في اجتماع موسّع مع ممثلي الدول الأعضاء في مجلس الأمن الدولي، استضافته البعثة الدائمة للدنمارك لدى الأمم المتحدة بصفتها رئيسة لمجلس الأمن، عرضت الحائزة على جائزة نوبل للسلام والمدافعة عن حقوق الإنسان توكل كرمان رؤيتها بشأن اليمن، متناولةً الجذور الأساسية للأزمة والمسار المؤدي إلى سلام مستدام. وشددت على أن أي جهد جاد لتحقيق السلام يجب أن يبدأ بمعالجة السبب الجذري للأزمة، والمتمثل في انهيار الدولة اليمنية وتقويض مؤسساتها.
وقالت كرمان إن المسؤولية الرئيسية عن انهيار الدولة اليمنية تقع، في المقام الأول، على عاتق جماعة الحوثي المسلحة، المدعومة من إيران سياسيًا وعسكريًا ولوجستيًا، والتي انقلبت على العملية السياسية الانتقالية، وقوضت مؤسسات الدولة، واستولت بالقوة على عاصمة البلاد صنعاء في 21 سبتمبر/أيلول 2014. وأضافت أن الحوثيين ارتكبوا انتهاكات جسيمة بحق اليمنيين، شملت القتل والاعتقال التعسفي والإخفاء القسري وتجنيد الأطفال وزرع ملايين الألغام الأرضية. كما قالت
وقالت إن الحرب ومآسيها، والأزمة الإنسانية التي تطال عشرات الملايين من اليمنيين، وانهيار الخدمات الأساسية والاقتصاد، والجوع والمجاعة، وتدخل التحالف العربي بقيادة السعودية والتدخلات الإماراتية وما رافقها من انتهاكات بحق المدنيين، فضلًا عن ظهور جماعات مسلحة خارج سلطة الدولة، جميعها تداعيات كارثية لانهيار الدولة اليمنية وتقويض مؤسساتها. وشددت كرمان على أن وضع هذه المآسي في سياقها الصحيح لا يقلل من خطورتها ولا يبررها، وإنما يحدد السبب الجذري الذي ينبغي معالجته لمنع استمرارها وتفاقمها.حسب قولها
وحذرت كرمان من أن استمرار "الانقلاب الحوثي" وانهيار الدولة سيؤديان إلى تعميق الأزمة الإنسانية والأمنية وامتداد تداعياتها إلى ما وراء حدود اليمن. وقالت إن " الانقلاب الحوثي لم يعد كارثة على اليمنيين وحدهم، بل أصبح أيضًا تهديدًا كبيرًا للأمن الإقليمي والدولي وللملاحة والتجارة وسلاسل الإمداد العالمية." وأضافت أن "ما يزيد الوضع خطورة هو أن الحوثيين أصبحوا أداة إقليمية تستخدمها إيران لتوسيع نفوذها في البحر الأحمر ومضيق باب المندب."كما قالت
ودعت كرمان مجلس الأمن إلى دعم اليمنيين في جهودهم لاستعادة دولتهم، مذكرةً بالدعم الذي قدمه المجلس لليمن على مدى سنوات، بما في ذلك دعمه للعملية الانتقالية التي أعقبت ثورة 11 فبراير السلمية، ولمؤتمر الحوار الوطني الشامل ومخرجاته، وإدانته لـ"الانقلاب الحوثي". وقالت إن مخرجات الحوار الوطني، التي توصلت إليها مختلف المكونات اليمنية بالتوافق، بما فيها الحوثيون، برعاية الأمم المتحدة وبتأييد من مجلس الأمن، لا تزال تمثل خارطة الطريق الأكثر واقعية لتحقيق السلام، وتعافي اليمن، وتحقيق التطلعات التي توافق عليها اليمنيون.كما قالت
وأكدت كرمان أن استعادة الدولة لا تعني الإقصاء أو الاجتثاث، ولا تعني أن الحرب هي الطريق الوحيد، وبالتأكيد لا تعني الدعوة إلى تدخل أجنبي. وأشارت إلى أن المجتمع الدولي يمتلك أدوات سياسية ودبلوماسية واقتصادية وقانونية يمكن استخدامها للضغط على جماعة الحوثي وغيرها من الجماعات المسلحة للتخلي عن أسلحتها. وقالت إن هذه الجهود ينبغي أن تسير بالتوازي مع دعم الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، وتقوية مؤسساتها وتمكينها من أداء مسؤولياتها من داخل اليمن.
وشددت على ضرورة أن تكون الحكومة قوية وموحدة، بقيادة واحدة ومركز قرار واحد، وأن تضع مصالح الشعب اليمني في صدارة أولوياتها، وتلتزم بالحكم الرشيد والشفافية والمساءلة. كما يجب أن تكون قادرة على إعادة بناء مؤسسات الدولة، وتقديم الخدمات الأساسية، وحماية الحقوق وضمان العدالة، وتوحيد التشكيلات العسكرية تحت سلطة الدولة، وإصلاح القطاع الأمني، وصون سيادة اليمن ووحدته واستقلال قراره الوطني.
وقالت كرمان أيضًا إنه "لا ينبغي منح الشرعية السياسية لجماعة الحوثي أو لأي جماعة مسلحة أخرى تعمل خارج إطار الدولة، كما لا ينبغي التعامل مع هذه الجماعات بطريقة تكرّسها كسلطات موازية أو تمنحها حق تقاسم السلطة أو النفوذ أو السيطرة." وأكدت أن أي حل مستدام يجب أن ينهي الأمر الواقع المفروض بقوة السلاح، ويستبدله بعملية سياسية شاملة تضمن لجميع الأحزاب والمكونات السياسية مشاركة كاملة ومتساوية في الحياة السياسية والتنافس عبر صناديق الاقتراع. وأضافت أن الحوثيين مرحب بهم في المشاركة كجماعة سياسية، لكن من دون سلاح أو ميليشيا تعمل بالتوازي مع الدولة؛ إذ لا يمكن بناء سلام مستدام في ظل وجود جماعات مسلحة تنازع الدولة سلطتها الحصرية على السلاح.
وفي الجانب الاقتصادي، دعت كرمان إلى دعم دولي لتوحيد المؤسسات الاقتصادية اليمنية، وضمان الانتظام في دفع الرواتب، ومكافحة الفساد، وتفكيك اقتصاد الحرب، وإنهاء استخدام الاقتصاد والخدمات الأساسية كأسلحة في الصراع، ودعم التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار.
كما دعت إلى الإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع المعتقلين تعسفيًا والمختطفين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق، ووقف تدفق الأسلحة والتمويل وجميع أشكال الدعم الأخرى إلى الحوثيين وغيرها من الجماعات المسلحة التي تعمل خارج سلطة الدولة. ودعت كرمان أيضًا إلى فرض عقوبات على الدول والكيانات والأفراد الذين يؤججون الحرب أو يقوضون جهود السلام أو ينتهكون سيادة اليمن ووحدته وسلامة أراضيه، فضلًا عن إنشاء آلية قضائية دولية خاصة لضمان المساءلة عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.
وقالت كرمان إن السلام المستدام يتطلب أيضًا مشاركة حقيقية وفاعلة للنساء بنسبة لا تقل عن 30 في المئة في عمليات السلام ومؤسسات الدولة وصنع القرار، بما يتوافق مع قرار مجلس الأمن رقم 1325 ومخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل في اليمن.
وفي ختام حديثها، قالت كرمان إن الطريق إلى تحقيق سلام مستدام في اليمن وتعزيز السلام والأمن والتجارة على المستويين الإقليمي والدولي يمر عبر إعادة بناء دولة يمنية واحدة وموحدة، تمارس سيادتها الكاملة على كامل ترابها الوطني، وتحتكر وحدها سلطة السلاح، وتستمد سلطتها وشرعيتها من إرادة الشعب اليمني. ويجب أن تقوم هذه الدولة على المواطنة المتساوية والديمقراطية وسيادة القانون، وأن يختار اليمنيون قادتهم عبر انتخابات حرة ونزيهة، وأن يحاسبوهم بالوسائل الديمقراطية. كما يجب أن تتعامل مع دول الجوار والمنطقة والعالم كشريك مستقل، لا كتابع لأي طرف، وأن تبني علاقاتها على أساس الشراكة والاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، بما يعزز الأمن والاستقرار والتنمية لليمنيين وشركائهم.
وشهد الاجتماع أيضًا تبادلًا للآراء مع ممثلي الدول الأعضاء في مجلس الأمن، بمن فيهم ممثلو الدول الخمس دائمة العضوية، الذين أكدوا التزام بلدانهم بدعم تعافي اليمن وتحقيق السلام، وكذلك دعمهم لوحدة اليمن واستقراره وسيادته وسلامة أراضيه.
