شهد قطاع غزة، الأحد 16 أغسطس/آب 2026، يوما ميدانيا متوترا تخللته غارات جوية وإطلاق نار إسرائيلي في مناطق متفرقة من خان يونس ووسط القطاع، أسفرت، وفق مصادر طبية فلسطينية، عن استشهاد فلسطيني متأثرا بجروح أصيب بها في غارة على منطقة المواصي وإصابة عدد آخر، بالتزامن مع انتشال جثمان طفل استشهد بعد إصابته برصاص إسرائيلي مساء السبت، فيما أعلن الجيش الإسرائيلي أنه استهدف خلال فترة زمنية متقاربة عنصرين من حركتي الجهاد الإسلامي وحماس.
وجاءت التطورات بينما لا يزال اتفاق وقف إطلاق النار، الساري منذ 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، قائما رسميا، لكنه يشهد خروقات وعمليات عسكرية متكررة، وفي وقت تتكثف فيه التحركات السياسية في مصر لدفع الأطراف نحو المرحلة الثانية من الاتفاق.
خان يونس.. غارة على منطقة للنازحين
وتركز أبرز التصعيد الأحد في منطقة خان يونس جنوبي قطاع غزة، حيث أفادت مصادر طبية فلسطينية بإصابة عدد من الأشخاص إثر استهداف إسرائيلي لمنطقة تؤوي نازحين في المواصي.
وأشارت حصائل متتابعة خلال اليوم إلى إصابة ما لا يقل عن سبعة فلسطينيين، بينهم حالات وصفت بالخطيرة، في غارة بطائرة مسيرة استهدفت خيمة قرب جامعة الأقصى في منطقة المواصي غربي خان يونس.
وفي وقت لاحق، أعلنت مصادر طبية استشهاد الفلسطيني طارق الراعي متأثرا بجروح خطيرة أصيب بها في الهجوم.
وتفاوتت الحصائل الأولية التي نشرتها المصادر خلال ساعات الأحد؛ إذ تحدثت تقارير في البداية عن ثلاثة مصابين بنيران إسرائيلية استهدفت خياما في منطقة بئر 19 بالمواصي، قبل أن ترد حصيلة لاحقة تتحدث عن سبعة مصابين في استهداف لخيمة قرب جامعة الأقصى.
وأفادت تقارير بأن خمسة فلسطينيين على الأقل أصيبوا في ضربة إسرائيلية استهدفت منطقة خيام في خان يونس، قبل أن تؤكد مصادر طبية في مستشفى ناصر لاحقا استشهاد أحد المصابين متأثرا بجروحه، ما يعكس تطور الحصيلة مع مرور ساعات اليوم.
الجيش الإسرائيلي: استهدفنا عنصرا من الجهاد الإسلامي
وفي روايته للهجوم، أعلن الجيش الإسرائيلي أن طائراته استهدفت الأحد عنصرا من حركة الجهاد الإسلامي في منطقة خان يونس، مدعيا أن المستهدف كان يعمل على الدفع بمخططات لشن هجمات.
وقال الجيش إن الضربة نُفذت جوا بهدف إزالة ما وصفه بـ"تهديد"، من دون أن يقدم في بيانه تفاصيل إضافية عن هوية الشخص المستهدف أو طبيعة النشاط الذي نسبه إليه.
وأكدت رويترز صدور إعلان إسرائيلي عن استهداف عنصر من الجهاد الإسلامي في خان يونس، في حين أظهرت المعلومات الواردة من المصادر الطبية أن الضربة طالت منطقة تضم خياما للنازحين وأدت إلى سقوط إصابات واستشهاد أحد الجرحى لاحقا.
النصيرات.. قصف شقة سكنية
وامتدت الضربات الإسرائيلية إلى وسط قطاع غزة، حيث استهدفت طائرة إسرائيلية مسيرة شقة أو جزءا من مبنى سكني في مخيم النصيرات للاجئين.
وأفادت مصادر الإسعاف والطوارئ بنقل عدد من المصابين إلى مستشفى العودة في النصيرات عقب الهجوم.
وقال الجيش الإسرائيلي، من جانبه، إن الضربة الثانية استهدفت عنصرا من حركة حماس، زاعما أنه كان يعمل على التخطيط لعمليات، وإن الاستهداف جاء في إطار ما وصفه بإزالة تهديد مباشر.
وأشارت رويترز إلى أن الضربة أصابت شقة سكنية في مخيم النصيرات وأدت إلى إصابة عدة أشخاص، بينما قال الجيش إنها استهدفت عنصرا من حماس.
وبذلك يكون الجيش الإسرائيلي قد أعلن خلال فترة زمنية متقاربة تنفيذ ضربتين جويتين في القطاع، الأولى في خان يونس وقال إنها استهدفت عنصرا في الجهاد الإسلامي، والثانية في النصيرات وقال إنها استهدفت عنصرا في حماس.
وأضاف الجيش أن قوات القيادة الجنوبية لا تزال منتشرة في المنطقة وفقا للترتيبات القائمة، وأنها ستواصل العمل ضد ما تعتبره "تهديدات فورية".
إصابة طفل شرقي البريج
وفي وسط القطاع أيضا، أفادت مصادر فلسطينية بإصابة طفل برصاص أطلقته طائرة مسيرة إسرائيلية من طراز "كواد كابتر" شرقي مخيم البريج للاجئين.
وجاء ذلك بالتزامن مع استمرار إطلاق النار في مناطق قريبة من خطوط انتشار القوات الإسرائيلية، وسط شكاوى فلسطينية متكررة من أن إطلاق النار والاستهدافات قرب المناطق الشرقية ومحيط خطوط التماس باتت جزءا من الخروقات اليومية لاتفاق وقف إطلاق النار.
انتشال جثمان الطفل سهيل شلوف
وفي تطور منفصل بخان يونس، انتشلت طواقم الهلال الأحمر الفلسطيني الأحد جثمان الطفل سهيل مسعود شلوف، البالغ 14 عاما، من شارع الطينة جنوبي المدينة.
وقالت وكالة الأنباء الفلسطينية "وفا" إن الطفل كان قد أصيب مساء السبت برصاص القوات الإسرائيلية في المنطقة، قبل أن تتمكن الطواقم من انتشال جثمانه الأحد.
ويميز هذا الحادث زمنيا عن ضحية غارة المواصي الأحد؛ إذ تعود إصابة شلوف إلى مساء السبت، بينما جرى انتشال جثمانه خلال ساعات الأحد.
قصف وإطلاق نار شرقي مدينة غزة
وشهدت الأطراف الشرقية لمدينة غزة بدورها نشاطا عسكريا إسرائيليا خلال اليوم، شمل قصفا مدفعيا وإطلاق نار من الآليات المنتشرة في المنطقة، بحسب مصادر ميدانية فلسطينية.
وتتزامن هذه العمليات مع استمرار وجود القوات الإسرائيلية داخل مناطق من القطاع وعلى امتداد ما يعرف بـ"الخط الأصفر"، الذي أصبح في الوقت نفسه إحدى أبرز نقاط الخلاف في المفاوضات السياسية الجارية بشأن تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق غزة.
وكانت إسرائيل قد خفضت نسبيا وتيرة ضرباتها في وقت سابق من أغسطس/آب تحت ضغوط أميركية، لكن الغارات عادت للارتفاع خلال الأيام الأخيرة، بحسب رويترز.
اعتقال ثلاثة من سائقي شاحنات المساعدات
ولم تقتصر أحداث الأحد على الضربات الجوية وإطلاق النار، إذ اعتقلت القوات الإسرائيلية ثلاثة من سائقي شاحنات المساعدات الإنسانية قرب معبر كرم أبو سالم جنوب شرقي رفح.
وقالت وكالة "وفا" إن المعتقلين هم عياد مريش، وزايد عبد العال، وإبراهيم أبو جراد، من دون أن تورد تفاصيل عن أسباب الاعتقال.
ولم يكن قد صدر، وفق التقارير المتاحة، توضيح إسرائيلي بشأن أسباب احتجاز السائقين.
وجاء الحادث في اليوم نفسه الذي استؤنفت فيه حركة قوافل مساعدات من الجانب المصري باتجاه كرم أبو سالم بعد توقف الجمعة والسبت، إذ تحركت دفعة جديدة من قافلة "زاد العزة.. من مصر إلى غزة" محملة بمواد غذائية وطبية وإغاثية ووقود.
وأثار اعتقال السائقين مجددا قضية سلامة العاملين في نقل المساعدات، خصوصا مع اعتماد جزء كبير من عمليات إدخال المواد الإنسانية إلى القطاع على مسار كرم أبو سالم.
حصيلة وقف إطلاق النار ترتفع
وبحسب أحدث بيانات فلسطينية نُشرت مساء الأحد نقلا عن وزارة الصحة في غزة، ارتفعت حصيلة الشهداء منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025 إلى 1264 فلسطينيا، فيما بلغ عدد المصابين 4168، إضافة إلى تسجيل 804 جثامين جرى انتشالها خلال الفترة نفسها.
أما وكالة رويترز إلى أن غالبية الضحايا، وفقا للمصادر الفلسطينية، مدنيون، في حين تقول إسرائيل إن عملياتها خلال وقف إطلاق النار استهدفت في عدد من الحالات عناصر مسلحة قالت إنهم خططوا لهجمات على قواتها.
وتتبادل إسرائيل وحماس الاتهامات بخرق الاتفاق؛ إذ تقول إسرائيل إن الحركة تحاول إعادة بناء قدراتها وتستخدم وقف إطلاق النار لإعادة تنظيم صفوفها، بينما تقول حماس إن استمرار الضربات والاغتيالات وإطلاق النار الإسرائيلي يمثل خرقا للاتفاق ويعرقل الانتقال إلى مراحله التالية.
تصعيد يتزامن مع مفاوضات القاهرة
وجاءت أحداث الميدان الأحد بالتزامن مع نشاط دبلوماسي مكثف في مصر بشأن مستقبل وقف إطلاق النار.
فقد التقى رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية حسن رشاد وفدا رفيعا من حماس برئاسة رئيس مكتبها السياسي خليل الحية، فيما شارك مسؤولون من الحركة في اجتماعات مع الوسطاء وبمشاركة المبعوث الأميركي جاريد كوشنر ونيكولاي ملادينوف، المسؤول عن ملف غزة في "مجلس السلام".
وتركز المباحثات على الانتقال إلى المرحلة التالية من الخطة الأميركية، التي تربط نزع سلاح حماس والفصائل الأخرى بانسحاب القوات الإسرائيلية على مراحل، ونشر قوة استقرار دولية، ونقل إدارة القطاع إلى إدارة فلسطينية مدنية، والشروع في إعادة الإعمار.
وتكتسب التطورات الميدانية أهمية خاصة في هذا السياق، لأن أحد الملفات التي يناقشها الجانب الأميركي مع إسرائيل يتعلق بتقليص أو وقف عمليات الاستهداف داخل القطاع أثناء تنفيذ المرحلة المقبلة.
وبحسب مسؤول إسرائيلي تحدث لرويترز، هناك قلق داخل إسرائيل من احتمال مطالبة واشنطن بوقف عمليات الاغتيال والاستهداف ضد عناصر حماس، في حين تقول إسرائيل إنها تريد الاحتفاظ بحرية التحرك ضد أي تهديد تعتبره مباشرا.
هدنة قائمة على الورق وميدان شديد الهشاشة
وبحصيلة يوم الأحد، بدت الصورة الميدانية في غزة محكومة بمفارقة واضحة: اتفاق وقف إطلاق النار لا يزال قائما، والوسطاء يتحركون للانتقال إلى مرحلة أكثر تقدما منه، لكن الضربات الجوية وإطلاق النار والضحايا ما زالوا جزءا من الواقع اليومي في مناطق متعددة من القطاع.
وتقول إسرائيل إن هجمات الأحد كانت عمليات محددة ضد شخصين من حماس والجهاد الإسلامي اعتبرتهما تهديدا، بينما تشير الوقائع التي أوردتها المصادر الطبية الفلسطينية إلى سقوط شهيد وجرحى في المناطق المستهدفة، وبينها مناطق تضم نازحين ومبان سكنية.
ومع انتقال كوشنر وملادينوف إلى إسرائيل للقاء رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الاثنين، يصبح مستوى التصعيد على الأرض أحد الاختبارات المباشرة للجهود السياسية الجارية: هل يمكن تثبيت هدوء ميداني يسمح بالانتقال إلى المرحلة الثانية، أم ستظل الغارات والاستهدافات المتبادلة عقبة أمام تحويل التفاهمات السياسية إلى خطوات قابلة للتنفيذ؟
نقل مسعفون فلسطينيين جرحى إلى مجمع ناصر الطبي في خان يونس، جنوب قطاع غزة، في 16 أغسطس/آب 2026، بعد غارة جوية إسرائيلية استهدفت خيمة في منطقة المواصي.(صورة: طارق محمد)





ينعى الفلسطينيون جثمان الطفل سهيل أبو شلوف في مشرحة مجمع ناصر الطبي بعد استشهاده في غارة جوية إسرائيلية أثناء جمعه الحطب في منطقة المواصي بخان يونس، جنوب قطاع غزة، في 16 أغسطس/آب 2026. (صورة: طارق محمد)





