تحولت تصريحات رئيس القائمة العربية الموحدة «رعام»، منصور عباس، بشأن الاعتراف بدولة فلسطينية، السبت 22 أغسطس/آب 2026، إلى سجال سياسي واسع في إسرائيل، بعدما استثمرها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في مهاجمة خصومه واحتمالات اعتمادهم على الأحزاب العربية لتشكيل الحكومة المقبلة، فيما سارع رئيس حزب «يشار» غادي آيزنكوت إلى إعلان أن حكومة يشكلها لن تقيم دولة فلسطينية.
وجاء السجال في خضم احتدام الحملة الانتخابية الإسرائيلية، وفي وقت تسعى فيه «رعام» إلى تثبيت موقعها كطرف محتمل في معادلة تشكيل الائتلاف المقبل، الأمر الذي جعل تصريحات عباس بشأن القضية الفلسطينية تتجاوز إطار مؤتمر حزبه إلى واحدة من القضايا المركزية في المواجهة بين نتنياهو ومعسكر خصومه.
وقال نتنياهو، مساء السبت، رداً على عباس: «طالما أنا رئيس للوزراء، لن تقوم دولة فلسطينية تسيطر عليها إيران، لا في غزة ولا في يهودا والسامرة»، مستخدماً التسمية الإسرائيلية للضفة الغربية.
وأضاف نتنياهو، وفق ما نقلته Ynet، أن ما وصفه بـ«ثمن ائتلاف يساري مع الإخوان المسلمين ينكشف مجدداً»، وربط «رعام» بغادي آيزنكوت وأفيغدور ليبرمان وحيلي تروبر، متهماً هؤلاء باستبعاد ناخبي «الليكود» مقابل قبول دعم ناخبي الأحزاب العربية. وهذه توصيفات سياسية صادرة عن نتنياهو في إطار حملته ضد خصومه، وليست توصيفاً مستقلاً لطبيعة التحالفات القائمة فعلياً.

آيزنكوت ينأى بنفسه عن طرح عباس
وقبل رد نتنياهو، سارع رئيس حزب «يشار»، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي الأسبق غادي آيزنكوت، إلى التعليق على تصريحات عباس، قائلاً عبر منصة «إكس»: «لا توجد دولة فلسطينية، وفي الحكومة التي سنشكلها لن تقوم دولة فلسطينية».
ويكتسب موقف آيزنكوت أهمية انتخابية خاصة؛ إذ يخوض «الليكود» منذ أسابيع حملة تربط إمكانية تشكيل حكومة بديلة لنتنياهو بالاعتماد على أصوات «رعام» أو قوى عربية أخرى.
وكان موقع N12 قد أشار في تقرير سابق إلى أن «الليكود» يركز جزءاً من حملته الانتخابية على رسالة مفادها أن آيزنكوت لن يتمكن من تشكيل حكومة من دون دعم الأحزاب العربية، في حين يسعى الأخير إلى الوصول إلى أغلبية تمكنه من تشكيل حكومة من دون الاعتماد عليها في المرحلة الأولى، مع إبقاء الخيارات السياسية مفتوحة إذا تعذر ذلك.
وعليه، بدا رد آيزنكوت محاولة للفصل بين احتمال التعاون السياسي مع عباس من جهة، وبين تبني موقفه من إقامة دولة فلسطينية من جهة أخرى، في ظل مساعي نتنياهو لربط القضيتين انتخابياً.
بن غفير يدخل السجال
وانضم وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير إلى الهجوم على عباس وخصوم نتنياهو، واصفاً رئيس «رعام» بأنه حليف محتمل لآيزنكوت ونفتالي بينيت ويائير لابيد.
وقال بن غفير، وفق «يسرائيل هيوم» وYnet، إن تصريحات عباس تكشف، من وجهة نظره، ما ستكون عليه سياسة الحكومة المقبلة إذا شاركت «رعام» في تشكيلها، مستخدماً تعبير «دولة إرهاب» في وصف الدولة الفلسطينية، ومضيفاً أنه لن يسمح بتحقق ذلك.
وتندرج تصريحات بن غفير، على غرار تصريحات نتنياهو، ضمن السجال الانتخابي والسياسي الداخلي، ولا تعكس وجود اتفاق معلن بين عباس والأحزاب التي ذكرها على برنامج يتعلق بإقامة دولة فلسطينية.

ماذا قال منصور عباس؟
وكان منصور عباس قد قال خلال المؤتمر العام الـ28 لـ«رعام» في مدينة الطيبة، السبت، إن «دولة فلسطين موجودة وقائمة، ومعظم العالم يعترف بها»، مضيفاً أن حزبه يريد أن تعترف بها أيضاً إسرائيل والولايات المتحدة.
وقال عباس إن المواطنين العرب في إسرائيل يمكن أن يشكلوا «جسراً لتحقيق السلام»، وإن «رعام» تعمل من أجل السلام والمصالحة وإنهاء الاحتلال والصراع.
كما أكد أن مشاركة حزب عربي في ائتلاف حكومي إسرائيلي أصبحت، في تقديره، خياراً سياسياً مطروحاً بجدية، معتبراً أن «رعام وضعت الديمقراطية الإسرائيلية أمام اختبار حقيقي».
ودعا عباس في الوقت نفسه الأحزاب العربية الأخرى إلى «فتح صفحة جديدة» وإبرام تفاهمات للتعاون والتنسيق واتفاق فائض أصوات و«ميثاق شرف» قبل الانتخابات وبعدها.
«رعام» ترتب أوراقها للانتخابات
وعُقد مؤتمر «رعام» في الطيبة بمشاركة نحو 1,050 عضواً لاختيار المرشحين الأوائل في قائمتها للكنيست.
وبحسب «يسرائيل هيوم»، ثبت منصور عباس في صدارة القائمة، يليه وليد طه، ثم وليد الهواشلة، وإيمان خطيب ياسين، وياسر حجيرات في المواقع الخمسة الأولى.
وفوض المؤتمر قيادة الحزب استكمال ترتيب المواقع المتبقية وبحث إمكانية ضم شخصيات مستقلة، وهي صلاحية تكتسب أهمية في ضوء الاتصالات الجارية مع السياسي الإسرائيلي يواف سيغالوفيتز.
وذكرت «يسرائيل هيوم»، مساء السبت، أن المحادثات بين عباس وسيغالوفيتز تكثفت في الأيام الأخيرة، وأن الأخير قد يحصل على موقع متقدم، وربما الثاني، إذا تم التوصل إلى اتفاق نهائي.
وكانت Ynet قد كشفت في وقت سابق عن مفاوضات تهدف إلى صيغة تسمح بانضمام سيغالوفيتز إلى قائمة «رعام» ضمن محاولة لإظهارها كإطار عربي-يهودي، مع بقاء تفاصيل الاتفاق وشروطه موضع تفاوض.
من الدولة الفلسطينية إلى معركة «من سيشكل الحكومة؟»
وتظهر ردود الفعل الإسرائيلية أن الجدل الذي أثارته تصريحات عباس لا يدور فقط حول مستقبل الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، بل أصبح جزءاً مباشراً من معركة تشكيل الحكومة المقبلة.
فنتنياهو يسعى إلى تقديم أي تعاون محتمل بين معسكر خصومه و«رعام» باعتباره مؤشراً إلى تنازلات سياسية محتملة في القضية الفلسطينية، بينما يحاول آيزنكوت الفصل بين التعاون البرلماني مع القوى العربية وبين مواقفه بشأن الدولة الفلسطينية.
أما عباس، فيسعى إلى تكريس «رعام» كقوة يمكن أن ترجح كفة الائتلاف المقبل، من دون التخلي عن طرحه المؤيد للاعتراف بالدولة الفلسطينية وإنهاء الصراع.
وتكشف هذه المعادلة عن تناقض سياسي سيكون مرشحاً للتصاعد كلما اقتربت الانتخابات: معسكر معارض يسعى إلى توسيع قاعدة القوى القادرة على إنهاء حكم نتنياهو، في مقابل حملة يقودها نتنياهو واليمين لربط أي اعتماد على «رعام» بمواقفها من القضية الفلسطينية.
وبذلك، تحولت عبارة منصور عباس عن أن «دولة فلسطين قائمة» إلى مادة انتخابية تتجاوز الخلاف حول حل الصراع، لتصبح اختباراً مبكراً لتحالفات ما بعد الانتخابات وحدود الشراكة الممكنة بين الأحزاب اليهودية والعربية في إسرائيل.


