميم المدارس والمستشفيات والمخابز والبنية التحتية، إلى جانب تحسين آلية عمل معبر رفح وضمان حرية الحركة من قطاع غزة وإليه.

إدارة غزة مقابل انسحاب إسرائيلي تدريجي

وينص الاتفاق، وفق ما نقلته «الشرق الأوسط» عن المصادر الفلسطينية، على أن تتولى اللجنة الوطنية لإدارة غزة مسؤولياتها في كل منطقة تُستكمل فيها عملية حصر السلاح وتخزينه، على أن تقابل إسرائيل كل خطوة بانسحاب تدريجي من المنطقة المعنية.

ومن المقرر، بحسب المصادر، الاتفاق لاحقاً على جدول زمني تفصيلي لعملية حصر السلاح، إلى جانب تحديد الآليات الفنية والتنفيذية الخاصة بها.

وفي ما يتعلق بموظفي حكومة «حماس» السابقة، يتضمن الاتفاق تحميل اللجنة الوطنية مسؤولية تسوية حقوق الموظفين، فضلاً عن مستحقات المؤسسات والقطاع الخاص والجهات التي لديها ديون مترتبة على الحكومة.

وقالت المصادر إن نص الاتفاق يشير إلى تولي دولة الإمارات دفع نحو 400 مليون دولار على مدى ثلاث سنوات، لتغطية مستحقات الموظفين والقطاع الخاص، من دون صدور إعلان إماراتي رسمي يؤكد هذه المعلومات حتى الآن.

رسائل متبادلة مع ملادينوف

وواجهت التفاهمات خطر التعثر، وفق رواية المصادر الفلسطينية، بعد رفض إسرائيل الالتزام ببعض بنودها وتصعيد عملياتها العسكرية في القطاع، ولا سيما الغارات التي أسفرت، يوم الأحد، عن مقتل أكثر من 20 فلسطينياً.

وبحسب «الشرق الأوسط»، توجه الممثل الأعلى لغزة في «مجلس السلام»، نيكولاي ملادينوف، إلى القدس، حيث التقى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مساء الاثنين، في محاولة لاحتواء التصعيد ومنع انهيار التفاهمات.

لكن بياناً صدر لاحقاً عن «مجلس السلام»، وربط الانسحاب الإسرائيلي بنزع السلاح بصورة كاملة من قطاع غزة، أثار اعتراضات فلسطينية، إذ رأت فيه بعض الفصائل تراجعاً عن التفاهمات التي أُنجزت مع الوسطاء.

وكشفت المصادر عن تبادل رسائل، مساء الثلاثاء، بين الوفد الفلسطيني المفاوض وملادينوف، عبّر خلالها الوفد عن اعتقاده بأن صياغة بيان المجلس هدفت إلى استرضاء الحكومة الإسرائيلية، محذراً من أن البيان يقدم مؤشرات مقلقة بشأن آلية تطبيق الاتفاق مستقبلاً.

ووفق المصادر، رد ملادينوف بالتأكيد أن خريطة الطريق المكونة من 15 بنداً، والمتفق عليها في القاهرة، لم تخضع لأي تعديل، وأن اجتماعه بنتنياهو استهدف وقف عمليات القتل وتهيئة الظروف لاستكمال تنفيذ الاتفاق.

كما أشار، بحسب الرواية الفلسطينية، إلى أن التصعيد الإسرائيلي كان من شأنه دفع المواقف نحو مزيد من التدهور وإفشال ما أُنجز خلال المفاوضات، مشدداً على ضرورة معالجة العقبات التي قد تظهر خلال مراحل التنفيذ.

«حماس» تنتظر رداً رسمياً

وقال باسم نعيم، عضو المكتب السياسي لحركة «حماس» وعضو وفدها المفاوض، إن الحركة لا تزال تنتظر رداً رسمياً من ملادينوف بشأن بدء تنفيذ المرحلة الثانية من خريطة الطريق التي جرى التوافق عليها في القاهرة.

وأكد نعيم، في منشور على منصة «إكس»، أن «حماس» والفصائل تعاملت بمسؤولية مع المقترحات التي عُرضت عليها، مثمناً بيان الوسطاء الذي حمّل إسرائيل مسؤولية التصعيد وتعطيل الاتفاق.

وكانت الدول الوسيطة قد أدانت، وفق التقارير المنشورة، الانتهاكات الإسرائيلية والغارات التي استهدفت قطاع غزة، ودعت إلى الالتزام بالتفاهمات ومنع انهيار وقف إطلاق النار.

هدوء حذر وتحذيرات أمنية

ميدانياً، لم تُسجل أحداث واسعة النطاق خلال يومي الثلاثاء والأربعاء، إلا أن مناطق جنوب خان يونس شهدت إصابات جراء إطلاق نار إسرائيلي باتجاه خيام للنازحين، بالتزامن مع عمليات نسف داخل المناطق الواقعة عند «الخط الأصفر».

كما واصلت الطائرات الإسرائيلية الاستطلاعية والمسيّرة تحليقها المكثف في أجواء القطاع، وسط مخاوف فلسطينية من استئناف الضربات المفاجئة.

وذكرت «الشرق الأوسط» أنها اطلعت على تعميم وُزع على عناصر الأجنحة العسكرية للفصائل الفلسطينية، يدعو إلى مواصلة اتخاذ الاحتياطات الأمنية، رغم تقارير إعلامية إسرائيلية تحدثت عن احتمال بدء هدنة لمدة 14 يوماً.

وتنص خريطة الطريق، بحسب المصادر، على وقف إسرائيل هجماتها لمدة أسبوعين بعد موافقة جميع الأطراف، على أن تُستغل هذه الفترة لوضع الجدول الزمني لبنود المرحلة الثانية، وإلزام إسرائيل باستكمال التزامات المرحلة الأولى، ومن بينها العودة إلى خط الانسحاب الأصلي.

في المقابل، أعلن نتنياهو أن القوات الإسرائيلية لن تنسحب من مواقعها الحالية في قطاع غزة قبل نزع سلاح «حماس» بصورة كاملة، وأقر بوجود خلافات مع الإدارة الأميركية بشأن بعض تفاصيل الملف.

إعادة توزيع أنشطة «حماس» بين قطر وتركيا

بالتوازي مع تعقيدات المسار التفاوضي، أفادت هيئة البث الرسمية الإسرائيلية، نقلاً عن مصادر فلسطينية لم تسمها، بأن «حماس» بدأت إعادة توزيع بعض أنشطتها التنظيمية خارج قطر.

ووفق التقرير الإسرائيلي، تتجه الحركة إلى نقل الأقسام التي تعمل بعيداً عن العلن، ومن بينها دوائر التخطيط وبعض الأنشطة والعمليات السيبرانية، إلى تركيا، بينما تبقى القيادة السياسية والمكاتب ذات النشاط العلني في العاصمة القطرية الدوحة.

وربطت المصادر التي استندت إليها هيئة البث هذه الخطوة بتشديد السلطات القطرية القيود الإدارية على تحركات بعض قادة الحركة، بما في ذلك اشتراط الحصول على موافقات مسبقة لعقد اجتماعات ولقاءات رسمية.

كما زعمت التقارير أن الإجراءات القطرية جاءت في أعقاب الانتخابات الداخلية للحركة واختيار خليل الحية رئيساً لمكتبها السياسي، خلفاً للمنصب الذي ظل شاغراً منذ مقتل يحيى السنوار، الذي تولى قيادة الحركة بعد مقتل إسماعيل هنية.

ولم تصدر عن حركة «حماس» أو الحكومتين القطرية والتركية إفادات رسمية تؤكد ما أوردته هيئة البث الإسرائيلية بشأن نقل الأنشطة التنظيمية أو وجود خلافات مرتبطة بنتائج الانتخابات الداخلية للحركة.

وتعكس التطورات المتزامنة مسارين متداخلين يحددان مستقبل الحركة وقطاع غزة: مسار تفاوضي يسعى إلى تثبيت وقف إطلاق النار وربط الانسحاب الإسرائيلي بترتيبات السلاح والإدارة، ومسار تنظيمي تحاول «حماس» من خلاله إعادة ترتيب حضورها الإقليمي في ظل الضغوط السياسية والأمنية المتصاعدة.

 

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - غزة