اختراق في قلب غزة.. اعتقال معين العرابيد يفتح أسئلة التقصير الأمني ويغذي رهانات إسرائيل على «كنز استخباري»

المنزل الذي اعتقل فيه مسؤول الأمن الداخلي معين العرابيد في غزة (الجزيرة).webp

أثار نجاح قوة إسرائيلية خاصة في اعتقال المسؤول الأمني في غزة معين العرابيد من قلب منطقة تُعد من أكثر المواقع حساسية غرب مدينة غزة، صدمة داخل الدوائر الأمنية التابعة لحركة «حماس»، وفتح سلسلة أسئلة بشأن حجم الاختراق الاستخباري الذي سبق العملية، ومدى قدرة الأجهزة الأمنية في القطاع على رصد تحركات القوات الخاصة ومنعها من العمل في مناطق يفترض أنها تخضع لمراقبة أمنية مشددة.

وبحسب معلومات نشرتها «الشرق الأوسط» وi24news، نقلاً عن مصادر فلسطينية وأمنية في قطاع غزة، شرعت «حماس» في مراجعة موسعة لملابسات العملية، فيما تقرر تشكيل لجنة تحقيق للوقوف على كيفية وصول القوة الإسرائيلية إلى منطقة الكتيبة غرب مدينة غزة، ومراقبة العرابيد قبل تنفيذ عملية اعتقاله.

وتكتسب العملية أهميتها، وفق المصادر ذاتها، من موقع العرابيد داخل المنظومة الأمنية في غزة. فإلى جانب توليه مسؤولية جهاز الأمن الداخلي الحكومي، قالت مصادر تحدثت إلى i24news إنه كان جزءاً من لجنة عليا تشرف على ملفات أمنية تتصل بأجهزة «حماس» وكتائب القسام، في حين نقلت «الشرق الأوسط» عن مصادر في الحركة أنه تولى ملفات أمنية حساسة، من بينها مكافحة المتخابرين مع إسرائيل ومتابعة جماعات مسلحة وتنظيمات متشددة.

عملية في منطقة يفترض أنها محصنة

وفق روايات أمنية نقلتها «الشرق الأوسط»، جرت العملية في مربع «الفلل» بمنطقة الكتيبة في مدينة غزة، على مسافة تقدر بنحو 250 متراً أو أقل من مقر جهاز الأمن الداخلي الذي كان العرابيد يتولى قيادته.

وتقول مصادر فلسطينية إن حساسية الموقع دفعت قيادة «حماس» إلى التعامل مع الحادث بوصفه إخفاقاً أمنياً يحتاج إلى مراجعة، لا سيما مع ورود معلومات تفيد بأن عناصر القوة الإسرائيلية ربما كانت تتحرك في محيط المنطقة قبل تنفيذ الهجوم بفترة.

ونقلت i24news عن مصادر فلسطينية قولها إن مراجعة تسجيلات كاميرات المراقبة أظهرت تحركات متكررة لمركبات وأشخاص في المنطقة خلال الفترة السابقة للعملية، إضافة إلى الاشتباه بتركيب كاميرا مراقبة بشكل سري. كما ذكرت «الشرق الأوسط» نقلاً عن مصادر ميدانية أن التقديرات الأولية أشارت إلى احتمال وجود القوة الخاصة أو عناصر مرتبطة بها في المنطقة قبل التنفيذ بيومين على الأقل.

وفي مقابل هذه التقديرات، أفادت هيئة البث الإسرائيلية بأن جهاز الأمن العام الإسرائيلي «الشاباك» تمكن من تحديد مكان العرابيد قبل أسابيع، وأن التخطيط للعملية استمر لأشهر، بعد دراسة خيار استهدافه جواً قبل اتخاذ قرار باعتقاله حياً ونقله للتحقيق.

اشتباك انتهى باعتقال العرابيد

وبحسب مصدرين أمنيين تحدثا إلى «الشرق الأوسط»، بدأت العملية أثناء خروج العرابيد من المنزل برفقة أحد مرافقيه، قبل أن تباغته قوة إسرائيلية خاصة بإطلاق النار.

وتفيد الرواية الفلسطينية بأن اشتباكاً اندلع في محيط المنزل، شارك فيه أفراد من عائلة العرابيد ومرافقون أمنيون في محاولة لمنع اعتقاله.

وذكرت تقارير صحفية، استناداً إلى شهادة ميدانية قالت إنها حصلت عليها من أحد الموجودين في المكان، أن العرابيد أصيب في قدمه واستمر في الاشتباك قبل أن يزحف بعيداً عن المنزل، لتتمكن القوة الإسرائيلية لاحقاً من محاصرته واعتقاله حياً.

وتتقاطع هذه الرواية مع معلومات نشرتها «الشرق الأوسط»، التي قالت إن تسجيلات كاميرات وشهادات شهود أظهرت ملاحقة أفراد القوة للعرابيد بعد إصابته، قبل نقله باتجاه مناطق خاضعة لسيطرة الجيش الإسرائيلي.

كما تداول سكان في المنطقة مقطع فيديو يظهر رجلاً مصاباً يزحف في الشارع قبل وصول مركبة تقل عناصر مسلحة إليه، فيما قالت مصادر فلسطينية إن المقطع يوثق اللحظات الأخيرة التي سبقت اعتقال العرابيد.

خسائر عائلية في يوم كان مخصصاً للزفاف

وتزامنت العملية، بحسب روايات عائلية وميدانية ومصادر فلسطينية أخرى، مع استعداد عائلة العرابيد لحفل زفاف أحد أبنائه.

وقالت تقارير إن زوجته سماح الخالدي قُتلت خلال إطلاق النار، فيما تعرض اثنان من أبنائه لإصابات خطيرة، وأصيبت ابنته بشظايا.

ونقلت «الشرق الأوسط» عن مصدر فصائلي أن أحد أبناء العرابيد تعرض لإصابة مباشرة في عينه، فيما أصيب شقيقه بجروح خطيرة، كما أصيب عدد من مرافقي العرابيد الذين كانوا في محيط المنزل.

ولا تتطابق جميع الروايات المنشورة بشأن تفاصيل اللحظات الأولى للاشتباك؛ إذ تحدثت مصادر عن مشاركة زوجة العرابيد وأبنائه في إطلاق النار باتجاه القوة، بينما أوردت روايات أخرى أنها خرجت من المنزل مع بدء الهجوم وأصيبت بالنيران. وتعذر التحقق بصورة مستقلة من التسلسل الدقيق للأحداث.

غطاء جوي كثيف لتأمين الانسحاب

وبحسب مصادر تحدثت إلى «الشرق الأوسط»، رافق العملية تحليق مكثف لطائرات حربية ومسيّرات إسرائيلية، إضافة إلى قصف استهدف المنطقة ومحيطها بهدف تأمين انسحاب القوة الخاصة.

وقدر مصدر فصائلي تحدث إلى الصحيفة أن طائرات مسيّرة أطلقت أكثر من خمسة صواريخ، إلى جانب قنابل ألقتها طائرات صغيرة من طراز «كواد كابتر» لتشتيت الانتباه ومنع الاقتراب من القوة الإسرائيلية.

كما قالت تقارير إن المنطقة شهدت بالتزامن مع العملية قصفاً ونيراناً كثيفة أصابت محيط خيام للنازحين، مشيرة، نقلاً عن مصادر طبية فلسطينية، إلى سقوط شهداء وجرحى.

إسرائيل تحتفي بـ«كنز استخباري»

على الجانب الإسرائيلي، طغت المقاربة الاستخبارية على التغطية الإعلامية للعملية.

ووصف المراسل العسكري للقناة الإسرائيلية 12، نيتسان شافيرا، المعلومات التي قد تحصل عليها إسرائيل من استجواب العرابيد بأنها قد تشكل «كنزاً استخبارياً».

وقالت القناة إن العرابيد نُقل للعلاج داخل إسرائيل وبدأ التحقيق معه، مضيفة أن الأجهزة الأمنية الإسرائيلية تعول على معرفته الواسعة بالبنية الأمنية لحركة «حماس».

كما أفادت هيئة البث الإسرائيلية بأن خيار اعتقاله حياً فُضل على تصفيته من الجو بسبب أهمية المعلومات التي يمكن أن يقدمها، وزعمت أن القرار جاء على خلفية دوره في إعادة بناء قدرات الحركة في القطاع.

في المقابل، نفت مصادر في «حماس» تحدثت إلى «الشرق الأوسط» بعض الادعاءات الإسرائيلية بشأن طبيعة أدواره، ولا سيما ما يتعلق بملف المحتجزين الإسرائيليين، لكنها أقرت في الوقت نفسه بأن موقعه الأمني يتجاوز مستوى «الضابط العادي».

ما وراء المعلومات: صناعة شعور بالمطاردة

ولا تحصر القراءة الإسرائيلية أهداف العملية في الحصول على المعلومات.

فقد نقلت القناة 12 عن مصادر إسرائيلية أن إحدى غايات العملية تتمثل في تكريس شعور لدى قيادات «حماس» بأنها عرضة للملاحقة حتى في فترات التهدئة.

أما صحيفة «معاريف» فقالت إن العملية تهدف إلى إرسال رسالة مفادها أن القيادات الأمنية للحركة ليست بمنأى عن الاختراق، سواء داخل المنازل أو الأنفاق.

وذهبت صحيفة «هآرتس» إلى أن القيمة الاستخبارية لاعتقال العرابيد قد تشمل محاولة معرفة مدى اطلاع «حماس» على شبكات العملاء التي تديرها إسرائيل داخل القطاع، مرجحة أن تتحرك الحركة لتقليص الضرر الاستخباري المحتمل الناتج عن التحقيق معه.

لجنة تحقيق وأسئلة تتجاوز مصير العرابيد

وفي غزة، يبدو أن السؤال لم يعد مقتصراً على مصير العرابيد أو المعلومات التي يمكن أن تنتزع منه.

فبحسب «الشرق الأوسط»، جمعت لجنة التحقيق التي شكلتها «حماس» تسجيلات كاميرات المراقبة العامة والخاصة ومقاطع الفيديو التي صورها سكان المنطقة، لإعادة بناء مسار العملية منذ مراحل الرصد والتسلل وحتى الانسحاب.

وتقول مصادر تحدثت إلى i24news إن الغضب داخل قيادة الحركة يتركز على احتمال وجود تقصير أمني سمح لقوة إسرائيلية بالعمل في منطقة حساسة لفترة سابقة للعملية من دون اكتشافها.

وإذا تأكدت الروايات المتعلقة بالمراقبة المسبقة وتحرك عناصر إسرائيلية أو متعاونين معها في محيط الموقع، فإن تداعيات العملية قد تتجاوز اعتقال مسؤول أمني بارز إلى إعادة النظر في منظومة الحماية والمراقبة وأساليب التمويه التي تعتمدها الأجهزة الأمنية التابعة لـ«حماس».

وبينما تسعى إسرائيل إلى تقديم العملية باعتبارها إنجازاً استخبارياً وميدانياً يثبت قدرتها على الوصول إلى أهداف نوعية داخل قطاع غزة، تواجه «حماس» اختباراً داخلياً أكثر إحراجاً: كيف تمكنت قوة إسرائيلية من رصد مسؤول أمني بهذا المستوى، والاقتراب منه واعتقاله حياً من منطقة يفترض أنها من أكثر المناطق خضوعاً للرقابة؟

 

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - قطاع غزة