«بلا متفجرات لكنها "عمل حربي".. إسرائيل تصعّد أزمة طائرات أطفال غزة و"مجلس السلام" يتبنى التصنيف»
صنّف «مجلس السلام» الذي تقوده الولايات المتحدة ويشرف على آلية متابعة وقف إطلاق النار في قطاع غزة، الثلاثاء 25 آب/أغسطس 2026، إطلاق الطائرات الورقية من القطاع ضمن ما وصفه بـ«النشاط المسلح»، وطالب بوقفه، وذلك بعد أيام من ضغوط وتهديدات إسرائيلية بالتصعيد، رغم إقرار وسائل إعلام ومصادر إسرائيلية بأن الطائرات التي عُثر عليها أخيرًا في بلدات محاذية لغزة لم تكن تحمل مواد متفجرة أو أجسامًا خطرة.
ونقلت هيئة البث الإسرائيلية «كان» أن نحو عشرة طائرات ورقية وصلت خلال الأيام الأخيرة إلى منطقة غلاف غزة «من دون مواد متفجرة»، فيما أكدت تقارير إسرائيلية أخرى أن فحص عدد من الطائرات لم يكشف عن مواد مشبوهة أو خطر على الجمهور. كما أقرت صحيفة «يسرائيل هيوم» بأن الطائرات التي أثارت موجة التحذيرات الأخيرة لم تكن محملة بالمتفجرات.
ورغم ذلك، قال مسؤول في «مجلس السلام»، في إحاطة نقلتها وسائل إعلام عبرية، إن «كل نشاط مسلح في غزة يجب أن يتوقف، بما في ذلك إطلاق الطائرات الورقية»، مضيفًا أن المجلس نقل هذه الرسالة «مباشرة عبر الآلية القائمة».
وفي الوقت نفسه، وجّه المسؤول انتقادًا نادرًا إلى إسرائيل، مؤكدًا أنها مطالبة بدورها باحترام اتفاق وقف إطلاق النار، وأن «العمل العسكري لا يمكن أن يتجاوز الرد على تهديدات حقيقية ووشيكة». وذهبت هيئة البث «كان» إلى صياغة الموقف باعتباره مطالبة بوقف «النشاط العسكري» من الجانبين، بما يشمل الطائرات الورقية من جهة، والهجمات الإسرائيلية التي لا تأتي ردًا على تهديد فوري من جهة أخرى.
إسرائيل تعتبر الطائرة الورقية «عملًا حربيًا» حتى بلا متفجرات
ويأتي تدخل «مجلس السلام» بعدما صعّدت الحكومة الإسرائيلية لهجتها تجاه الطائرات الورقية التي عبرت من قطاع غزة خلال الأيام الماضية.
وكان وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس قد أعلن، الأحد، أنه أصدر تعليماته للجيش بالتعامل مع كل عملية إطلاق باعتبارها «عملًا حربيًا»، قائلاً إن إسرائيل ستتعامل بالطريقة نفسها مع البالونات والطائرات الورقية والطائرات المسيّرة، «مع مواد متفجرة أو من دونها».
وبحسب ما نشرته «يسرائيل هيوم»، تضمنت التعليمات الإسرائيلية العمل ضد من تصفهم إسرائيل بالمسؤولين عن عمليات الإطلاق، إلى جانب إخلاء مناطق فلسطينية تدعي أنها تستخدم لإطلاق تلك الوسائل.
وفي أعقاب اجتماع أمني عقده رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو وكاتس مع رئيس الأركان إيال زامير ومسؤولين أمنيين، هددت إسرائيل بزيادة عمليات الاغتيال ضد من تعتبرهم مسؤولين عن إطلاق الطائرات الورقية والبالونات والمسيّرات، وبإخلاء السكان من المناطق التي تقول إن عمليات الإطلاق تجري منها إذا لم تتوقف.
وتكشف هذه التصريحات أن الحكومة الإسرائيلية لا تشترط وجود مادة متفجرة أو حارقة لكي تصنف الطائرة الورقية بوصفها تهديدًا عسكريًا، في وقت أكدت فيه التقارير الإسرائيلية نفسها أن الطائرات التي عُثر عليها في الوقائع الأخيرة لم تحمل مثل هذه المواد.
تقديرات إسرائيلية بلا أدلة معلنة
وفي موازاة ذلك، زعم مسؤولون أمنيون إسرائيليون أن حركة حماس تقف خلف الظاهرة، وأنها تشجع فتيانًا أو سكانًا في القطاع على إطلاق الطائرات لاختبار رد إسرائيل أو «استفزازها».
ونقلت «واللا» عن مصادر عسكرية تقديرها أن شبانًا تتراوح أعمارهم بين 12 و13 عامًا هم من يطلقون بعض الطائرات، مع ادعاء أن «جهات أخرى» توجههم وأنها «على الأرجح» مرتبطة بحماس، من دون عرض أدلة علنية تثبت وجود حملة منظمة تقودها الحركة.
كما نقل «زمان يسرائيل» عن مسؤول أمني إسرائيلي قوله إن حماس تشجع سكان غزة على إطلاق الطائرات الورقية بهدف استفزاز إسرائيل.
في المقابل، نقل الموقع عن مسؤول في حماس، استنادًا إلى وكالة «رويترز»، قوله إن الحركة أبلغت وسطاء وقف إطلاق النار بأن إسرائيل «تختلق ذرائع كاذبة لكي تواصل الحرب في غزة».
تحذيرات للأهالي خوفًا من الرد الإسرائيلي
وأمام التهديدات الإسرائيلية، دعت «اللجان الشعبية» العاملة في مخيمات ومراكز إيواء النازحين في القطاع الأهالي إلى منع أطفالهم من إطلاق الطائرات الورقية.
وقالت اللجان في بيان إن تحركها لا يستهدف «تقييد طفولة» الأطفال، بل حمايتهم من المخاطر التي قد تترتب على رد عسكري إسرائيلي، داعية أولياء الأمور إلى تشديد الرقابة.
ونقلت مصادر عبرية أن الإعلان جرى بالتنسيق مع سلطات حماس، فيما أظهرت تسجيلات من غزة أشخاصًا يقومون بإتلاف طائرات ورقية خشية أن تتحول إلى مبرر لتهديد حياة السكان أو لإخلاء مناطق جديدة.
ولا يشكل هذا التحذير، بحد ذاته، دليلًا على أن الطائرات الورقية استُخدمت لأغراض عسكرية؛ إذ أقرت تقارير عبرية بأن الطائرات التي عُثر عليها أخيرًا لم تحمل «أجسامًا مشبوهة»، كما نقلت وسائل إعلام إسرائيلية عن حماس قولها إن الحديث يدور عن «ألعاب أطفال» في مخيمات النازحين.
استدعاء تجربة 2018 رغم اختلاف الوقائع
وتستند إسرائيل في خطابها الحالي إلى تجربة الطائرات الورقية والبالونات الحارقة التي استخدمت خلال احتجاجات عام 2018، وتسببت حينها بحرائق واسعة في أراضٍ زراعية ومفتوحة داخل إسرائيل.
إلا أن الربط بين تلك الوقائع والطائرات الحالية يبقى موضع إشكال، إذ إن المصادر الإسرائيلية التي وثقت الحالات الأخيرة أكدت عدم العثور على مواد متفجرة أو حارقة عليها.
بل إن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية نفسها قدمت تقييمات متفاوتة لحجم الخطر؛ ففي الوقت الذي وصف فيه كاتس كل عملية إطلاق بأنها «عمل حربي»، نقلت «يسرائيل هيوم» عن جهات في المؤسسة الأمنية قولها إن الظاهرة الحالية «لا تشكل تهديدًا كبيرًا» في صورتها الراهنة، مع الإشارة إلى مخاوف من تطورها لاحقًا إلى استخدام وسائل أكثر خطورة.
التصعيد سبق موقف «مجلس السلام»
ولم تبق التهديدات الإسرائيلية في إطار التصريحات فقط. ففي 25 و 24 آب/أغسطس، شن الجيش الإسرائيلي ضربات جديدة في القطاع، من بينها استهداف مواقع قال إنها مخازن أسلحة تابعة لحماس، على خلفية الجدل المتصاعد بشأن الطائرات الورقية. وأفادت تقارير إسرائيلية بإرسال تحذيرات إخلاء إلى مواقع في مخيم الشاطئ قبل بعض الضربات.
وكانت تقارير صحية فلسطينية قد أفادت اليوم بأن إجمالي ما وصل إلى مستشفيات قطاع غزة خلال الـ 24 ساعة الماضية بلغ : 9 شهداء (6 شهداء جُدد، وشهيدان متأثريْن بإصابتيهما، وشهيد واحد انتشال) و 36 إصابة، في غارات إسرائيلية على القطاع، في مؤشر إلى استمرار هشاشة وقف إطلاق النار وتواصل الضربات الإسرائيلية رغم سريانه.
وفي هذا السياق، يكتسب موقف «مجلس السلام» أهمية إضافية، إذ لم يكتفِ بالمطالبة بوقف إطلاق الطائرات الورقية، بل وضع أيضًا سقفًا معلنًا للرد الإسرائيلي، بحصره في مواجهة «تهديدات حقيقية ووشيكة».
وبذلك، تكشف قضية الطائرات الورقية عن مفارقة واضحة: ففي حين لم تثبت الجهات الإسرائيلية حتى الآن أن الطائرات التي وصلت أخيرًا تحمل مواد متفجرة أو حارقة، صعّدت الحكومة الإسرائيلية توصيفها إلى «عمل حربي»، وتبنى «مجلس السلام» إدراج إطلاقها ضمن «النشاط المسلح»، في وقت تتزايد فيه المخاوف الفلسطينية من أن تتحول ظاهرة مرتبطة في عدد من الحالات بلعب الأطفال إلى ذريعة لتوسيع الاغتيالات والغارات وإخلاء مناطق سكنية جديدة في قطاع غزة.
