«خليك في إسرائيل».. مواجهة على «العربية» تكشف فجوة الرواية الإسرائيلية بين حرب إيران والقضية الفلسطينية

مواجهة على «العربية» تكشف فجوة الرواية الإسرائيلية بين حرب إيران والقضية الفلسطينية

تحول نقاش تلفزيوني بين مذيع قناة «العربية» طاهر بركة والباحث السياسي الإسرائيلي مردخاي كيدار من قراءة لنتائج المواجهة مع إيران إلى سجال سياسي وقانوني حاد حول حدود التدخل الإسرائيلي في شؤون المنطقة، ومستقبل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، ومدى اتساق الخطاب الإسرائيلي مع القانون الدولي.

وخلال اللقاء، وضع بركة ضيفه أمام سلسلة من الأسئلة بشأن ما حققته إسرائيل فعلياً من المواجهة مع إيران، بعدما قدم كيدار صورة اعتبر فيها أن تل أبيب خرجت بـ«انتصار كبير» وأن الإسرائيليين «تخلصوا من الخوف من إيران». غير أن المذيع واجهه بما وصفه بتناقض بين هذه الرواية وبين استمرار امتلاك طهران الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، فضلاً عن عدم حسم ملفها النووي أو إسقاط النظام الإيراني.

وبدا محور النقاش الأساسي محاولة اختبار الفارق بين الإنجازات العسكرية التكتيكية والنتائج السياسية والاستراتيجية؛ إذ أقر كيدار بأن إيران ما تزال تملك قدرات صاروخية، لكنه ركز على الضربات التي نفذتها إسرائيل ضد منشآت وشخصيات إيرانية.

وقال كيدار، في معرض استعراضه لما وصفه بالاختراق الاستخباري الإسرائيلي داخل إيران، إن إسرائيل تمكنت من قتل عشرات الخبراء المرتبطين بالبرنامجين النووي والصاروخي، مضيفاً أن الأجهزة الإسرائيلية كانت تعرف أماكن وجود عدد منهم ومساكنهم.

لكن بركة أعاد النقاش إلى السؤال الذي ظل يطرحه طوال المقابلة: هل حققت إسرائيل أهداف الحرب بالفعل؟

وأشار إلى أن النظام الإيراني، وفق المعطيات التي ناقشها الحوار، لا يزال قائماً، وأن البرنامج النووي لم يتحول إلى ملف محسوم، كما أن القدرات الصاروخية الإيرانية لم تُلغَ، رغم التكلفة التي دفعتها المنطقة خلال المواجهة.

وقال المذيع مخاطباً ضيفه إن إسرائيل أدخلت المنطقة في حرب، بينما بقيت مجموعة من الأهداف التي رُفعت في بدايتها من دون حسم واضح، متسائلاً عن الضمانات التي تمنع إيران من استهداف إسرائيل مجدداً بعد أن سبق لصواريخها الوصول إلى العمق الإسرائيلي ودفع السكان إلى الملاجئ.

من إيران إلى فلسطين.. السؤال الذي غيّر مسار الحوار

بلغ النقاش ذروته عندما انتقل كيدار إلى الحديث عن طبيعة النظام الإيراني وممارساته الداخلية، قبل أن يقاطعه بركة بسؤال حول الأساس الذي يمنح إسرائيل حق التدخل في الشأن الداخلي الإيراني.

وسأل المذيع ضيفه عن كيفية تبرير هذا التدخل في ضوء القانون الدولي وعلاقات دول المنطقة، رابطاً ذلك بالانتقادات والاتهامات الدولية الموجهة إلى إسرائيل على خلفية قتل الفلسطينيين وسياساتها تجاههم.

وعندما حاول كيدار الاستشهاد بمواقف السعودية ودول الخليج تجاه إيران، رفض بركة إقحام الدول العربية في الدفاع عن الرؤية الإسرائيلية، وقال له بوضوح: «لا تدخل السعودية والدول العربية في صراعكم مع إيران.. خليك في إسرائيل».

وأضاف أن علاقة دول الخليج بطهران تبقى شأناً إقليمياً تتعامل معه تلك الدول وفق مصالحها وخياراتها، وأن ذلك لا يشكل مبرراً لإسرائيل كي تستخدم المواقف العربية سنداً لسياساتها تجاه إيران.

وبهذا الانتقال، لم يعد النقاش يدور فقط حول موازين القوة بين تل أبيب وطهران، بل حول سؤال أكثر حساسية: هل تستطيع إسرائيل الاستناد إلى ممارسات النظام الإيراني لتبرير تدخلها العسكري، بينما تواجه هي نفسها انتقادات مرتبطة بالفلسطينيين والاحتلال والاستيطان؟

القدس والقانون الدولي يشعلان سجالاً جديداً

اتسعت المواجهة بعدما صحح كيدار استخدام المذيع لعبارة «تل أبيب» في الإشارة إلى مركز القرار الإسرائيلي، مؤكداً أن إسرائيل تعتبر القدس عاصمتها.

ورد بركة بأن هذه المسألة لا يمكن فصلها عن الموقف الدولي والعربي وقرارات الأمم المتحدة، مشيراً إلى عدم وجود اعتراف دولي شامل بالسيادة الإسرائيلية على القدس، وإلى استمرار القضية الفلسطينية وحق الفلسطينيين في تقرير المصير وإقامة دولتهم.

وشدد المذيع على أن إسرائيل مطالبة بالالتزام بالقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، وأن استمرار الاحتلال والاستيطان وغياب مسار موثوق لإقامة دولة فلسطينية يبقي مسألة القدس والسيادة عليها موضع نزاع سياسي وقانوني.

أما كيدار، فلجأ إلى سردية تاريخية ودينية لتأكيد الارتباط اليهودي بالقدس، مستعيداً أحداثاً تعود إلى آلاف السنين.

هنا جاء رد بركة أكثر حدة، إذ رفض الاحتكام إلى التاريخ القديم بديلاً عن القانون الدولي المعاصر، قائلاً إن النزاعات الحالية لا يمكن تسويتها بالعودة ثلاثة آلاف عام إلى الوراء، وإن المرجعية التي تنظّم علاقات الدول والحدود والسيادة اليوم هي القانون والقرارات الدولية.

وزاد التوتر عندما استخدم كيدار عبارات اعتبرها المذيع مسيئة للعرب وللتاريخ العربي، ليرد بركة بالتذكير بتاريخ وجود اليهود في المجتمعات العربية، معتبراً أن السجال التاريخي لا يمنح أي طرف حق تجاوز القواعد القانونية والسياسية المعمول بها في العصر الحديث.

«جاوب على السؤال».. خلاف على الرواية لا على التفاصيل فقط

وفي أكثر من محطة خلال الحوار، اتهم بركة ضيفه بالابتعاد عن مضمون الأسئلة، مطالباً إياه بالإجابة المباشرة بدلاً من الانتقال إلى قضايا جانبية.

وتجلى ذلك بصورة خاصة عندما سأله عن سبب عدم تبني الأمم المتحدة للرواية الإسرائيلية المتعلقة بالقدس بالشكل الذي يطرحه، بينما حاول كيدار العودة إلى قرارات تاريخية سابقة وإلى مؤتمر سان ريمو.

ورد المذيع بأن النقاش يتعلق بالقرارات الدولية السارية وبالواقع القانوني والسياسي الذي أعقب قيام إسرائيل وحروب المنطقة، لا بمحاولة إعادة بناء النزاع على أساس وقائع تاريخية تعود إلى قرن أو آلاف السنين.

هذه المواجهة كشفت اختلافاً جوهرياً بين الطرفين في مرجعية النقاش ذاتها: كيدار انطلق بصورة متكررة من الرواية التاريخية والأمنية الإسرائيلية، بينما حاول بركة إعادة الحوار إلى القانون الدولي والنتائج السياسية الملموسة للحروب.

هل حققت إسرائيل انتصاراً أم عمّقت مأزقها؟

عاد الحوار لاحقاً إلى السؤال الاستراتيجي بشأن إيران، مستنداً إلى آراء لباحثين إسرائيليين وانتقادات داخل إسرائيل لنتائج المواجهة.

وعرض بركة تقديرات ناقدة لسياسة الحكومة الإسرائيلية تجاه إيران، تقوم على أن تل أبيب قد تجد نفسها أمام خيارات صعبة: القبول بتسوية نووية لا تحقق كل شروطها، أو مواصلة الضغط العسكري بما قد يدفع طهران إلى تسريع مساعيها النووية.

كما أشار إلى استطلاع رأي نُسب خلال الحوار إلى جهة أكاديمية إسرائيلية، وقيل إنه أظهر اعتقاد نسبة كبيرة من الإسرائيليين بأن إيران حققت مكاسب أكبر من المواجهة.

ورفض كيدار التعامل مع النتيجة باعتبارها مؤشراً موثوقاً، مشككاً في استطلاعات الرأي ومصادر تمويلها، فيما رد بركة بأن تجاهل المؤشرات غير المريحة لا يكفي لنفي وجود أزمة في تقييم نتائج الحرب داخل إسرائيل نفسها.

وتكمن المفارقة التي أبرزها الحوار في أن الرواية الرسمية أو المؤيدة للحكومة قد تتحدث عن تفوق عسكري واستخباري، بينما يبقى معيار النجاح السياسي أكثر تعقيداً: هل تغير سلوك الخصم؟ هل انتهى التهديد النووي؟ هل اختفت قدرته الصاروخية؟ وهل باتت البيئة الإقليمية أكثر أمناً واستقراراً؟

وهي أسئلة لم يقدم النقاش إجابات حاسمة عنها.

نتنياهو وصورة إسرائيل

وانتقل بركة إلى الانتقادات الأمريكية لسياسة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، مستشهداً بتصريحات منسوبة إلى وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة هيلاري كلينتون بشأن تأثير سياساته في صورة إسرائيل والولايات المتحدة.

وحاول كيدار التقليل من أهمية تصريحات كلينتون باعتبارها لم تعد في موقع رسمي، لكن المذيع اعتبر أن خروجها من المنصب لا يلغي مضمون الانتقاد، وقال لضيفه إن وصف صاحبة الرأي بأنها «متقاعدة» لا يمثل إجابة على السؤال المتعلق بتأثير سياسات نتنياهو.

وأضاف بركة أن العلاقة بين إسرائيل والولايات المتحدة تجعل من الصعب التعامل مع الشأن الإسرائيلي باعتباره منفصلاً تماماً عن واشنطن، في ظل حجم الدعم العسكري والسياسي الأمريكي لتل أبيب.

وطرح سؤالاً حول قدرة إسرائيل على ضمان استمرار هذا الدعم على المدى الطويل، وما إذا كانت السياسات الحالية قد تُراكم عزلة سياسية يصعب احتواؤها مستقبلاً.

حوار يتجاوز إيران إلى أزمة الخطاب الإسرائيلي

لم تكن أهمية المواجهة التلفزيونية في ارتفاع نبرة السجال وحده، بقدر ما تمثلت في اختبار مجموعة من المسلمات التي يقوم عليها الخطاب الإسرائيلي في المنطقة.

فكلما حاول كيدار تقديم القوة العسكرية والاستخبارية دليلاً على نجاح إسرائيل، أعاد بركة النقاش إلى النتائج: ماذا تحقق سياسياً؟ وما الذي تغير في إيران؟ ولماذا ما تزال المخاطر قائمة؟

وكلما انتقل الضيف إلى انتقاد إيران أو استدعاء مواقف عربية، أعاده المذيع إلى إسرائيل نفسها: إلى الفلسطينيين، والاحتلال، والقانون الدولي، والقدس، والاستيطان، ومستقبل الدولة الفلسطينية.

وبذلك، كشف الحوار عن فجوة بين منطق القوة الذي يقيس النجاح بحجم الضربات والاختراقات الأمنية، وبين منطق سياسي يسأل عما إذا كانت تلك القوة أنتجت تسوية أو أمناً مستداماً أو واقعاً إقليمياً أقل خطورة.

كما أظهر أن محاولة توظيف الخصومة العربية الإيرانية لتبرير المقاربة الإسرائيلية لم تعد تمر بالضرورة من دون مساءلة في الإعلام العربي، وأن الموقف من طهران لا يعني تلقائياً تبني الرواية الإسرائيلية أو تجاوز القضية الفلسطينية.

وفي المحصلة، خرج اللقاء من إطاره الأصلي المتعلق بنتائج الصراع مع إيران إلى مواجهة أوسع حول شرعية القوة وحدود التدخل ومستقبل الاحتلال ومعايير القانون الدولي، ليبقى السؤال الذي كرره المذيع بأشكال مختلفة هو الأكثر حضوراً: إذا كانت إسرائيل تعلن الانتصار، فلماذا بقيت التهديدات الأساسية التي دخلت الحرب من أجل إنهائها قائمة؟

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - الرياض