أفرجت القوات الإسرائيلية، الأربعاء 26 أغسطس/آب 2026، عن مجموعة من المعتقلين الذين احتجزتهم خلال عمليات عسكرية في جنوب سوريا، بينهم مواطن كويتي، في تطور يتزامن مع عودة الاتصالات الأمنية بين دمشق وإسرائيل بوساطة أميركية، وقد يحمل دلالة سياسية تتجاوز ملف المعتقلين نفسه، من دون وجود إعلان رسمي إسرائيلي يربط عملية الإفراج بالمفاوضات الجارية.
وأفاد تلفزيون سوريا بأن المفرج عنهم هم غازي الطحان، ونضال عكاشة، وإيهاب الطويل، إلى جانب المواطن الكويتي عبد الله الكويتي، الذي قال إنه اعتُقل قبل نحو عام من قرية الحميدية في ريف القنيطرة. ونقل عن محامٍ يتابع ملف المعتقلين أن الطحان اعتُقل من القنيطرة في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، بينما اعتُقل عكاشة من بلدة بيت جن، في حين أوقف الطويل في قرية حضر.
وفي المقابل، ظهرت بعض الاختلافات في التقارير السورية بشأن العدد والجنسيات؛ إذ تحدث المرصد السوري لحقوق الإنسان عن الإفراج عن أربعة معتقلين سوريين من مناطق في القنيطرة وبيت جن وحضر، بينما أفادت قناة i24NEWS الإسرائيلية بأن العدد أربعة إجمالًا وبينهم كويتي. ويجعل هذا التفاوت من الأدق إبقاء التفاصيل العددية النهائية منسوبة إلى مصادرها إلى حين صدور بيان رسمي أو توضيح إضافي.
ولم يعلن الجيش الإسرائيلي، حتى مساء الأربعاء، تفاصيل العملية أو أسباب الإفراج عن المعتقلين، كما لم يصدر عنه ما يشير إلى أن الخطوة جاءت ضمن تفاهم مباشر مع السلطات السورية.
توقيت لافت بعد محادثات الأردن
ويكتسب الإفراج أهمية إضافية بسبب توقيته، إذ جاء بعد أيام فقط من اجتماع إسرائيلي–سوري رفيع المستوى عُقد في الأردن، الأحد، بوساطة أميركية، بهدف خفض التصعيد وإعادة تحريك المفاوضات بشأن اتفاق أمني بين الجانبين.
وذكرت وكالة رويترز أن المحادثات ركزت على آليات عملية لوقف الضربات الإسرائيلية وعمليات الاعتقال والاستهداف داخل سوريا، إلى جانب استئناف التفاوض على ترتيبات أمنية قد تشكل أساسًا لاتفاق أوسع مستقبلًا.
وتطالب دمشق، في هذه المحادثات، بعودة القوات الإسرائيلية إلى المواقع التي كانت تتمركز فيها قبل سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، واستعادة العمل الكامل باتفاق فض الاشتباك لعام 1974.
وفي المقابل، تنظر إسرائيل إلى ترتيبات الجنوب السوري من زاوية منع تشكل تهديدات أمنية قرب الجولان، وتربط جانبًا من عملياتها العسكرية بمخاوف تتعلق بانتشار جماعات مسلحة وتعاظم النفوذ العسكري التركي داخل سوريا.
«بناء ثقة» محتمل.. لكن بلا إعلان رسمي
وفي ضوء هذا السياق، يمكن قراءة الإفراج عن المعتقلين باعتباره إجراءً محتملًا لبناء الثقة، ولا سيما أن وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني كان قد قال قبل أيام إن دمشق ترى ضرورة اتخاذ خطوات من هذا النوع إذا أريد للمفاوضات أن تتقدم.
وقال الشيباني لرويترز إن المفاوضات الأمنية شهدت سابقًا تفاهمًا «على الورق» بشأن معظم القضايا، لكنه أقر في الوقت نفسه بوجود أزمة ثقة عميقة بين الطرفين، مطالبًا إسرائيل بوقف هجماتها وعملياتها في الجنوب كمدخل لاستئناف المسار السياسي.
ومن هذه الزاوية، فإن الإفراج عن معتقلين سوريين – إذا ثبت ارتباطه بالاتصالات الجارية – قد يمثل خطوة محدودة باتجاه معالجة أحد الملفات التي وضعتها دمشق صراحة على جدول المفاوضات.
غير أن عدم صدور إعلان من دمشق أو تل أبيب يربط العملية بالمحادثات يجعل وصفها بـ«بادرة حسن نية» قراءة سياسية محتملة، لا حقيقة مثبتة حتى الآن.
الإفراج يقابله استمرار للتوغلات
كما أن التطور لا يعني حدوث تحول شامل في السلوك الإسرائيلي جنوب سوريا.
فحتى بعد اجتماع الأردن، استمرت القوات الإسرائيلية في تنفيذ توغلات داخل محافظة القنيطرة. وأفادت وكالة «سانا» في 23 أغسطس/آب بأن قوة إسرائيلية اعتقلت مواطنًا قرب بلدة الرفيد، فيما وثقت خلال الشهر الجاري عمليات توغل وإقامة حواجز واعتقالات في مناطق أخرى من المحافظة.
وقالت «عنب بلدي» إن العمليات الإسرائيلية استمرت بعد لقاء الأردن مباشرة، وشملت مناطق الرفيد والعشة وصيدا الجولان وأم العظام، وهو ما يبرز التناقض بين المسار التفاوضي الجاري والتطورات الميدانية المستمرة.
كما أن عملية الأربعاء ليست الأولى من نوعها، إذ أفرجت إسرائيل خلال الأسابيع الماضية عن مجموعات أخرى من السوريين بعد فترات احتجاز امتدت في بعض الحالات إلى أكثر من عام. وفي 19 أغسطس/آب أُفرج عن ثلاثة معتقلين من درعا والقنيطرة، بينما سبقت ذلك عمليات إفراج أخرى في يوليو/تموز وأغسطس/آب.
وفي المقابل، لا يزال ملف عشرات المعتقلين السوريين لدى إسرائيل مفتوحًا، وسط تحركات متكررة لأهاليهم ومطالبات بالكشف عن أماكن احتجازهم وظروف توقيفهم.
هل تتحول الخطوة إلى مسار؟
لذلك، فإن القيمة السياسية للإفراج الأخير لن تتحدد بعدد المفرج عنهم فقط، وإنما بما إذا كانت ستتبعها إجراءات إضافية؛ مثل الإفراج عن محتجزين آخرين، والحد من الاعتقالات والتوغلات، وتثبيت آلية تمنع التصعيد العسكري في الجنوب.
فالاجتماعات الأخيرة تظهر أن واشنطن تحاول إعادة الطرفين إلى صيغة تفاوضية بعد مرحلة من التصعيد، وأن قضية الاعتقالات والعمليات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية أصبحت جزءًا مباشرًا من جدول الأعمال الأمني.
وعليه، قد تكون عملية الإفراج إشارة أولية إلى إمكانية الانتقال من التفاوض على الورق إلى خطوات ميدانية محدودة، لكنها تبقى إشارة هشة ما دامت التوغلات والعمليات العسكرية مستمرة، وما دام الطرفان لم يعلنا التوصل إلى تفاهم جديد.
وبين الإفراج عن معتقلين واستمرار الاعتقالات في مناطق أخرى، يبقى الاختبار الفعلي أمام المفاوضات السورية–الإسرائيلية هو ما إذا كانت إجراءات بناء الثقة ستتحول إلى مسار متبادل ومستمر، أم ستظل خطوات منفصلة لا تغير قواعد المواجهة القائمة في جنوب سوريا.
