واصلت القوات الإسرائيلية، يوم الأربعاء 2 سبتمبر/ أيلول 2026، خروقاتها لاتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، عبر القصف المدفعي وإطلاق النار والغارات في مناطق متفرقة، ما أوقع شهداء ومصابين، في وقت تتفاقم فيه أزمة إنسانية وبيئية موازية مع انهيار شبه كامل لمنظومة الصرف الصحي وتصريف عشرات آلاف الأمتار المكعبة من المياه العادمة يومياً من دون معالجة.
وفي أحدث التطورات الميدانية، استشهد الفلسطيني محمد محمود مرشد القاضي (39 عاماً)، مساء الأربعاء، متأثراً بجروح أصيب بها إثر استهداف طائرة مسيّرة إسرائيلية خيمة داخل مدينة أصداء في منطقة مواصي خان يونس شمال غربي المدينة، وفق مصادر ميدانية.
وأسفر الهجوم، بحسب المصادر، عن إصابة خمسة فلسطينيين، قبل الإعلان عن وفاة القاضي متأثراً بجروحه.
وفي وسط القطاع، أفاد مصدر طبي باستشهاد آمنة الهسي (51 عاماً) متأثرة بإصابة تعرضت لها الثلاثاء برصاص القوات الإسرائيلية في مدينة دير البلح.
كما أفادت مصادر محلية باستشهاد الطفل أحمد إسماعيل (16 عاماً) إثر قصف إسرائيلي استهدف منطقة الهوجا في مخيم جباليا شمال قطاع غزة، فيما استشهد إبراهيم الهرش برصاص القوات الإسرائيلية في مخيم حلاوة بجباليا البلد، وفق المصادر ذاتها.
قصف مدفعي وإطلاق نار في أنحاء القطاع
وتزامنت الخسائر البشرية مع استمرار القصف وإطلاق النار في عدد من المناطق.
وقالت مصادر محلية إن المدفعية الإسرائيلية قصفت مناطق شرقي وغربي بلدة بيت لاهيا شمال القطاع، بالتزامن مع إطلاق نار كثيف من الدبابات.
وامتد القصف المدفعي إلى مناطق شرقي مدينة غزة ودير البلح وخان يونس، في حين أطلقت الزوارق الحربية الإسرائيلية النار بكثافة قبالة ساحل خان يونس.
كما أطلقت القوات الإسرائيلية قنابل إنارة فوق منطقة شارع الطينة جنوبي خان يونس، وسط استمرار حالة التوتر الميداني.
وكان سبعة فلسطينيين، بينهم طفلان وامرأة، قد قضوا الثلاثاء جراء القصف وإطلاق النار الإسرائيلي في مناطق متفرقة من القطاع، وفق مصادر فلسطينية، بالتزامن مع تحركات للآليات العسكرية وعمليات ميدانية اعتبرتها الجهات الفلسطينية خروقات متواصلة لاتفاق وقف إطلاق النار.
وبحسب أحدث الإحصاءات الفلسطينية المعلنة، بلغ عدد الشهداء منذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 10 أكتوبر/تشرين الأول 1,333 فلسطينياً، فيما سُجلت 4,398 إصابة، إضافة إلى انتشال 815 جثماناً.
أما الحصيلة التراكمية منذ اندلاع الحرب في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، فارتفعت، وفق البيانات الفلسطينية، إلى 73,462 شهيداً و174,509 مصابين.
أزمة أخرى تتسع بعيداً عن خطوط النار
وبالتوازي مع استمرار التطورات الميدانية، يواجه قطاع غزة خطراً بيئياً وصحياً متصاعداً نتيجة الانهيار الواسع في البنية التحتية للصرف الصحي وتوقف معظم مرافق المعالجة.
وقالت سلطة المياه، الأربعاء، إن نحو 55 ألف متر مكعب من مياه الصرف الصحي تُصرف يومياً من دون معالجة في قطاع غزة.
ووفق بيانات السلطة، تُضخ نحو 40 ألف متر مكعب منها مباشرة إلى البحر، بينما تتسرب قرابة 15 ألف متر مكعب أخرى إلى البيئة المحيطة عبر الحفر الامتصاصية والتسربات في شبكات الصرف المتضررة.
وتحذر هذه الأرقام من أزمة تتجاوز تلوث البيئة البحرية، مع ازدياد احتمالات وصول الملوثات إلى مصادر المياه ومناطق تجمع السكان والنازحين، وما يرافق ذلك من مخاطر على الصحة العامة.
محطات المعالجة خارج الخدمة
وكشفت سلطة المياه عن توقف محطات المعالجة الرئيسية الخمس في قطاع غزة عن العمل، في حين تعمل 18 محطة ضخ فقط بصورة جزئية من أصل نحو 74 محطة كانت عاملة قبل الأزمة.
وتراجعت، بحسب السلطة، نسبة السكان الذين تصلهم خدمات شبكات الصرف الصحي من أكثر من 85 في المائة سابقاً إلى نحو 45 في المائة حالياً.
والأكثر خطورة أن قدرة معالجة مياه الصرف الصحي، التي كانت تبلغ نحو 185 ألف متر مكعب يومياً قبل الأزمة، انخفضت إلى الصفر تقريباً، باستثناء أعمال إعادة التأهيل الجارية في محطة الشيخ عجلين.
وتكشف هذه المعطيات حجم الضرر الذي أصاب واحدة من أكثر شبكات الخدمات الأساسية ارتباطاً بالصحة العامة، خصوصاً في ظل الاكتظاظ السكاني الواسع في مناطق النزوح وتراجع القدرة على تنفيذ أعمال الصيانة والإصلاح.
سباق لإعادة تشغيل المنشآت الحيوية
وقالت سلطة المياه إنها تنفذ تدخلات عاجلة بهدف منع مزيد من التدهور، تشمل دعم محطات الضخ التي لا تزال تعمل جزئياً وتوفير الوقود اللازم لتشغيلها، إلى جانب إصلاح نحو 20 محطة ضخ وعدد من شبكات الصرف الصحي المصنفة باعتبارها ذات أولوية.
وأضافت أن الفرق الفنية تعاملت مع نحو 900 نقطة تشكل خطراً بيئياً وصحياً، من خلال عمليات شفط وضخ طارئة واستخدام معدات ثقيلة.
وشملت عمليات تقييم الأضرار، وفق السلطة، 44 محطة ضخ ونحو 385 كيلومتراً من شبكات الصرف الصحي.
وتتركز جهود التأهيل الرئيسية حالياً على إعادة تشغيل محطة معالجة الشيخ عجلين على مرحلتين.
ومن المقرر أن توفر المرحلة الأولى قدرة معالجة تقدر بنحو 22 ألف متر مكعب يومياً، بدعم من اللجنة الدولية للصليب الأحمر، على أن ترتفع القدرة لاحقاً إلى نحو 65 ألف متر مكعب يومياً.
كما تشمل خطط التأهيل محطة ضخ الشيخ رضوان وخطوط الضغط المرتبطة بمحطة الشيخ عجلين، إضافة إلى أعمال صيانة للشبكات المتضررة بدعم من منظمة الأمم المتحدة للطفولة «اليونيسف».
خطر صحي يتجاوز أزمة الخدمات
وحذرت سلطة المياه من أن استمرار تدفق مياه الصرف الصحي من دون معالجة يحول الأزمة من مشكلة خدماتية إلى تهديد مباشر للصحة العامة والبيئة.
وطالبت بتوفير إمدادات منتظمة من الوقود، إلى جانب المضخات والمولدات وقطع الغيار وشاحنات الشفط والتنظيف والمعدات الثقيلة، فضلاً عن المواد اللازمة لإنشاء شبكات وحلول صرف صحي مؤقتة في المناطق التي فقدت بنيتها التحتية.
كما دعت إلى توسيع حلول الصرف الصحي داخل مناطق النزوح، ونشر وحدات معالجة قابلة للتوسع، وضمان التمويل ووصول الطواقم الفنية والمعدات بصورة آمنة ومستدامة.
وبينما يبقى القصف وإطلاق النار مصدر الخطر الأكثر مباشرة على حياة سكان القطاع، تكشف أزمة الصرف الصحي عن وجه آخر للكارثة في غزة؛ إذ باتت البنية التحتية المنهارة تهدد السكان بمخاطر صحية وبيئية طويلة الأمد، حتى في المناطق البعيدة نسبياً عن خطوط الاشتباك.
وتؤكد سلطة المياه أن إعادة تشغيل منظومة الصرف الصحي لم تعد مسألة خدمية قابلة للتأجيل، بل أولوية إنسانية وصحية ضرورية لحماية السكان والبيئة وتهيئة الحد الأدنى من الظروف اللازمة لتعافي قطاع غزة.
