أطلق الجيش الإسرائيلي، فجر الأحد 6 أيلول/سبتمبر 2026، تمريناً مفاجئاً على مستوى هيئة الأركان العامة، بإيعاز من رئيس الأركان إيال زامير، بهدف اختبار قدرة القيادة العسكرية والمقرات الرئيسية على التعامل مع حدث أمني واسع، مفاجئ ومعقد ومتعدد الجبهات، في ظل تصاعد الحديث داخل إسرائيل عن احتمالات مواجهة إقليمية متزامنة.
وحمل التمرين اسم «طلوع الفجر 2.0»، ويأتي ضمن ما وصفه الجيش بأنه اختبار مباشر لمنظومات التأهب والجاهزية، وآليات القيادة والسيطرة واتخاذ القرار في ظروف تحاكي اندلاع مواجهة واسعة دون إنذار مسبق.
وبحسب بيان للجيش الإسرائيلي، يشمل الاختبار القيادات الإقليمية والأذرع والهيئات العسكرية المختلفة، وصولاً إلى هيئة الأركان العامة، مع فحص سرعة الانتقال إلى حالات الطوارئ، واستدعاء قوات، واختبار جاهزية تشكيلات الاحتياط، وقدرة القيادات على إدارة استجابة عملياتية متزامنة في أكثر من ساحة.
استدعاء قيادات وفحص منظومة الاحتياط
وفي إطار التمرين، جرى استدعاء قادة من مختلف القيادات والأذرع والهيئات العسكرية، إلى جانب تفعيل إجراءات استنفار وفحص لقوات الاحتياط.
ويتولى رئيس الأركان متابعة التمرين وتقييمه من مقر القيادة العليا ومن الميدان، في محاولة لاختبار سرعة استجابة المنظومة العسكرية تحت ضغط سيناريو مفاجئ، وليس من خلال تمرين معلن ومُعد له مسبقاً.
وقال الجيش إن النشاط التدريبي سيترافق مع حركة مكثفة للقوات والوسائط الجوية في مناطق مختلفة، مؤكداً أن هذه التحركات تندرج في إطار التمرين ولا ترتبط بوقوع حادث أمني فعلي.
ويأتي الاختبار ضمن برنامج تدريبات هيئة العمليات لعام 2026، وفي إطار مسعى أوسع، بحسب الجيش، لرفع كفاءة القوات والقيادات، وتحديث الخطط العملياتية، وترسيخ إجراءات الاستجابة في حالات الطوارئ.
دروس 7 أكتوبر في صلب التمرين
ويحمل التمرين بعداً يتجاوز اختبار الجاهزية التقنية، إذ يربطه الجيش بصورة مباشرة بالدروس المتراكمة من الحرب على جبهات متعددة، وبالإخفاقات التي برزت خلال هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وفي هذا الإطار، يجري ضباط من منظومة الرقابة في الجيش، من الخدمة النظامية والاحتياط، عمليات فحص داخل الوحدات والمقار، بهدف تقييم مستوى الكفاءة والجاهزية العملياتية، ومدى التزام الوحدات بالخطط والإجراءات المعتمدة.
ويعكس التركيز على المفاجأة، واستدعاء القيادات، وفحص الاحتياط، واختبار الاستجابة على مستوى هيئة الأركان، محاولة إسرائيلية لتقليص الفجوات التي كشفتها أحداث 7 أكتوبر، خصوصاً في مجالات الإنذار المبكر، وسرعة الانتقال من الحالة الروتينية إلى الطوارئ، وتنسيق القرارات بين المستويات السياسية والعسكرية والميدانية.
هاجس الحرب المتزامنة على عدة جبهات
ويتزامن التمرين مع تقديرات إسرائيلية متداولة بشأن احتمال تعرض إسرائيل في مرحلة مستقبلية لمواجهة منسقة على عدة جبهات في وقت واحد.
وكان موقع «جيروزليم بوست» قد أورد، السبت، تقديرات إسرائيلية تفيد بأن إيران قد تسعى إلى بناء سيناريو هجومي إقليمي يجمع أكثر من ساحة ضمن عملية واحدة، بما يشمل إيران وحزب الله في لبنان، وحركة حماس، وجماعة الحوثي في اليمن، وجماعات مسلحة موالية لطهران في العراق.
ووفق هذه التقديرات، فإن السيناريو الذي تعمل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية على أخذه بالحسبان لا يقوم على تكرار هجوم 7 أكتوبر بصورة مطابقة، وإنما على احتمال تنفيذه مستقبلاً ضمن نموذج أوسع وأكثر تنسيقاً وتزامناً، بحيث تشترك فيه عدة جبهات منذ اللحظة الأولى.
ومع ذلك، فإن هذه التقديرات تبقى في إطار السيناريوهات الأمنية الإسرائيلية، ولا تعني بالضرورة وجود قرار عملياتي قائم أو خطة وشيكة التنفيذ من جانب إيران أو الأطراف المرتبطة بها.
من «وحدة الساحات» إلى سيناريو الحرب الإقليمية
ويستند جزء من القلق الإسرائيلي إلى وثائق داخلية تابعة لحركة حماس قالت إسرائيل إنها عثرت عليها في قطاع غزة عقب هجوم 7 أكتوبر، وأظهرت، بحسب ما نشر عنها، اهتماماً بربط جبهات خارجية بالمواجهة مع إسرائيل.
وتضمنت إحدى وثائق التخطيط، وفق الرواية الإسرائيلية، إشارات إلى ضرورة التنسيق مع ساحات خارجية مثل لبنان وسوريا وسيناء، وترتيب آليات للتواصل في أوقات السلم والحرب.
لكن التطورات التي أعقبت هجوم 7 أكتوبر أظهرت أن الجبهات الأخرى لم تدخل الحرب بصورة متزامنة منذ اللحظة الأولى، كما أن التقديرات الأميركية والإسرائيلية المعلنة لاحقاً أشارت إلى عدم وجود أدلة على أن إيران أو حزب الله كانا على علم مسبق بالتفاصيل الكاملة لخطة الهجوم أو بتوقيته الدقيق.
وبهذا المعنى، يركز الجيش الإسرائيلي حالياً على السيناريو الذي لم يتحقق في 7 أكتوبر: هجوم مفاجئ واسع يبدأ بصورة متزامنة من عدة جبهات، ويضع منظومة القيادة والاحتياط والدفاع الجوي والقوات البرية أمام ضغط عملياتي متزامن منذ الساعات الأولى.
اختبار عسكري ورسالة ردع
ويحمل توقيت التمرين دلالتين متوازيتين؛ الأولى داخلية، مرتبطة باختبار مدى إصلاح منظومة القيادة والسيطرة بعد إخفاقات 7 أكتوبر، والثانية خارجية، تتمثل في توجيه رسالة بأن الجيش الإسرائيلي يسعى إلى إظهار جاهزيته لمواجهة سيناريو إقليمي واسع.
لكن الطابع المفاجئ للتمرين، واتساع نطاقه ليشمل هيئة الأركان والقيادات والأذرع والاحتياط، يعكسان في الوقت ذاته حجم القلق داخل المؤسسة العسكرية من احتمال تحول تعدد الجبهات من حالة استنزاف موزعة إلى مواجهة متزامنة ومركبة تتطلب استجابة فورية على المستوى الاستراتيجي.
