أعاد قرار وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير تمديد منع الزيارات للمعتقلين الفلسطينيين المصنفين إسرائيلياً «أمنيين» شهراً إضافياً، ملف العزل المفروض على الأسرى إلى الواجهة، وسط مطالبات فلسطينية للجنة الدولية للصليب الأحمر والمؤسسات الحقوقية الدولية باتخاذ موقف أكثر وضوحاً وفاعلية تجاه القيود الإسرائيلية المستمرة على التواصل مع المعتقلين والوصول إليهم.
وأعلن بن غفير، عبر قناته الرسمية على «تلغرام»، أنه مدد لشهر إضافي الأمر الذي يمنع الزيارات لدى المعتقلين الأمنيين، مجدداً تمسكه بسياسة تشديد ظروف احتجاز الفلسطينيين.
وفي أعقاب القرار، طالب رئيس هيئة شؤون الأسرى والمحررين الفلسطينية رائد أبو الحمص، مساء الجمعة 7 آب/أغسطس 2026، اللجنة الدولية للصليب الأحمر بتقديم رد واضح على استمرار هذه السياسة، محذراً من تكريس عزل المعتقلين والمعتقلات الفلسطينيين عن العالم الخارجي وحرمانهم من التواصل مع عائلاتهم ومن الرقابة الحقوقية والإنسانية على ظروف احتجازهم.
وقال أبو الحمص إن سياسة بن غفير تقوم على «التفرد بالمعتقلين والمعتقلات» داخل السجون، في ظل استمرار القيود على زيارات الأهالي وعمل المؤسسات الإنسانية والحقوقية، معتبراً أن استمرار هذه الإجراءات يتطلب موقفاً دولياً يتجاوز بيانات القلق والإدانة التقليدية.
وطالب اللجنة الدولية للصليب الأحمر والمؤسسات الأممية والحقوقية بإصدار تقارير واضحة بشأن ما يجري داخل السجون، واستخدام توصيفات قانونية تتناسب مع طبيعة الانتهاكات، والضغط من أجل استعادة الوصول المباشر إلى المعتقلين ومراقبة ظروف احتجازهم.
قرار جديد فوق عزلة مستمرة منذ نحو ثلاثة أعوام
وتكتسب الدعوات الفلسطينية أهمية إضافية في ضوء استمرار تعطل منظومة الزيارات والتواصل منذ اندلاع الحرب على غزة في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023.
وتؤكد اللجنة الدولية للصليب الأحمر أنها لم تتمكن منذ ذلك التاريخ من إجراء زياراتها الاعتيادية للمعتقلين الفلسطينيين المحتجزين لدى إسرائيل، وأنها طالبت مراراً بالسماح لها بالوصول إلى أماكن الاحتجاز، والحصول على معلومات عن مصير المعتقلين وأماكن وجودهم، وتمكينهم من التواصل مع عائلاتهم.
وتشدد اللجنة على أن الأشخاص المحرومين من حريتهم يتمتعون بحماية بموجب القانون الدولي الإنساني، وأن هذه الحماية تشمل المعاملة الإنسانية وصون الكرامة وظروف الاحتجاز والتواصل مع العائلة. كما أعلنت، في نهاية حزيران/يونيو الماضي، جاهزيتها لاستئناف الزيارات فور تمكينها من ذلك.
المحكمة الإسرائيلية نفسها أسقطت الحظر على الصليب الأحمر
ويأتي تمديد سياسة العزل في سياق قانوني لافت؛ ففي 3 حزيران/يونيو 2026 أصدرت المحكمة العليا الإسرائيلية قراراً بالإجماع يقضي بإلغاء السياسة الحكومية التي منعت ممثلي اللجنة الدولية للصليب الأحمر من زيارة المعتقلين الفلسطينيين.
وأكد الحكم أن الحكومة الإسرائيلية لم تقدم أساساً قانونياً يبرر الحظر الشامل، وأن منع الزيارات يتعارض مع أحكام القانون الإسرائيلي والتزامات القانون الدولي. كما أمرت المحكمة باستئناف زيارات الصليب الأحمر ونقل المعلومات المتعلقة بالمعتقلين إليه.
وشددت المحكمة على أن الزيارة التي لا تتضمن لقاءً مباشراً مع المعتقل لا يمكن اعتبارها زيارة فعلية، رافضة مقترحاً حكومياً كان يسمح لممثلي الصليب الأحمر بدخول منشآت الاحتجاز والتحدث مع الطواقم، من دون مقابلة الأسرى أنفسهم.
ويمنح هذا الحكم بعداً إضافياً للمطالبات الحقوقية الحالية، إذ لم يعد الجدل يتعلق فقط بتقديرات سياسية أو أمنية، بل بسياسات عزل سبق لأعلى محكمة إسرائيلية أن قضت، في ما يخص منع الصليب الأحمر، بأنها افتقرت إلى السند القانوني.
منع الرقابة يضاعف المخاوف على المعتقلين
ويرى حقوقيون أن خطورة استمرار منع الزيارات لا تقتصر على حرمان المعتقل من رؤية أفراد أسرته، بل تمتد إلى إغلاق إحدى أهم قنوات الرقابة الخارجية على ما يجري داخل أماكن الاحتجاز.
فالزيارات التي تجريها اللجنة الدولية للصليب الأحمر تتيح لمندوبيها مقابلة المعتقلين بصورة مباشرة، ومتابعة معاملتهم وظروف احتجازهم، ونقل الملاحظات والتوصيات إلى السلطات المختصة، إضافة إلى المساهمة في الحفاظ على الروابط بين المعتقلين وعائلاتهم.
وتزداد أهمية هذه الرقابة في ظل شهادات وتقارير حقوقية متواصلة عن سوء المعاملة والحرمان من الرعاية الطبية والغذاء الكافي وظروف احتجاز قاسية داخل عدد من السجون ومراكز الاعتقال الإسرائيلية. وكانت منظمات حقوقية إسرائيلية، بينها جمعية حقوق المواطن وأطباء لحقوق الإنسان و«هموكيد» و«غيشاه»، قد لجأت إلى المحكمة العليا مطالبة بإنهاء الحظر وإعادة الرقابة الدولية على أماكن الاحتجاز.
أبو الحمص: لا يكفي انتظار موافقة إسرائيل
وقال أبو الحمص إن المطلوب من الصليب الأحمر والمؤسسات الدولية والأممية هو التحرك لانتزاع مساحة عملها الإنسانية، وعدم التسليم بسياسة الأمر الواقع التي فرضتها السلطات الإسرائيلية داخل السجون خلال السنوات الثلاث الماضية.
ودعا إلى موقف حقوقي ودولي قادر على مساءلة إسرائيل عن منع المؤسسات الإنسانية من أداء مهامها، معتبراً أن الصمت أو الاكتفاء بالمواقف العامة يسمح باستمرار عزل آلاف المعتقلين عن أسرهم وعن أي رقابة مستقلة.
وبحسب القانون الدولي الإنساني، يجب معاملة الأشخاص المحرومين من حريتهم معاملة إنسانية وحمايتهم من الاعتداء على حياتهم وصحتهم وكرامتهم، كما يمثل الحفاظ على الاتصال بالعائلة أحد الضمانات الإنسانية الأساسية المرتبطة بالاحتجاز. وتؤكد اللجنة الدولية للصليب الأحمر بصورة صريحة أن المعتقلين الفلسطينيين يجب أن يُسمح لهم بالتواصل مع أقاربهم، وأنها يجب أن تُبلّغ بأماكن وجودهم وتُمنح حق الوصول إليهم.
وبين قرار بن غفير تمديد المنع، وحكم المحكمة العليا الذي أسقط الحظر على زيارات الصليب الأحمر، تتعمق الفجوة بين الالتزامات القانونية المعلنة والواقع داخل السجون؛ واقعٌ يقول حقوقيون إنه أبقى آلاف المعتقلين الفلسطينيين خلف جدار من العزلة، بعيداً عن عائلاتهم وعن أعين المؤسسات الإنسانية والرقابية الدولية.
