دحلان يرسم ملامح مرحلة فلسطينية جديدة: شراكة وطنية وإصلاح للنظام السياسي.. ومقداد يكشف خريطة التحرك المقبلة ووحدة فتح في صدارة الأولويات

محمد دحلان.jpeg

طرح رئيس تيار الإصلاح الديمقراطي في حركة فتح، محمد دحلان، رؤية سياسية موسعة للمرحلة الفلسطينية المقبلة، تقوم على إعادة بناء النظام السياسي على أسس الشراكة والتعددية وسيادة القانون، وإعادة الاعتبار لإرادة الشعب بوصفها مصدر الشرعية، في وقت كشف فيه القيادي في التيار ماهر مقداد عن تصورات التيار تجاه وحدة حركة فتح، ومستقبل العلاقة مع الفصائل، والانتخابات، وإصلاح منظمة التحرير، وموقع قطاع غزة في أي صيغة سياسية مقبلة.

وتعكس الرؤية، كما قدمها دحلان في رسالة وجهها إلى قيادات وكوادر وأعضاء تيار الإصلاح الديمقراطي، قراءة تعتبر أن حجم الخسائر والدمار والانقسام الذي أصاب الساحة الفلسطينية لم يعد يسمح بالعودة إلى الأدوات والقواعد السياسية ذاتها، وأن المرحلة الراهنة تتطلب مراجعة وطنية واسعة تتجاوز الحسابات التنظيمية والفصائلية.

وفي موازاة ذلك، قال مقداد، خلال مقابلة تلفزيونية عبرة قناة "الكوفية" تناولت مضامين الرؤية وآفاق تطبيقها، إن الطرح يتجاوز مستقبل تيار الإصلاح بحد ذاته إلى محاولة صياغة تصور أوسع يعالج أزمة النظام السياسي الفلسطيني، ويعيد ترتيب العلاقة بين القوى المختلفة على قاعدة الشراكة بدلاً من احتكار القرار.

من غزة إلى الضفة.. أولوية حماية الوجود الفلسطيني

تنطلق رؤية دحلان، وفق الرسالة، من اعتبار أن الأولوية في المرحلة الحالية لم تعد محصورة في إدارة الخلافات بين الفصائل أو التنافس على النفوذ، بل في كيفية حماية الفلسطينيين والحفاظ على وجودهم على أرضهم، في ضوء الدمار الهائل الذي أصاب قطاع غزة والتحديات المتصاعدة في الضفة الغربية والقدس.

ويرى دحلان أن ما مر به الفلسطينيون من فقدان ودمار، وما أصاب المؤسسات الوطنية من ضعف وانقسام، يستوجب "مراجعة صادقة وشجاعة" لا تستهدف إعادة فتح صراعات الماضي، وإنما فهم أسباب الفشل واستخلاص الدروس وتفادي تكرارها.

ويضع هذا التصور سؤال المرحلة المقبلة بصيغة مختلفة: كيف يمكن حماية الشعب والقضية وإعادة بناء النظام السياسي على نحو يمنع تكرار الانقسام ويضمن عدم تحول التعددية السياسية مجددًا إلى صراع داخلي؟

مقداد: وحدة فتح مدخل ضروري لإعادة بناء الحالة الوطنية

وفي حديثه عن ملف المصالحة داخل حركة فتح، اعتبر ماهر مقداد أن إعادة توحيد الحركة تمثل خطوة ضرورية في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها الساحة الفلسطينية. وفقا لمتابعة "وكالة قدس نت للأنباء"

وقال إن تيار الإصلاح ظل، بحسب تعبيره، يدعو إلى استعادة وحدة الحركة، باعتبار فتح أحد المكونات الرئيسية في النظام السياسي الفلسطيني، وإن استمرار الانقسام داخلها أضعف دورها وقدرتها على التأثير في المشروع الوطني.

وأشار إلى اللقاءات الأخيرة بين ممثلين عن قيادة حركة فتح وتيار الإصلاح الديمقراطي، واصفًا الأجواء التي أحاطت بها بالإيجابية، لكنه أبدى في الوقت ذاته حذرًا تجاه إمكانية الوصول إلى نتائج عملية ما لم تتوافر، وفق قوله، إرادة سياسية واضحة لإنهاء الخلاف.

وبحسب مقداد، لا ينظر التيار إلى مسألة العودة إلى فتح باعتبارها مجرد إعادة أفراد إلى الأطر التنظيمية، بل يطرحها في إطار أوسع يستهدف "إعادة الروح إلى الحركة" وتفعيل مؤسساتها وإحياء الحياة الديمقراطية الداخلية فيها.

وأضاف أن أي صيغة للوحدة، من وجهة نظر التيار، يفترض أن تتيح مشاركة كوادره في مختلف المستويات التنظيمية والقيادية، وصولًا إلى انتخابات داخلية تتيح لأعضاء الحركة اختيار قياداتهم.

الرؤية: الأزمة في النظام السياسي لا في تعدد الفصائل

ويشكل هذا المبدأ أحد المحاور المركزية في رسالة دحلان، التي تميز بين التعددية السياسية من جهة، وطريقة إدارة تلك التعددية من جهة أخرى.

فبحسب الرؤية، لا تكمن المشكلة في وجود فتح أو حماس أو الجهاد الإسلامي أو غيرها من الفصائل، بل في غياب نظام سياسي قادر على إدارة التنافس بينها ضمن قواعد مؤسسية موحدة.

ويعتبر دحلان أن تحول التنظيمات إلى قوى تتجاوز المؤسسات، أو تقديم المصالح الفصائلية على المصلحة الوطنية، أدى إلى انتقال الخلاف السياسي من مستوى التنافس إلى مستوى الصراع، وانتهى إلى انقسام دفع الفلسطينيون ثمنه على امتداد سنوات.

ومن هنا، يدعو إلى الانتقال من نموذج "حكم الفصائل" إلى نموذج تقوم فيه الدولة والمؤسسات على المواطنة، بحيث تستطيع أي قوة سياسية الفوز في الانتخابات وإدارة الحكومة، من دون أن تتحول مؤسسات الدولة إلى ملكية حزبية أو تنظيمية.

لا إقصاء ولا احتكار.. ومقداد يطرح جبهة وطنية واسعة

وفي هذا السياق، كشف مقداد أن التيار لا ينظر إلى المرحلة المقبلة باعتبارها مرحلة تحالف ثنائي مع فصيل بعينه، بل يطرح فكرة جبهة وطنية واسعة تضم مختلف المكونات الفلسطينية، بما فيها حركة فتح وحماس والجهاد الإسلامي والجبهتان الشعبية والديمقراطية والمستقلون وغيرهم.

وقال إن جوهر الفكرة يقوم على أن المرحلة الراهنة لا تسمح لأي طرف بالعمل منفردًا، وإن التجارب السابقة في الضفة الغربية وقطاع غزة أظهرت، وفق رأيه، أن احتكار الحكم من قبل طرف واحد أنتج نتائج سلبية.

ماهر مقداد


وأوضح أن هذا التوجه لا يعني إلغاء الخلافات السياسية أو البرامجية، وإنما إدارة تلك الخلافات في إطار مؤسسات وقواعد سياسية متفق عليها.

وبحسب مقداد، فإن التيار يتعامل مع حركة حماس باعتبارها مكونًا سياسيًا فلسطينيًا لا يمكن إلغاؤه أو استئصاله، رغم استمرار الخلاف السياسي العميق معها.

وقال إن تجربة الانقسام أثبتت، من وجهة نظره، أن محاولات استبعاد أو إقصاء أي مكون رئيسي لن تؤدي سوى إلى إعادة إنتاج الصراع.

دحلان: من صراع السلطة إلى شراكة الوطن

وفي رسالته، يطرح دحلان مبدأ "لا غالب ولا مغلوب في الوطن" بوصفه قاعدة لإدارة المرحلة المقبلة.

ويؤكد أن الخلاف مع حماس أو الجهاد الإسلامي أو قيادة السلطة الفلسطينية لا يمنح أي طرف حق إلغاء الآخر، وأن المطلوب هو نقل العلاقة بين القوى من محاولة إضعاف الخصم إلى التنافس أمام الناخبين، ومن الصراع على الحكم إلى الشراكة في حماية المشروع الوطني.

لكن الرؤية تشدد في الوقت نفسه على أن الشراكة لا ينبغي أن تتحول إلى محاصصة فصائلية، بل يفترض أن تؤدي إلى بناء نظام تكون فيه المؤسسات والحقوق والقانون فوق التنظيمات والأشخاص.

ويحدد دحلان في هذا الإطار جملة مبادئ يعتبرها أساسًا لعقد وطني واجتماعي جديد، أبرزها أن الشعب مصدر الشرعية، وأن الانتخابات الحرة والدورية هي الطريق إلى تداول السلطة، وأن نتائجها يجب أن تُحترم، مع منع استخدام السلاح أو القوة في النزاعات الداخلية.

كما يشدد على أن القرارات المتعلقة بالحرب والسلم يجب ألا تكون حكرًا على فصيل واحد، وإنما تصدر عن مرجعية وطنية شرعية وجامعة.

الانتخابات في قلب الرؤية.. لكن الشكوك تحيط بإجرائها

وتحتل الانتخابات موقعًا محوريًا في التصور الذي يقدمه دحلان، باعتبارها الأداة الأساسية التي يعبر من خلالها الشعب عن خياراته ويحاسب القوى والقيادات.

ويرى أن السلطة ليست تفويضًا دائمًا لأي طرف، بل ولاية مؤقتة يمنحها المواطنون عبر صندوق الاقتراع ويمكنهم تغييرها بالطريقة ذاتها.

من جانبه، قال مقداد إنه يأمل في إجراء الانتخابات الفلسطينية، معتبرًا أن غياب الانتخابات لسنوات طويلة كان أحد أبرز أسباب أزمة النظام السياسي.

لكنه أبدى شكوكًا بشأن إمكانية إتمام العملية الانتخابية فعليًا، مشيرًا إلى العقبات السياسية والميدانية، ولا سيما الموقف الإسرائيلي وإمكانية تعطيل الانتخابات في القدس أو مناطق أخرى.

وأكد أن التيار، رغم ذلك، يتعامل مع الانتخابات باعتبارها عنصرًا أساسيًا في إعادة بناء المؤسسات والشرعيات.

غزة واللجنة الإدارية.. مرحلة انتقالية لا انفصال سياسي

وتطرق الحوار إلى مستقبل قطاع غزة وعلاقته بأي انتخابات أو نظام سياسي مقبل، في ظل الحديث عن لجنة وطنية أو إدارية تتولى إدارة شؤون القطاع بصورة مؤقتة.

وأوضح مقداد أن وجود لجنة انتقالية لإدارة غزة لا يتعارض، وفق رؤية التيار، مع إعادة توحيد النظام السياسي الفلسطيني.

وقال إن وظيفة أي لجنة من هذا النوع يفترض أن تكون مؤقتة، وأن تنتهي بمجرد إجراء انتخابات تشريعية وتشكيل حكومة فلسطينية جديدة مسؤولة عن الضفة الغربية وقطاع غزة معًا.

وبهذا المعنى، ينظر التيار إلى الإدارة الانتقالية للقطاع باعتبارها آلية مؤقتة مرتبطة بظروف ما بعد الحرب، وليست صيغة سياسية دائمة تفصل غزة عن بقية الأراضي الفلسطينية.

منظمة التحرير.. إصلاح لا استبدال

وفي ملف منظمة التحرير الفلسطينية، نفى مقداد أن تكون الدعوة إلى تشكيل جبهة وطنية واسعة محاولة لإنشاء بديل عن المنظمة.

وقال إن منظمة التحرير تستطيع أن تكون الإطار الذي يحتضن المبادرة ويقود المرحلة، شريطة إعادة تفعيل دورها وإصلاح مؤسساتها وفتح أبوابها أمام مختلف مكونات الطيف السياسي الفلسطيني.

اللجنة التنفيذية تعقد اجتماعا لبحث آخر المستجدات السياسية والميدانية.jpeg


وأضاف أن المشكلة، من وجهة نظره، لا تكمن في شرعية المنظمة التاريخية، وإنما في مدى قدرتها الحالية على أداء الدور المطلوب في ظرف استثنائي.

وتتقاطع هذه الرؤية مع دعوة دحلان إلى إعادة بناء النظام السياسي بصورة تشمل مختلف القوى الفلسطينية دون استبعاد، مع الحفاظ على المؤسسات الوطنية وتطويرها بدل الذهاب إلى هياكل متنافسة.

مراجعة الماضي دون تصفية حسابات

وفي جانب آخر من رؤيته، يرفض دحلان تجاوز أحداث الانقسام وكأنها لم تقع، لكنه في الوقت نفسه يحذر من تحويلها إلى أداة لاستدامة الخصومة.

ويؤكد أن الاعتراف بالمسؤولية لا يعني مساواة جميع الأخطاء، فهناك، بحسب الرسالة، أخطاء في التقدير السياسي وأخرى في إدارة المؤسسات، إلى جانب الإقصاء واستخدام المال والسلطة في الخصومة واللجوء إلى القوة والسلاح.

ويعتبر الاقتتال الفلسطيني الداخلي "جريمة وطنية"، ويشدد على ضرورة تكريس مبدأ حرمة الدم الفلسطيني في الصراع السياسي.

غير أن المحاسبة، وفق الرؤية، ينبغي أن تتم من خلال مؤسسات شرعية وقانونية ونظام سياسي مستقر، لا عبر منطق الانتقام أو استعادة الصراع.

الشباب والمرأة في قلب النظام الجديد

ولا تقف رؤية دحلان عند إعادة ترتيب العلاقة بين الفصائل، إذ يخصص جزءًا من رسالته لدور المرأة والشباب في النظام السياسي المقبل.

ويطالب بمنح المرأة دورًا يتناسب مع حضورها في المجتمع وتضحياتها، وإشراكها في دوائر صناعة القرار سياسيًا ووطنيًا ومجتمعيًا.

كما يدعو إلى تمكين الشباب وتعزيز دورهم في رسم السياسات العامة، معتبرًا أن الأجيال الجديدة لا يجوز أن تظل مجرد جمهور تابع لقوى سياسية تتحدث باسمها من دون تفويض.

ويرى أن التطورات الرقمية والتكنولوجية والاجتماعية تجعل الشباب الأكثر قدرة على تحديد احتياجاتهم وأولوياتهم، وهو ما يتطلب الاستثمار في تعليمهم وتدريبهم وتمكينهم من الوصول إلى مواقع القيادة.

رؤية تتجاوز تيار الإصلاح

ويصف مقداد الرسالة التي وجهها دحلان إلى كوادر التيار بأنها، في جوهرها، رؤية وطنية وليست وثيقة حزبية تتعلق بمصالح تنظيمية ضيقة.

وأوضح أن الوثيقة لا تركز على حصة تيار الإصلاح في أي نظام سياسي مقبل، بل على كيفية إعادة بناء النظام برمته وإشراك جميع القوى والمكونات الاجتماعية فيه.

وقال إن أهمية الطرح تكمن، من وجهة نظره، في تقديم المصلحة الوطنية على الحسابات الحزبية، وإن الهدف ليس استبدال طرف مهيمن بآخر، وإنما تغيير القواعد التي سمحت باحتكار السلطة والقرار في الأساس.

اختبار الإرادة السياسية

وبين دعوات توحيد حركة فتح، ومحاولات بناء جبهة وطنية واسعة، وإجراء الانتخابات، وإصلاح منظمة التحرير، تبدو رؤية دحلان أمام اختبار يتعلق بقدرتها على التحول من مبادئ سياسية إلى مسار قابل للتطبيق.

فنجاحها، وفق الطرح الذي قدمه مقداد، يتطلب توافقًا فلسطينيًا يتجاوز الانقسامات القديمة، وإرادة لدى القوى الرئيسية للقبول بمبدأ الشراكة والانتخابات والمحاسبة.

وفي المقابل، يرى تيار الإصلاح أن استمرار الأوضاع الحالية لم يعد خيارًا في ظل التحولات التي أصابت القضية الفلسطينية، والدمار الذي لحق بغزة، وتصاعد التحديات في الضفة الغربية والقدس.

وبذلك، يضع دحلان في صلب رؤيته معادلة سياسية تقوم على الانتقال من شرعية الفصيل إلى شرعية المواطن، ومن سلطة الأشخاص إلى سلطة المؤسسات، ومن إدارة الانقسام إلى إعادة بناء النظام السياسي، تحت عنوان أوسع مفاده أن "الوطن أكبر من الجميع، وإرادة الشعب هي المرجعية النهائية للسلطة والشرعية والقرار".

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - القاهرة / غزة