الضفة على حافة انفجار أمني؟ تحذيرات إسرائيلية من فقدان السيطرة وشلل القيادة أمام عنف المستوطنين

انتشرت القوات الإسرائيلية خلال عملية عسكرية في مخيم بلاطة للاجئين، شرق مدينة نابلس بالضفة الغربية، في 12 أغسطس/آب 2026. كما داهمت القوات الإسرائيلية السوق المركزي للمخيم خلال العملية. صورة: محمد ناصر

حذّر مسؤول أمني إسرائيلي رفيع، مساء الأربعاء 12 آب/ أغسطس 2026، من أن الأوضاع في الضفة الغربية تقترب من نقطة انفجار، في ظل تصاعد اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين واتساع رقعة الأحداث الميدانية، بالتزامن مع انتقادات غير معتادة من داخل المؤسسة الأمنية بشأن قدرة الجيش على فرض النظام وطريقة تعامل مستويات القيادة مع تلك الاعتداءات.

ونقلت صحيفة "هآرتس" العبرية عن المسؤول قوله إن الضفة الغربية "يمكن أن تنفجر في أي لحظة"، وإن الجيش بات يعمل عند حدود قدرته، في وقت تؤكد فيه مصادر أمنية أن القوات لا تستطيع تقديم استجابة لجميع اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين.

ولا تقتصر التحذيرات، وفق التقرير الإسرائيلي، على نقص القوات أو اتساع مساحة الاحتكاك، إذ تحدثت مصادر في قيادة المنطقة الوسطى بالجيش عن مشكلة أعمق تتعلق بعملية اتخاذ القرار نفسها، ووصفت حالة من التردد داخل التسلسل القيادي عند التعامل مع أحداث يكون مستوطنون طرفًا فيها.

وبحسب "هآرتس"، قالت المصادر إن ما وصفته بـ"الشلل" يمتد من قائد المنطقة الوسطى، آفي بلوط، مرورًا بقيادة فرقة الضفة الغربية وصولًا إلى قادة الألوية، مشيرة إلى أن ضباطًا يتطلعون إلى الترقي قد يتجنبون اتخاذ خطوات حازمة ضد المستوطنين خشية أن تنعكس مواقفهم على مستقبلهم العسكري. وتبقى هذه التقديرات منسوبة إلى المصادر الأمنية التي تحدثت للصحيفة ولم تصدر كاستنتاج رسمي عن الجيش الإسرائيلي.

قصرة تكشف أزمة أوسع

وتفجرت هذه الانتقادات على خلفية الأحداث في بلدة قصرة جنوب نابلس، التي تحولت خلال الأيام الأخيرة إلى إحدى أبرز بؤر التوتر بين الفلسطينيين والمستوطنين والقوات الإسرائيلية.

وكان مستوطنون قد أقاموا منشأة قرب منازل فلسطينية في منطقة مصنفة "ب"، وأغلقوا طرق وصول إلى عدد من المنازل، قبل أن تصل قوات من الجيش و"حرس الحدود"، صباح الأربعاء، وتزيل المنشأة. لكن مستوطنين عادوا إلى الموقع لاحقًا، وأغلق بعضهم طرقًا بالحجارة، فيما استمرت الأزمة حول عدد من المنازل الفلسطينية. وأكدت تقارير إسرائيلية مستقلة استمرار وجود المستوطنين في المنطقة حتى بعد عملية الإخلاء الأولية.

ووفق "هآرتس"، أثارت طريقة إدارة الحدث انتقادات داخل المنظومة الأمنية؛ إذ وصف بعض المصادر زيارة كبار القادة للموقع بأنها أقرب إلى محاولة لإظهار السيطرة، بينما عاد المستوطنون بعد مغادرتهم واستمرت المواجهات والتوتر.

وكانت الصحيفة قد أفادت قبل ذلك بيومين بأن مستوطنين أقاموا بؤرة في ساحة منزل لعائلة فلسطينية في قصرة، فيما وثق جنود إلى جانب المستوطنين في الموقع، كما تعرض فريق تابع للصحيفة للاعتداء أثناء محاولته تغطية الأحداث.

بدوره، قال الجيش الإسرائيلي إن دخول إسرائيليين إلى منازل وأراضٍ فلسطينية في منطقتي قصرة وجالود والاستيلاء عليها يمثل "نشاطًا غير قانوني"، وأعلن المنطقة نطاقًا عسكريًا مغلقًا. كما قال إنه قرر اتخاذ إجراءات تأديبية بحق قوة عسكرية ظهرت في توثيق سابق من المنطقة.

زامير يدفع بكتيبة إضافية

ومع اتساع الجدل، عقد رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير تقييمًا جديدًا للوضع، وأمر بإرسال كتيبة مشاة نظامية إضافية إلى المنطقة، رغم أن الكتيبة كانت في فترة استراحة وإعادة تأهيل، مع إبقاء قوات أخرى في الاحتياط تحسبًا للحاجة إليها.

وقال الجيش إن الهدف هو تعزيز "النظام والسيطرة العملياتية" ومنع استمرار ما وصفه بـ"الأحداث الخطيرة"، وإن النشاط سيجري بالتعاون مع الشرطة وجهاز الأمن العام "الشاباك". كما أصدر زامير تعليمات للقوات في الضفة بإعادة التشديد على قواعد التعامل واستخدام القوة في أحداث من هذا النوع.

ويعكس استدعاء كتيبة نظامية إضافية حجم القلق داخل القيادة العسكرية من تحول حادثة محلية في قصرة إلى نموذج لأحداث يمكن أن تتكرر في مناطق أخرى، خصوصًا أن التحذير الذي نقلته "هآرتس" يتحدث عن أزمة تمتد إلى الضفة بأكملها ولا تقتصر على جنوب نابلس.

في المقابل، أبقى الجيش في بيانه على تعريف مهمته الرئيسية في الضفة باعتبارها مكافحة الهجمات الفلسطينية وتعزيز الدفاع عن المستوطنات، لكنه أضاف هذه المرة ضرورة ملاحقة من وصفهم بـ"مثيري الشغب" واستعادة النظام في قصرة.

أزمة قيادة لا أزمة قوات فقط

وتبرز خطورة تقرير "هآرتس" في أنه ينقل النقاش من السؤال التقليدي حول عدد القوات المتاحة إلى سؤال أكثر حساسية داخل الجيش: هل تستطيع القيادة العسكرية تطبيق قراراتها على المستوطنين عندما تتعارض الإجراءات المطلوبة مع ضغوط سياسية محتملة؟

فالمصادر التي تحدثت إلى الصحيفة لا ترى أن تعزيز المنطقة بوحدة إضافية سيحل المشكلة وحده، بل تشير إلى أن التردد القيادي وضعف إنفاذ القانون يمكن أن يفرغا أي تعزيز عسكري من مضمونه إذا لم تكن هناك تعليمات واضحة وقابلة للتنفيذ.

وتتقاطع هذه الانتقادات مع مشاهد وثقتها وسائل إعلام إسرائيلية في قصرة؛ إذ أفادت تقارير بأن مستوطنين واجهوا قوات الجيش و"حرس الحدود"، وفككوا حواجز وأغلقوا طرقًا، فيما اضطر قائد المنطقة الوسطى نفسه إلى مطالبتهم بمغادرة المكان وعدم عرقلة عمل القوات.

فراغ في "الإدارة المدنية"

ويتزامن التصعيد الميداني مع استمرار عدم شغل منصب رئيس "الإدارة المدنية" بصورة دائمة. وتشير بيانات متاحة إلى أن المنصب بقي شاغرًا خلال الأشهر الأخيرة، مع تولي نائب رئيس الإدارة مهام القائم بالأعمال، في وقت تستمر فيه التجاذبات السياسية والعسكرية بشأن إدارة الملفات المدنية في الضفة.

ويتولى يورام هليفي منذ شباط/ فبراير 2026 منصب منسق أعمال الحكومة الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية، وهو جهاز يتولى ملفات مدنية وأمنية واسعة في الضفة وغزة، وقد أكد الجيش عند تعيينه أن قطاع غزة سيكون أحد الملفات المركزية الموضوعة أمامه.

ويضيف هذا الواقع، بحسب القراءة التي قدمتها المصادر الأمنية لـ"هآرتس"، طبقة أخرى من التعقيد إلى أزمة إنفاذ القانون، مع تداخل الصلاحيات العسكرية والمدنية والسياسية في إدارة الضفة.

الاعتداءات تتصاعد بالأرقام

ويأتي التحذير الإسرائيلي في ظل ارتفاع موثق في عدد الحوادث خلال العام الجاري. ووفق أحدث تقرير شهري لهيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية، سجل شهر تموز/ يوليو وحده 2,256 اعتداءً نفذها الجيش الإسرائيلي والمستوطنون، بينها 798 اعتداءً نُسب إلى المستوطنين. وسجلت محافظة نابلس 247 اعتداءً من إجمالي الاعتداءات التي وثقتها الهيئة خلال الشهر.

أما في النصف الأول من 2026، فقد وثقت الهيئة 3,488 اعتداءً نفذها مستوطنون، إضافة إلى إقامة 42 بؤرة استيطانية جديدة. وبذلك فإن البيانات الأحدث حتى مطلع آب تشير إلى استمرار الاعتداءات خلال تموز، لا إلى تراجعها بعد نهاية النصف الأول من العام.

وتكتسب تحذيرات المؤسسة الأمنية الإسرائيلية دلالة إضافية لأنها تصدر في وقت لا يدور فيه الجدل حول اعتداء منفرد، وإنما حول قدرة أجهزة الأمن نفسها على منع تكرار سلسلة من الأحداث في مساحة واسعة من الضفة.

وبين تعزيز القوات في قصرة، والتحذير من استنزاف قدرة الجيش، والانتقادات الداخلية للتردد في مواجهة المستوطنين، تبدو القضية المطروحة داخل المنظومة الأمنية الإسرائيلية أبعد من مجرد حادث أمني محلي: هل ما زالت القيادة قادرة على فرض سيطرة موحدة على الأرض، أم أن تداخل الحسابات العسكرية والسياسية بات يفتح الطريق أمام أزمة أوسع قد يصعب احتواؤها إذا انتقلت شرارتها من بلدة إلى أخرى؟

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - الضفة الغربية