يتحول مشروع E1 الاستيطاني من مخطط إسرائيلي لتغيير جغرافية الضفة الغربية المحتلة إلى جبهة ضغط سياسية وقانونية جديدة على حكومة بنيامين نتنياهو، بعد اتساع دائرة الرفض الدولي للمناقصات الإسرائيلية، ووصول التحذيرات هذه المرة إلى الشركات التي قد تشارك في البناء، وسط مطالبات فلسطينية بألا تبقى المواقف الأوروبية عند حدود الإدانة وأن تُترجم إلى عقوبات وإجراءات عملية.
وأصدرت بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وهولندا وكندا والنرويج، الخميس 20 آب/أغسطس، بيانًا مشتركًا اعتبرت فيه قرار الحكومة الإسرائيلية نشر مناقصات البناء في E1 "غير مقبول"، وطالبت بسحب الخطط فورًا ووقف التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية. ويؤكد البيان الرسمي الصادر عن الحكومة البريطانية مشاركة الدول السبع في الموقف المشترك، بعدما ركزت تقارير أولية على موقف أربع دول أوروبية هي بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا.
ولا يقف البيان عند حدود الاعتراض السياسي، إذ وجه تحذيرًا مباشرًا إلى القطاع الخاص، داعيًا الشركات إلى عدم التقدم للمناقصات، والتنبه إلى ما وصفه بـالعواقب القانونية وتلك المرتبطة بالسمعة، بما في ذلك خطر التورط في انتهاكات جسيمة للقانون الدولي.
وبذلك، تنتقل الضغوط المتعلقة بـE1 إلى مساحة أكثر حساسية بالنسبة لإسرائيل، عبر محاولة رفع الكلفة الاقتصادية والقانونية لأي مشاركة تجارية في المشروع، بدل الاكتفاء ببيانات سياسية تطالب بوقفه.
1,234 وحدة جديدة ضمن مخطط يفصل شمال الضفة عن جنوبها
وتأتي المواقف الدولية بعدما فتحت إسرائيل باب التقدم لمناقصة لبناء 1,234 وحدة استيطانية موزعة على سبعة مجمعات سكنية في منطقة E1 بين القدس ومستوطنة معاليه أدوميم، وهي جزء من مخطط أوسع يشمل نحو 3,400 وحدة استيطانية سبق أن حصل على الموافقات اللازمة.
وتكتسب المنطقة أهمية سياسية وجغرافية استثنائية، إذ إن البناء فيها من شأنه خلق امتداد استيطاني بين معاليه أدوميم والقدس، بما يؤدي عمليًا إلى قطع التواصل الجغرافي الفلسطيني بين شمال الضفة وجنوبها، ويعمق عزل القدس الشرقية عن محيطها الفلسطيني.
ولهذا ظل المشروع لسنوات أحد أكثر المشاريع الاستيطانية إثارة للاعتراض الدولي، فيما ترى الحكومة الإسرائيلية وأطراف في الائتلاف الحاكم فيه أداة لترسيخ السيطرة الإسرائيلية على المنطقة ومنع قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا.
وأشار تقرير أوروبي صدر في تموز/يوليو إلى أن الحكومة الإسرائيلية خصصت أيضًا نحو 3 مليارات شيكل لتسريع تطوير البنى التحتية في منطقة E1 ومعاليه أدوميم، بما يكشف أن المشروع لا يقتصر على بناء وحدات سكنية منفردة، بل يرتبط بتغيير أوسع للبنية العمرانية والطرق والسيطرة على الأرض.
أوروبا: المشروع لا يقسم الضفة فقط بل يضرب مكانة إسرائيل
وفي لهجة تتجاوز الاعتراض التقليدي على الاستيطان، قالت الدول السبع إن المضي في المشروع لا يبعد فرص السلام فحسب، وإنما يضر أيضًا بمكانة إسرائيل الدولية.
وأكدت أن المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية غير قانونية بموجب القانون الدولي، وأن تنفيذ E1 سيشق الأراضي الفلسطينية ويقوض التواصل الجغرافي الضروري لأي دولة فلسطينية مستقبلية.
ويأتي التصعيد الدبلوماسي في وقت تتزايد فيه الانتقادات الدولية للسياسات الإسرائيلية في الضفة، مع تسجيل الأمم المتحدة مستويات مرتفعة من عنف المستوطنين، إلى جانب القيود المفروضة على الاقتصاد الفلسطيني.
وكانت الدول الأوروبية نفسها وحلفاؤها قد حذروا في أيار/مايو الشركات من المشاركة في مشاريع E1 أو غيرها من المشاريع الاستيطانية، وربطوا ذلك بمخاطر قانونية وأضرار محتملة بالسمعة التجارية، ما يجعل البيان الجديد استمرارًا لمسار ضغط يتجه تدريجيًا من الاعتراض الدبلوماسي إلى استهداف البيئة الاقتصادية التي تسمح بتنفيذ المشروع.
غوتيريش: ضربة لاتصال الأرض الفلسطينية
وانضم الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى التحذيرات من تداعيات المشروع، مؤكدًا أن البناء في E1 من شأنه فصل شمال الضفة الغربية عن جنوبها وضرب التواصل الجغرافي للأرض الفلسطينية المحتلة.
وكان غوتيريش قد وصف نشر المناقصة الخاصة بـ3,401 وحدة في المنطقة بأنه أمر "مقلق للغاية"، محذرًا من أن تنفيذ المشروع سيشكل ضربة شديدة لإمكانية تطبيق حل الدولتين. وأكد أن استمرار الوجود الاستيطاني الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة يتعارض مع القانون الدولي، مستندًا إلى الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية.
وطالب الأمين العام إسرائيل بالامتناع عن اتخاذ خطوات إضافية، والالتزام بقرارات الأمم المتحدة والرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الصادر في 19 تموز/يوليو 2024.
الفلسطينيون: التحذير الدولي يجب أن يتحول إلى كلفة على إسرائيل
فلسطينيًا، رحب نائب رئيس دولة فلسطين حسين الشيخ بالموقف الدولي، معتبرًا أن خطورة E1 تكمن في أنه يقوض التواصل الجغرافي للأرض الفلسطينية ويفتح الطريق أمام تقويض حل الدولتين، داعيًا إلى ترجمة الموقف السياسي إلى إجراءات عملية توقف المشروع.
كما رحبت وزارة الخارجية الفلسطينية بموقف الدول السبع، لكنها دفعت باتجاه ما هو أبعد من البيانات، مطالبة بتوسيع الموقف دوليًا وتحويل المرجعيات القانونية إلى إجراءات ملموسة، بما في ذلك فرض عقوبات على منظومة الاستيطان ومنع الشركات والجهات الاقتصادية من تقديم أي دعم مباشر أو غير مباشر لها.
واعتبرت الوزارة أن دعوة الدول السبع للشركات إلى عدم المشاركة في المناقصات تحمل أهمية خاصة، لأنها تنقل المواجهة مع المشروع من المجال السياسي إلى المجال الاقتصادي والقانوني، حيث يمكن للشركات أن تواجه تبعات مرتبطة بمشاركتها في نشاط استيطاني تعتبره غالبية المجتمع الدولي غير قانوني.
فتح: زمن الإدانة انتهى
وذهبت حركة فتح إلى موقف أكثر حدة، معتبرة أن مجرد إصدار الإدانات لم يعد كافيًا، وأن غياب إجراءات رادعة خلال السنوات الماضية شجع الحكومة الإسرائيلية على المضي في الاستيطان ومصادرة الأراضي.
وقال الناطق باسم الحركة وعضو مجلسها الثوري عبد الفتاح دولة إن المطلوب أوروبيًا هو الانتقال من "دائرة الإدانة إلى دائرة الفعل"، عبر عقوبات وأدوات سياسية واقتصادية ودبلوماسية تجعل استمرار الاستيطان مكلفًا لإسرائيل.
واعتبر أن E1 ليس مشروعًا عمرانيًا منفصلًا، وإنما جزء من سياسة تستهدف إعادة رسم الضفة الغربية وفرض واقع جغرافي يحول دون قيام دولة فلسطينية مستقلة ومتصلة جغرافيًا.
ويرى الموقف الفلسطيني أن اختبار جدية التحرك الأوروبي لن يكون في قوة صياغة البيانات، وإنما في استعداد الدول لاستخدام ثقلها التجاري والسياسي، ومساءلة الشركات التي تدخل في المشاريع الاستيطانية، واتخاذ إجراءات تجعل للمضي في الاستيطان كلفة سياسية واقتصادية ودبلوماسية فعلية.
من الاستيطان إلى العزلة
ويضع فتح مناقصات E1 حكومة نتنياهو أمام مواجهة لا تقتصر على مستقبل الأرض الفلسطينية، بل تمتد إلى علاقات إسرائيل مع مجموعة من أبرز شركائها الغربيين.
فبعد سنوات كان فيها المشروع يتقدم ويتجمد تحت ضغط الاعتراض الدولي، دخل E1 مرحلة أكثر تقدمًا مع فتح المناقصات أمام الشركات وتخصيص موارد مالية وبنى تحتية مرتبطة به، في مقابل خطاب غربي أصبح يتحدث صراحة عن العواقب القانونية والتجارية وتراجع مكانة إسرائيل الدولية.
ومع ذلك، يبقى السؤال السياسي الأهم هو ما إذا كانت الدول التي تحذر اليوم من تقويض حل الدولتين ستكتفي مجددًا بالمطالبة الإسرائيلية بالتراجع، أم ستنتقل بالفعل إلى فرض كلفة على المشروع.
فالمعركة حول E1 لم تعد تدور فقط حول عدد الوحدات الاستيطانية، وإنما حول ما إذا كان المجتمع الدولي سيقبل بتحول حل الدولتين إلى صيغة سياسية بلا جغرافيا يمكن تنفيذها على الأرض، أو يستخدم ما يملكه من أدوات اقتصادية وقانونية ودبلوماسية لمنع فرض واقع يصعب التراجع عنه لاحقًا
