البيت الأبيض يقول إن صادرات النفط الإيرانية توقفت منذ استئناف الحصار في يوليو/تموز، ويعلن مرور نحو 1500 سفينة تحت الحماية الأميركية.. وطهران ترفض إعلان واشنطن السيطرة على هرمز وتربط إعادة فتحه برفع الحصار والعقوبات والوفاء بالتعهدات
دخلت المواجهة بين إيران والولايات المتحدة طوراً أكثر تعقيداً، مع انتقال مركز الثقل تدريجياً من العمليات العسكرية الواسعة إلى معركة السيطرة على مضيق هرمز وخنق الموارد المالية والنفطية الإيرانية، في مقابل محاولة طهران الاحتفاظ بورقة المضيق وفتح نافذة سياسية للعودة إلى الدبلوماسية بشروط.
وحتى فجر السبت 29 أغسطس/آب 2026، تبدو الصورة محكومة بمعادلتين متوازيتين: واشنطن تقول إنها باتت صاحبة اليد العليا ميدانياً في هرمز، وإن حصارها البحري نجح في وقف صادرات النفط الإيرانية، بينما تصر طهران على أن المضيق لم يعد إلى وضعه الطبيعي، وأن إعادة فتحه بصورة كاملة لن تتم قبل معالجة مطالبها السياسية والاقتصادية والأمنية.
واشنطن: لا نفط إيرانياً منذ استئناف الحصار
وفي أحدث إعلان رسمي، قال البيت الأبيض، الجمعة 28 أغسطس/آب، إن إيران لم تصدر «أي نفط من سواحلها» منذ استئناف الحصار الأميركي في يوليو/تموز الماضي.
وأضاف أن القوات الأميركية نجحت في إزالة الألغام الإيرانية من ممرات الملاحة الدولية في مضيق هرمز، وأن نحو 1500 سفينة تجارية عبرت المضيق تحت الحماية الأميركية، حاملة قرابة 750 مليون برميل من النفط الخام إلى الأسواق العالمية.
وبحسب البيان الأميركي، أُجبرت 75 سفينة حاولت خرق الحصار على تغيير مسارها، في حين استعادت صادرات دول الخليج نحو ثلثي مستوياتها التي كانت عليها قبل العمليات العسكرية، وفق الرواية التي قدمها البيت الأبيض.
وتعكس هذه الأرقام محاولة واضحة من إدارة الرئيس دونالد ترامب لتكريس رواية سياسية وعسكرية مفادها أن ميزان السيطرة في الممر البحري الإستراتيجي انتقل من إيران إلى الولايات المتحدة، وأن واشنطن باتت قادرة على الفصل بين أمرين: السماح بتدفق نفط دول الخليج عبر المضيق، ومنع طهران في الوقت ذاته من الاستفادة من صادراتها النفطية.
لكن الصورة الميدانية أكثر تعقيداً من إعلان السيطرة الكاملة.
فبيانات أولية لحركة السفن أظهرت أن سبع سفن فقط محملة بسلع أولية عبرت هرمز الخميس 27 أغسطس/آب، مقارنة بـ17 سفينة في اليوم السابق، وأقل من متوسط بلغ نحو 15 سفينة يومياً خلال الأيام العشرة السابقة، وهو ما يشير إلى أن حركة الملاحة لا تزال بعيدة عن مستوياتها الطبيعية رغم تأكيد واشنطن أن المضيق «مفتوح».
هرمز.. روايتان متناقضتان
وتصر الإدارة الأميركية على أن قواتها هي التي تتحكم عملياً في المضيق، وأن قدرة إيران على استخدامه أداة ضغط إستراتيجية تراجعت بصورة كبيرة.
أما بحرية الحرس الثوري الإيراني فرفضت الرواية الأميركية، ووصفت الحديث عن فتح المضيق بصورة كاملة بأنه غير صحيح، مؤكدة أن القيود المفروضة على حركة السفن ستستمر ما دامت العمليات والضغوط الأميركية مستمرة.
وبين الموقفين، تبقى شركات الشحن هي الأكثر حذراً، إذ لا يزال عدد كبير منها يتجنب المرور عبر هرمز بسبب مخاطر الألغام والصواريخ والطائرات المسيّرة واحتمال تجدد المواجهة العسكرية.
وهكذا تحوّل المضيق من مجرد ممر للطاقة إلى مركز الصراع السياسي والعسكري بين واشنطن وطهران: الولايات المتحدة تريد إثبات أنها تستطيع ضمان حرية الملاحة الدولية مع حرمان إيران من عائداتها، بينما تسعى طهران إلى منع واشنطن من تحويل هرمز إلى ممر مفتوح للآخرين ومغلق أمام الاقتصاد الإيراني.
من الحرب العسكرية إلى «الحرب الاقتصادية»
وفي موازاة الضغط البحري، تكثف إدارة ترامب حملة مالية تصفها بأنها مرحلة جديدة من المواجهة مع إيران.
وكان البيت الأبيض قد أعلن أن العمليات العسكرية الواسعة أضعفت جزءاً كبيراً من القدرات العسكرية الإيرانية، قبل أن ينتقل إلى حملة أطلق عليها اسم «عملية العزل الاقتصادي» (Operation Economic Outcast)، بهدف قطع القنوات المالية والتجارية التي تستخدمها طهران للالتفاف على العقوبات.
ويعني ذلك عملياً أن واشنطن لم تعد تراهن فقط على الضغط العسكري المباشر، بل على جعل كلفة استمرار المواجهة غير قابلة للتحمل اقتصادياً.
وتحاول الإدارة الأميركية في الوقت نفسه تحويل العقوبات من سياسة ثنائية ضد إيران إلى منظومة ضغط دولية، عبر تحذير الحكومات والمؤسسات المالية والشركات من أن استمرار التعامل مع طهران قد يعرضها لعقوبات أو قيود على الوصول إلى النظام المالي الأميركي والدولار.
بنك مصر يدخل دائرة الضغط
وفي مؤشر إلى اتساع نطاق الحملة، استهدفت وزارة الخزانة الأميركية فروع بنك مصر في الإمارات، متهمة إياها بأنها شكلت قناة مالية مهمة لشبكات مرتبطة بإيران.
وقالت وزارة الخزانة إن شبكة مكافحة الجرائم المالية اقترحت حرمان فروع البنك في الإمارات من الوصول إلى علاقات المراسلة المصرفية مع المؤسسات المالية الأميركية، بما يحد من قدرتها على تنفيذ معاملات بالدولار.
وبحسب الخزانة، عالجت تلك الفروع معاملات تقدر بنحو 1.8 مليار دولار خلال عامين ونصف العام لصالح 103 شركات يُشتبه في ارتباطها بشبكات «الظل المصرفية» الإيرانية.
وفرضت واشنطن كذلك عقوبات على مسؤول في فرع بنك ملي الإيراني في دبي وكيان مقره هونغ كونغ قالت إنه مرتبط بتحويل أموال لمصلحة جهات إيرانية خاضعة للعقوبات.
وتحمل الخطوة رسالة تتجاوز بنكاً بعينه، إذ تسعى واشنطن إلى إقناع المؤسسات المالية والدول بأن التعامل مع قنوات مرتبطة بطهران يمكن أن يؤدي إلى فقدان إمكانية الوصول إلى النظام المالي الأميركي.
كما تتطلع وزارة الخزانة إلى حشد تأييد أوسع لهذه السياسة داخل مجموعة العشرين، بما يجعل العزلة المالية جزءاً من إستراتيجية دولية أشمل وليس مجرد حزمة عقوبات أميركية منفردة.
الاقتصاد الإيراني تحت الاختبار
وتأتي حملة الضغط الجديدة في وقت يعاني فيه الاقتصاد الإيراني آثار ستة أشهر من الحرب والحصار والعقوبات.
وبحسب بيانات نقلتها رويترز، بلغ معدل التضخم السنوي في إيران نحو 66% خلال الشهر الماضي، بينما قال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إن حجم التجارة الخارجية لبلاده انكمش بنحو 35% نتيجة العقوبات والحصار البحري.
وأضاف بزشكيان أن إيران تمكنت من بيع قرابة 90 مليون برميل من النفط خلال الفترة القصيرة التي كانت فيها مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة سارية في يونيو/حزيران، عندما سمحت واشنطن مؤقتاً باستئناف جانب من الصادرات الإيرانية.
ويفسر ذلك جزءاً من الرهان الأميركي الحالي: فبدلاً من الدخول سريعاً في جولة عسكرية مفتوحة جديدة، تبدو واشنطن وكأنها تراهن على الزمن وعلى تآكل قدرة الاقتصاد الإيراني على تحمّل حصار ممتد.
خامنئي يحذر من اهتزاز الجبهة الداخلية
وتزامن التصعيد الاقتصادي الأميركي مع رسائل لافتة من المرشد الإيراني مجتبى خامنئي بشأن الوضع الداخلي.
ففي بيان مكتوب الجمعة، شدد خامنئي على ضرورة تجنب التصريحات التي «تضعف الدوافع الوطنية والعامة»، وقال إن أي سلوك يضر بالتماسك الاجتماعي مرفوض، داعياً السلطات إلى إعطاء أولوية للتحديات المعيشية، ولا سيما التضخم والبطالة والأسعار وإدارة الأسواق.
وتكتسب هذه التصريحات أهمية سياسية لأنها تأتي وسط مخاوف من أن يتحول الضغط الاقتصادي الخارجي إلى توتر اجتماعي داخلي، خصوصاً مع تراجع القدرة الشرائية وارتفاع الأسعار وتقلص التجارة الخارجية.
وعليه، تخوض طهران المواجهة على جبهتين متزامنتين: الحفاظ على قدرتها على الردع في الخارج، ومنع الضغوط الاقتصادية من التحول إلى أزمة سياسية واجتماعية في الداخل.
طهران تفتح باب التفاوض.. ولكن
ورغم حدة المواجهة، أبقت إيران الباب الدبلوماسي موارباً.
وقال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إن إعادة العملية الدبلوماسية مع الولايات المتحدة إلى مسارها «ليست مستحيلة»، لكنه ربط ذلك بإدراك واشنطن أن سياسة الضغط لا تحقق النتائج التي تريدها.
وطالب عراقجي الولايات المتحدة ببناء الثقة، والتحدث باحترام، والاعتراف بما وصفه بحقوق إيران، والوفاء بالتزاماتها السابقة.
وجاءت تصريحاته عقب محادثات في طهران مع رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، وصفها عراقجي بأنها «مبتكرة»، في مؤشر إلى استمرار التحركات الإقليمية لإيجاد مخرج من حالة الانسداد.
لكن واشنطن لا تظهر، حتى الآن، استعجالاً مماثلاً للعودة إلى الطاولة.
فقد قال الرئيس ترامب في 27 أغسطس/آب إن الولايات المتحدة لا تتحدث حالياً مع إيران ولا تسعى إلى عقد لقاء معها، بينما أكدت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت أن «لا مفاوضات جارية في الوقت الراهن»، وأن الضغط سيستمر إلى أن ترى الإدارة الأميركية استعداداً إيرانياً لما تعتبره تفاوضاً جدياً.
عُمان وقطر تبحثان عن مخرج لهرمز
وفي قلب الجهد الدبلوماسي برزت سلطنة عُمان وقطر بوصفهما قناتين رئيسيتين للوساطة.
وقالت طهران إنها توصلت مع مسقط إلى تفاهم مبدئي على ممر ملاحي داخل مضيق هرمز، تمر أجزاء منه في المياه العمانية وأخرى في المياه الإيرانية، بحيث تستخدم السفن ممراً مركزياً محدداً إذا جرى التوصل إلى تفاهم أوسع بشأن الشروط الإيرانية.
غير أن تفاصيل الاتفاق لا تزال قيد التفاوض، رغم إعلان الحرس الثوري في مرحلة سابقة التوصل إلى تفاهم مبدئي بشأن إدارة حركة العبور وتقاسم العائدات.
وتطالب إيران، وفق مواقف مسؤوليها، بإنهاء الحصار الأميركي على موانئها، ورفع العقوبات، والحصول على تعويضات، إلى جانب وضع حد للحرب الإقليمية، قبل إعادة المضيق بصورة كاملة إلى الوضع الذي كان عليه قبل اندلاع المواجهة.
أما قطر فتدفع باتجاه العودة إلى حرية الملاحة قبل الحرب، وتحاول استخدام علاقتها بكل من واشنطن وطهران لإعادة تشغيل القناة السياسية التي ساهمت، إلى جانب باكستان، في التوصل إلى مذكرة تفاهم يونيو/حزيران التي لم تصمد طويلاً.
«مذكرة يونيو» في قلب الخلاف
ويعود جزء أساسي من الأزمة الحالية إلى تعثر تنفيذ مذكرة التفاهم الأميركية–الإيرانية التي أُبرمت في يونيو/حزيران.
وكان الاتفاق قد فتح الباب أمام وقف مؤقت للتصعيد واستئناف جزء من حركة الملاحة والصادرات الإيرانية، لكنه انهار مع تجدد الخلاف بشأن طبيعة السيطرة على مضيق هرمز، وشروط رفع الحصار والعقوبات، والضمانات المطلوبة من الطرفين.
واليوم تتمسك طهران بأن أي مسار تفاوضي جديد يجب أن ينطلق من تنفيذ واشنطن لتعهداتها، بينما تتصرف الإدارة الأميركية على أساس أن الضغط العسكري والمالي غيّر ميزان القوى، وأن إيران هي الطرف الذي يتعين عليه تقديم تنازلات إضافية.
ومن هنا تبدو الأزمة أبعد من مجرد خلاف حول فتح ممر بحري؛ إنها معركة على شروط إنهاء الحرب ومن يملك حق صياغة التسوية بعدها.
هرمز يتحول إلى ورقة تفاوض
وبعد ستة أشهر على اندلاع المواجهة، لم يعد مضيق هرمز مجرد ورقة عسكرية إيرانية، بل أصبح محور الصفقة المحتملة بين الطرفين.
فواشنطن تريد تثبيت ثلاث حقائق: حرية الملاحة، ومنع إيران من التحكم في حركة التجارة الدولية، وحرمان طهران من استخدام صادرات النفط لتمويل قدراتها العسكرية.
في المقابل، تريد إيران استخدام ما تبقى لديها من قدرة على تعطيل الملاحة للحصول على رفع للحصار والعقوبات وتعويضات وضمانات سياسية وأمنية.
وبذلك فإن المفاوضات المقبلة، إذا عادت، لن تكون في جوهرها مفاوضات على المضيق وحده، بل على شكل التوازن الجديد بين الولايات المتحدة وإيران بعد الحرب.
لا سلام قريباً ولا حرب شاملة حتمية
المشهد الراهن لا يوحي بتسوية سريعة، لكنه لا يشير أيضاً إلى أن الطرفين حسمَا خيارهما باتجاه حرب شاملة جديدة.
فالولايات المتحدة تبدو مقتنعة بأن الضغط الاقتصادي والبحري يمكن أن ينتزع من طهران ما لم تستطع العمليات العسكرية وحدها تحقيقه، بينما تعتقد إيران أن استمرار قدرتها على تهديد الملاحة ورفع كلفة المواجهة يمنع واشنطن من فرض شروطها كاملة.
وبين المسارين، تتكثف وساطات قطر وعُمان وباكستان بحثاً عن صيغة تسمح بإعادة الملاحة من دون أن تظهر طهران وكأنها تخلت عن أهم أوراقها، ومن دون أن تبدو واشنطن وكأنها تراجعت عن سياسة الحصار.
وعليه، يمكن اختصار المرحلة الحالية بأنها انتقال من حرب تدمير القدرات إلى حرب إنهاك الإرادة: واشنطن تحاصر النفط والمال، وطهران تتمسك بهرمز، فيما تبقى الدبلوماسية حاضرة لا باعتبارها بديلاً جاهزاً للصراع، بل باعتبارها المخرج الذي يحاول كل طرف الوصول إليه من موقع أقوى.
والنتيجة أن مضيق هرمز بات اليوم نقطة تقاطع ثلاث حروب في آن واحد: حرب عسكرية على السيطرة، وحرب اقتصادية على موارد إيران، وحرب سياسية على شروط التسوية المقبلة.
