تكشف شهادة أدلى بها همام خازم، نجل فتحي زيدان خازم المعروف بـ«أبو الرعد»، تفاصيل جديدة عن اللحظات التي سبقت اعدام والده برصاص قوات إسرائيلية داخل منزله في مدينة جنين فجر الجمعة، في واقعة تقدم بشأنها العائلة والجيش الإسرائيلي روايتين متعارضتين؛ إذ تقول الأسرة إن خازم أُطلق عليه الرصاص بعد مشادة وعراك مع الجنود، بينما يقول الجيش إنه حاول طعن أحد عناصره بسكين.
واُستشهد فتحي زيدان خازم، المعروف بـ«أبو الرعد»، فجر الجمعة 21 آب/أغسطس 2026، خلال عملية عسكرية إسرائيلية في مدينة جنين شمال الضفة الغربية، قبل أن تحتجز القوات الإسرائيلية جثمانه.
وأكدت الهيئة العامة للشؤون المدنية الفلسطينية إبلاغ وزارة الصحة باستشهاد خازم برصاص القوات الإسرائيلية. وذكرت وكالة «أسوشيتد برس» أن خازم، البالغ 58 عاماً وفق البيانات التي نقلتها، قُتل خلال عملية ليلية في جنين، بينما لم يبلغ الجيش الإسرائيلي عن إصابات بين جنوده في الحادث.
لكن تفاصيل ما جرى داخل المنزل لا تزال موضع خلاف جوهري بين رواية العائلة والرواية العسكرية الإسرائيلية.

نجل خازم: لم أكن في المنزل.. وشقيقي شاهد ما جرى
وقال همام خازم، في حديث لقناة «الجزيرة» القطرية من خيمة عزاء والده في جنين، إنه لم يكن موجوداً داخل المنزل عند دخول القوة الإسرائيلية، موضحاً أن شقيقه القاصر آدم (14 عامًا) كان برفقة والده وشاهد الواقعة.
وبحسب الرواية التي نقلها همام عن شقيقه القاصر، اصطحبت القوة الإسرائيلية أحد سكان الحي معها إلى المنزل، وقال إن الجنود استخدموه «درعاً بشرياً» خلال تقدمهم نحو الشقة. وهذه الجزئية وردت أيضاً في إفادات أخرى نقلت عن أفراد من العائلة وشهود.
وقال همام إن الجنود طرقوا الباب قبل أن يعرّفوا عن أنفسهم بأنهم من الجيش الإسرائيلي، ثم دخلوا المنزل بعد خلع الباب.
وأضاف أن شقيقه أبلغ والده بوصول القوة، فخرج فتحي خازم لمواجهتهم، وسأله الجنود عن اسمه، فأجاب بأنه فتحي خازم «أبو الرعد».
وبحسب شهادة نجله، طلب الجنود بعد ذلك إحضار بطاقة هوية خازم، وتوجه آدم لجلبها.

أوامر الجنود
ويقول همام إن التوتر بدأ خلال اللحظات التي كان فيها شقيقه القاصر يبحث عن بطاقة الهوية، عندما طلب الجنود من والده الانحناء ورفع ملابسه أو خلع جزء منها، بحسب تعبيره.
وأوضح أن والده كان يعاني مشكلات صحية جعلت الحركة والانحناء صعبين بالنسبة إليه، وأن نقاشاً حاداً بدأ عندما رفض تنفيذ الأمر بالطريقة التي طلبها الجنود.
ونقل همام عن شقيقه القاصر أن والده خاطب الجنود معترضاً على طلب الانحناء، قبل أن تتطور المشادة الكلامية إلى احتكاك جسدي وعراك بالأيدي.
وتتقاطع هذه الرواية في خطوطها العامة مع إفادات أخرى نُقلت عن العائلة، تحدثت عن وقوع مواجهة لفظية وجسدية داخل المنزل قبل إطلاق النار.
العائلة: سبع رصاصات أصابت خازم
وبحسب همام خازم، أطلق الجنود بعد ذلك سبع رصاصات على والده في مناطق مختلفة من جسده.
وقال إن إطلاق النار وقع أمام شقيقه القاصر، مضيفاً أن القوات نقلت الطفل والرجل الذي قال إن الجنود اصطحبوه معهم إلى داخل الحمام، قبل احتجاز جثمان والده.
كما تحدثت إفادات صحفية وشهادات محلية أخرى عن إطلاق سبع رصاصات على خازم، فيما لم يحدد الجيش الإسرائيلي في بيانه عدد الطلقات التي أطلقها جنوده.
وقال همام إن شقيقه القاصر يعاني آثاراً نفسية شديدة نتيجة مشاهدته مقتل والده داخل المنزل.

رواية إسرائيلية: محاولة طعن
في المقابل، قدم الجيش الإسرائيلي رواية مختلفة جذرياً.
وقال الجيش إن قوات من الكتيبة 890 في لواء المظليين كانت تنفذ عملية في جنين لاعتقال مطلوبين يشتبه في ضلوعهم في أنشطة مسلحة، وإن خازم كان مسلحاً بسكين وحاول طعن أحد الجنود عند دخول القوة إلى أحد المواقع.
وأضاف أن أحد الجنود أطلق النار عليه وقتله، مؤكداً عدم وقوع إصابات في صفوف القوات الإسرائيلية. ونقلت «يديعوت أحرونوت/واينت» الرواية نفسها عن الجيش ومصدر أمني إسرائيلي.
ولا تتضمن الرواية الإسرائيلية المنشورة حتى الآن تفاصيل عن المراحل التي سبقت إطلاق النار داخل المنزل، كما لا توضح ما إذا كانت هناك مشادة كلامية أو عراك جسدي قبل الواقعة.
وفي المقابل، تنفي العائلة رواية محاولة الطعن، وتقول إن إطلاق النار جاء عقب خلاف وعراك مع الجنود.
هل كانت القوة تستهدف خازم أصلاً؟
ويقول همام خازم إن العائلة تعتقد أن اعدام والده لم يكن نتيجة تطور مفاجئ داخل المنزل، بل إن قرار استهدافه كان، من وجهة نظرها، معداً مسبقاً.
لكن المصادر الإسرائيلية تقدم سياقاً مختلفاً حول الهدف من العملية.
فقد ذكرت «واينت» أن القوات كانت تنفذ حملة اعتقالات في جنين، وأن إسرائيل حاولت خلال السنوات الماضية الوصول إلى فتحي خازم لاستجوابه، بعد أن أصبح مطلوباً لدى أجهزة الأمن الإسرائيلية إثر الأحداث التي أعقبت عملية نجله رعد في تل أبيب عام 2022.
واللافت أن التقرير الإسرائيلي نفسه ذكر أن خازم لم يكن مصنفاً في السابق باعتباره «قنبلة موقوتة»، وأن الأجهزة الإسرائيلية كانت تعطي أولوية لاعتقال أشخاص تعتبر أنهم على وشك تنفيذ هجمات، في حين جعل وجود خازم في جنين وسط مسلحين عملية اعتقاله أكثر تعقيداً.
وقال التقرير إن التقديرات الأمنية الإسرائيلية في السابق كانت تشير إلى انتظار فرصة أكثر ملاءمة للوصول إليه.
احتجاز الجثمان
بعد إطلاق النار، احتجزت القوات الإسرائيلية جثمان خازم، وفق العائلة والهيئة العامة للشؤون المدنية الفلسطينية.
وقالت وكالة «وفا»، نقلاً عن مصادر محلية، إن القوات منعت سيارة إسعاف من الوصول إليه بعد إصابته، قبل أن تحتجز جثمانه، فيما لم ينشر الجيش الإسرائيلي حتى الآن رواية تفصيلية بشأن تعامل قواته الطبي معه بعد إطلاق النار.
وأكد همام خازم أن العائلة لم تتلق، حتى وقت حديثه لقناة «الجزيرة»، معلومات عن مكان الجثمان أو موعد تسليمه.
«فتح» تتحدث عن «إعدام ميداني»
وأثارت الواقعة ردود فعل فلسطينية واسعة.
ونعت اللجنة المركزية لحركة «فتح» خازم، الذي كان ضابطاً سابقاً في قوات الأمن الوطني الفلسطيني ومنتمياً إلى الحركة، ووصفت استشهاده بأنه «إعدام ميداني»، محملة الحكومة الإسرائيلية وقواتها المسؤولية.
كما وصف رئيس المجلس الوطني الفلسطيني روحي فتوح العملية بأنها «تصفية جسدية متعمدة»، وقال إن احتجاز الجثمان يمثل امتداداً لسياسة إسرائيلية أوسع في الضفة الغربية.
من هو فتحي خازم؟
برز اسم فتحي خازم على نطاق واسع منذ نيسان/أبريل 2022، بعد أن نفذ نجله رعد خازم هجوماً بإطلاق النار في شارع ديزنغوف في تل أبيب، أسفر عن مقتل ثلاثة إسرائيليين.
واستشهد رعد في اليوم التالي بعد مطاردة إسرائيلية انتهت في يافا. ويؤكد الجيش والإعلام الإسرائيليان أن فتحي خازم أصبح بعد ذلك مطلوباً للاستجواب، واتهمته إسرائيل بالتحريض عليها.
وبعد أشهر، في أيلول/سبتمبر 2022، استشهد نجله الآخر عبد الرحمن خلال عملية عسكرية إسرائيلية في جنين.
وكان فتحي خازم قد خدم لسنوات في قوات الأمن الوطني التابعة للسلطة الفلسطينية، ووصل إلى موقع قيادي في منطقة نابلس قبل تقاعده. وتؤكد المصادر الإسرائيلية أيضاً أنه كان مسؤولاً سابقاً رفيع المستوى في جهاز الأمن الوطني الفلسطيني في نابلس.
ومنذ عام 2022، تحول «أبو الرعد» إلى شخصية معروفة في جنين، وظهر في مناسبات وتجمعات فلسطينية، فيما ظل موضع ملاحقة واهتمام لدى الأجهزة الأمنية الإسرائيلية.
وبذلك، فإن الوقائع المؤكدة تشير إلى أن قوة إسرائيلية دخلت منزل فتحي خازم في جنين، وأطلقت النار عليه فقتلته، ولم يصب أي جندي إسرائيلي، ثم احتجزت إسرائيل جثمانه.
أما اللحظات التي سبقت إطلاق النار فتبقى محل روايتين متعارضتين: العائلة تقول إن مواجهة كلامية وعراكاً وقعا بعد رفض خازم أوامر الجنود قبل أن يُصاب بسبع رصاصات، والجيش الإسرائيلي يقول إنه كان يحمل سكيناً وحاول طعن أحد جنوده.
