حذرت حركة حماس، مساء الأربعاء 12 آب/ أغسطس 2026، من أن الاستهدافات الإسرائيلية الجديدة في قطاع غزة تهدد الجهود الرامية إلى تثبيت وقف إطلاق النار، داعية الوسطاء والضامنين و"مجلس السلام" إلى الضغط على إسرائيل للالتزام بالتفاهمات، وذلك بعد غارة جوية إسرائيلية في بيت لاهيا شمالي القطاع أسفرت، وفق مصادر فلسطينية، عن استشهاد فلسطيني وإصابة آخرين.
وقالت الحركة، في بيان نشرته عبر موقعها الرسمي، إنها تدين استهداف عدد من الفلسطينيين في شمال قطاع غزة وجنوبه، معتبرة أن التطورات الميدانية تعكس، من وجهة نظرها، محاولة إسرائيلية لإفشال جهود التوصل إلى وقف مستدام لإطلاق النار.
ودعت حماس جميع الأطراف المنخرطة في الترتيبات الخاصة بغزة إلى "تحمل مسؤولياتها في تحقيق الهدوء والاستقرار"، والضغط على إسرائيل لتنفيذ ما جرى الاتفاق عليه.
ويأتي بيان الحركة بعد يوم شهد عودة الغارات الجوية الإسرائيلية المستهدفة إلى شمال القطاع، بالتزامن مع قصف مدفعي وإطلاق نار في مناطق أخرى، ما أعاد ملف الالتزام الميداني بالتهدئة إلى الواجهة في وقت تتواصل فيه المساعي السياسية لتنفيذ الترتيبات الخاصة بالمرحلة المقبلة.
وفي بيت لاهيا، استشهد الشاب مهند سعدة وأصيب آخرون في غارة نفذتها طائرة إسرائيلية مسيرة قرب الدوار الغربي للبلدة، بحسب مصادر فلسطينية. وأفادت تقارير ميدانية بأن المصابين نقلوا إلى مستشفى الشفاء بمدينة غزة.
وكانت الضربة أول عملية استهداف معلنة من الجيش الإسرائيلي منذ 3 آب/ أغسطس، في وقت تخضع فيه عمليات الاغتيال والاستهداف الجوي لضغوط متزايدة ضمن الجهود السياسية المتعلقة بغزة.
روايتان بشأن هدف الغارة
من جهته، أكد الجيش الإسرائيلي تنفيذ الغارة، وقال إنها استهدفت شخصًا وصفه بأنه قائد في حماس، مدعيًا أنه كان يشكل تهديدًا لقواته ويعمل على التخطيط لهجمات ضدها. ولم يقدم الجيش، تفاصيل إضافية عن هوية المستهدف أو أدلة علنية بشأن النشاط المنسوب إليه.
وفي المقابل، أفادت روايات فلسطينية بأن مهند سعدة كان برفقة عمال وفنيين في المنطقة، فيما ذكرت شهادات محلية أنهم كانوا عائدين بعد العمل على إصلاح بئر مياه متضرر في بيت لاهيا.
ولم يتسن التحقق بصورة مستقلة من الروايتين المتعارضتين بشأن ملابسات الاستهداف.
كما شهدت مناطق أخرى من القطاع خلال الأربعاء إطلاق نار وقصفًا مدفعيًا، شمل مناطق في شمال ووسط وجنوب غزة، فيما سجلت إصابات إضافية في حوادث منفصلة. وكانت مناطق في جباليا قد شهدت كذلك إصابات بنيران إسرائيلية خلال الأيام السابقة.
الاستهداف يأتي وسط ضغوط لخفض الاغتيالات
وتكتسب غارة بيت لاهيا دلالة سياسية تتجاوز الحادثة الميدانية نفسها، إذ تأتي في وقت تتعرض فيه عمليات الاستهداف الإسرائيلية في غزة لمراجعة أكبر ضمن المساعي الرامية إلى تثبيت المسار السياسي.
وقالت وكالة "أسوشيتد برس" إن مسؤولين يشرفون على جهود السلام الخاصة بغزة دفعوا باتجاه وقف عمليات الاستهداف، باعتبار ذلك أحد العناصر المطلوبة للمضي قدمًا في الترتيبات الجديدة.
كما سبق أن تحدثت تقارير فلسطينية وإسرائيلية عن تغيير في آلية المصادقة على عمليات الاغتيال، بحيث أصبحت بعض الهجمات بحاجة إلى موافقة مستوى عسكري أعلى، بدل تنفيذها بقرارات من مستويات ميدانية أدنى، وهو ما فُسر باعتباره محاولة لتقليص وتيرة الاستهدافات وليس وقفها بصورة كاملة.
ويفسر هذا السياق حدة رد حماس على غارة الأربعاء، إذ لم تتعامل الحركة معها باعتبارها حادثًا أمنيًا منفصلًا، بل ربطتها مباشرة بمصير التفاهمات ومساعي الوسطاء والجهات الدولية المشاركة في ترتيبات غزة.
غزة بين التهدئة واستمرار الحوادث الميدانية
ورغم انخفاض وتيرة الغارات مقارنة بمراحل سابقة، لم تتوقف الحوادث الميدانية منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، بما في ذلك إطلاق النار والقصف المدفعي والاستهدافات قرب مناطق انتشار القوات الإسرائيلية.
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن الفجوة لا تزال قائمة بين المسار السياسي الذي يسعى إلى الانتقال نحو ترتيبات أكثر استقرارًا، وبين واقع ميداني يسمح بعودة التصعيد عند كل حادث تعتبره إسرائيل تهديدًا لقواتها، فيما تصف حماس والجهات الفلسطينية تلك العمليات بأنها خروقات للاتفاق.
وكانت مصادر فلسطينية قد تحدثت خلال الأيام الماضية عن استمرار القصف وإطلاق النار في مناطق متعددة من القطاع، فيما تقول إسرائيل إن قواتها ستواصل التحرك ضد ما تعتبره "تهديدات فورية".
اختبار جديد للوسطاء
ويضع بيان حماس الكرة بصورة مباشرة في ملعب الوسطاء والضامنين و"مجلس السلام"، إذ تطالب الحركة بتحويل الضمانات السياسية إلى آلية قادرة على منع تكرار الاستهدافات وإلزام الأطراف بالتفاهمات الميدانية.
وفي المقابل، تتمسك إسرائيل بحق قواتها في التحرك ضد ما تصفه بالتهديدات الأمنية، ما يبقي تعريف "التهديد المباشر" وحدود استخدام القوة أحد أكثر الملفات حساسية في أي محاولة لتثبيت وقف إطلاق النار.
وبين هذين الموقفين، تعيد غارة بيت لاهيا طرح السؤال حول قدرة التفاهمات السياسية على فرض قواعد واضحة على الأرض: هل تبقى عمليات الأربعاء حوادث محدودة ضمن وقف إطلاق نار هش، أم تتحول إلى بداية مسار يعيد توسيع دائرة الاستهدافات ويضع جهود الوسطاء أمام اختبار جديد؟
ويبدو أن الإجابة ستتوقف بدرجة كبيرة على ما إذا كانت الأيام المقبلة ستشهد احتواءً للحوادث وعودةً إلى مستوى أقل من التصعيد، أم استمرار عمليات الاستهداف المتبادل والاتهامات بخرق التفاهمات، بما قد يهدد المسار السياسي الذي تحاول الأطراف الوسيطة تثبيته في قطاع غزة.
