من «وصمة في ضمير العالم» إلى كلفة الاحتلال: بريطانيا تكسر سقف الإدانة بعقوبات على المستوطنات و12 دولة تتحرك.. إسرائيل تنتقم دبلوماسياً وواشنطن ترفض الانضمام

ملك بريطانيا تشارلز والملكة كاميلا في المركز التجاري ، قبل مراسم التتويج ، في لندن ، بريطانيا .6 مايو 2023. (رويترز - كلودا كيلكوين).jpg

دخلت الضغوط الغربية على إسرائيل طوراً أكثر تقدماً، بعدما قررت بريطانيا الانتقال من لغة الإدانة التقليدية إلى إجراءات اقتصادية وقانونية تستهدف منظومة الاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، في تحول ترافق مع تحرك لـ12 دولة غربية، ورد إسرائيلي عقابي وصل إلى إغلاق القنصلية البريطانية في القدس الشرقية، في مقابل رفض أميركي صريح للانضمام إلى مسار تقييد التجارة مع المستوطنات.

ووصف رئيس الوزراء البريطاني آندي بورنهام معاناة الفلسطينيين بأنها «وصمة في ضمير العالم»، مؤكداً أن استمرار قتل المدنيين والأطفال في قطاع غزة، واتساع الدمار والنزوح والأزمة الإنسانية، لم يعد يسمح لبريطانيا بالاكتفاء بمواقف سياسية لا تترجم إلى أفعال. وأقر بأن لندن ترددت طويلاً في اتخاذ خطوات خشية اتهامها بالعداء لإسرائيل، لكنه شدد على أن الحديث عن حل الدولتين يفقد معناه إذا بقي منفصلاً عن إجراءات عملية تحمي الأرض التي يفترض أن تقوم عليها الدولة الفلسطينية.

وفي تحول هو الأبرز في السياسة البريطانية تجاه الصراع منذ سنوات، أعلنت لندن حظر التجارة في السلع القادمة من المستوطنات الإسرائيلية المقامة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، والاستعداد لفرض عقوبات على أفراد وشركات وممولين يدعمون الاستيطان أو يسهلونه أو يحققون أرباحاً منه، بما يشمل الجهات التي قد تشارك في تنفيذ مشروع E1. كما أعلنت الحكومة البريطانية، للمرة الأولى رسمياً، أن الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية غير قانوني، في موقف قالت إنه مستقل عن الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية لكنه يتوافق معه.

التحول البريطاني لا يقف عند بضائع المستوطنات؛ فهو يحمل في جوهره مراجعة لفكرة ظلت لعقود تمنح إسرائيل هامشاً واسعاً بين الإدانة الدبلوماسية وبين غياب الكلفة الفعلية. ومن هنا تكتسب الخطوة دلالتها: للمرة الأولى يجري ربط الاستيطان، ولو جزئياً، بثمن اقتصادي وقانوني يمكن أن يطال الشركات والمستثمرين، بدلاً من الاكتفاء بوصفه «عقبة أمام السلام».

ويأتي هذا التحرك بينما تدفع حكومة بنيامين نتنياهو باتجاه توسيع غير مسبوق للمستوطنات وتثبيت وقائع ضم فعلي في الضفة الغربية. وقال بورنهام إن الحكومة الإسرائيلية أقرت منذ توليها السلطة في كانون الأول/ديسمبر 2022 إقامة 104 مستوطنات جديدة، محذراً بصورة خاصة من مشروع E1 شرقي القدس، الذي يرى منتقدوه أنه سيقطع التواصل الجغرافي الفلسطيني ويقوض بصورة خطيرة إمكانية قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة.

وبموازاة القرار البريطاني، أعلنت كندا وفرنسا وبريطانيا عزمها تقديم تدابير وطنية لحظر تجارة سلع المستوطنات، فيما أكد وزراء خارجية 12 دولة هي كندا والدنمارك وفنلندا وفرنسا وآيسلندا وأيرلندا والنرويج وبولندا والبرتغال وإسبانيا والسويد والمملكة المتحدة أنهم سيفرضون قيوداً وطنية أو يدعمون قيوداً أوروبية على هذه التجارة، أو يدرسون بجدية اتخاذ مثل هذه التدابير وفق إجراءاتهم الداخلية. وطالب البيان إسرائيل بوقف التوسع الاستيطاني وتوسيع الصلاحيات المدنية في الضفة، ومحاسبة المسؤولين عن عنف المستوطنين.

وبذلك لم يعد مشروع E1 مجرد ملف تخطيطي إسرائيلي، بل تحول إلى أحد محاور الاشتباك الدبلوماسي مع حلفاء غربيين يعتبرون أن تنفيذه سيضرب الأساس الجغرافي الذي تقوم عليه صيغة الدولتين. وتكشف حساسية المشروع أن المعركة لم تعد على عدد الوحدات الاستيطانية وحده، بل على مستقبل الضفة الغربية نفسها: هل تبقى أرضاً يمكن أن تتشكل عليها دولة فلسطينية متصلة، أم تتحول إلى جيوب معزولة داخل منظومة سيطرة إسرائيلية متصلة؟

لكن قوة التحول السياسي لا تعني أن أثره الاقتصادي سيكون فورياً أو حاسماً. فحجم تجارة منتجات المستوطنات محدود قياساً بإجمالي التجارة الإسرائيلية، فيما قال وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند إن التشريع الجديد يحتاج بين ستة وتسعة أشهر للدخول حيز التنفيذ، رغم أن بعض العقوبات الفردية ستطبق فوراً. وهذا يجعل القيمة الأولى للقرار سياسية وقانونية أكثر منها اقتصادية، ويضع مصداقيته أمام اختبار التنفيذ واتساع نطاقه ليشمل التمويل والخدمات والشركات التي تجعل الاستيطان قابلاً للاستمرار، لا المنتجات النهائية وحدها.

إسرائيل ترد على العقوبات باستهداف الحضور البريطاني في القدس

وجاء الرد الإسرائيلي سريعاً وحاداً، إذ أعلن وزير الخارجية جدعون ساعر إغلاق القنصلية البريطانية في القدس الشرقية، ووقف مشاركة بريطانيا في مهمة تنسيق تقودها الولايات المتحدة بشأن غزة، ومنع شخصيات بريطانية من دخول إسرائيل، من بينها زعيم حزب العمال السابق جيريمي كوربين.

واتهم ساعر الحكومة البريطانية بالتدخل في الشؤون الداخلية والانتخابات الإسرائيلية، ورفض اتهامات ميليباند المتعلقة بما وصفه الوزير البريطاني بـ«التطهير العرقي» للفلسطينيين في أجزاء من الضفة الغربية. وتشكل هذه الإجراءات تصعيداً يتجاوز الخلاف على التجارة إلى العلاقات الدبلوماسية البريطانية-الإسرائيلية، خصوصاً أن القنصلية البريطانية في القدس الشرقية معتمدة لدى السلطة الفلسطينية.

غير أن الرد الإسرائيلي يكشف بدوره حساسية الانتقال الغربي من انتقاد المستوطنات إلى محاصرة بنيتها الاقتصادية. فالمسألة بالنسبة إلى حكومة نتنياهو لم تعد بياناً دبلوماسياً يمكن تجاهله، وإنما سابقة قد تتوسع إذا تحولت القيود الوطنية إلى مسار أوروبي أوسع يطال الاستثمار والتمويل والتجارة والخدمات المرتبطة بالمستوطنات.

واشنطن خارج المسار.. رفض للعقوبات رغم القلق من التصعيد

وفي مقابل التحول البريطاني والأوروبي، اختارت الولايات المتحدة البقاء خارج هذا المسار. فقد أكد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أن واشنطن لن تحظر الواردات من المستوطنات كما فعلت بريطانيا، معرباً في الوقت نفسه عن القلق من تصاعد العنف والتوتر في الضفة الغربية، ومعتبراً أن العقوبات قد تكون عاملاً مزعزعاً للاستقرار.

ويبرز هنا تناقض واضح في الموقف الغربي: دول أوروبية وكندا بدأت تربط حماية حل الدولتين بفرض كلفة على الاستيطان، بينما تواصل واشنطن رفض الأداة ذاتها رغم إعلانها القلق من انهيار الأوضاع. وهذا التباين يمنح إسرائيل مساحة سياسية واقتصادية مهمة لتخفيف أثر الضغوط الأوروبية، ويضع حدوداً أمام قدرة التحرك الجديد على التحول سريعاً إلى جبهة غربية موحدة.

فلسطين: خطوة مهمة لكن الاختبار هو الانتقال من الإدانة إلى الإلزام

ورحبت الرئاسة الفلسطينية بالقرار البريطاني، واعتبرته خطوة مهمة لمواجهة منظومة الاستيطان وترجمة عدم شرعيتها إلى إجراءات عملية، داعية إلى توسيع نطاق المساءلة وفرض عقوبات على المسؤولين عن التوسع الاستيطاني وعنف المستوطنين. كما رحبت ببيان الدول الـ12، معتبرة القيود التجارية خطوة باتجاه عدم الاعتراف بالواقع الذي يفرضه الاحتلال.

وأكد نائب الرئيس الفلسطيني حسين الشيخ أن المطلوب يتجاوز الإدانة إلى «إجراءات ملزمة وحاسمة» توقف التوسع الاستيطاني والضم الفعلي، محذراً من أن مشروع E1 يهدد بتقطيع أوصال الأرض الفلسطينية وفصل شمال الضفة عن جنوبها، وأن حماية حل الدولتين لا تكون بتكرار الالتزام السياسي به، بل بحماية الأرض من الاستيطان والضم وتحويل القانون الدولي إلى أفعال.

كما رحبت مصر والأردن بالتحرك، واعتبرتا القيود على تجارة المستوطنات خطوة منسجمة مع القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، ودعتا إلى توسيع الإجراءات الدولية لوقف الاستيطان. وأكد الأردن أن التحرك يتسق مع قرار مجلس الأمن 2334 والرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية، داعياً دولاً أخرى إلى اتخاذ خطوات مماثلة.

وجددت مصر وقبرص واليونان، في مواقف موازية، دعم إقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة على خطوط الرابع من حزيران/يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، ورفض محاولات فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية أو فرض التهجير القسري، بما يعكس اتساع دائرة المواقف الدولية التي باتت تربط بين وقف الحرب، ومنع الاستيطان، والحفاظ على وحدة الأرض الفلسطينية.

تحول مهم.. لكنه متأخر ومحدود ما لم يتحول إلى كلفة حقيقية

سياسياً، تمثل القرارات الجديدة كسراً مهماً لنمط غربي استمر سنوات طويلة: إدانة الاستيطان باعتباره مخالفاً للقانون الدولي، مع استمرار العلاقات الاقتصادية والسياسية التي تسمح بتوسع المنظومة نفسها بلا ثمن يذكر. والانتقال من القول إن المستوطنات «غير قانونية» إلى منع منتجاتها ومعاقبة من يمولها أو يربح منها يضع، ولو متأخراً، مسافة بين الموقف القانوني والممارسة الاقتصادية.

لكن الاختبار الحقيقي ليس في قوة اللغة البريطانية ولا في عدد الدول الموقعة على البيانات، بل في ما إذا كانت هذه الإجراءات ستتوسع من مقاطعة محدودة لسلع المستوطنات إلى مساءلة شبكات التمويل والاستثمار والبناء والبنية التحتية التي تجعل مشروع الاستيطان ممكناً، وما إذا كان المجتمع الدولي سيعامل الضم الفعلي باعتباره فعلاً يستوجب المنع والعقوبة، لا مجرد تطور «يهدد حل الدولتين».

فالاستيطان لم يتوسع طوال العقود الماضية بسبب نقص بيانات الإدانة، بل لأن الإدانة بقيت في معظم الأحيان بلا كلفة. ومن هنا تبدو الخطوة البريطانية وتحرك الدول الـ12 نقطة تحول محتملة، لكنها ستظل محدودة ورمزية إذا لم تنتقل من عزل منتجات المستوطنات إلى عزل السياسات والجهات التي تنشئ المستوطنات وتمولها وتحمي تمددها.

وبين بريطانيا التي تقول الآن إن الاحتلال نفسه غير قانوني، وإسرائيل التي ترد بإغلاق القنصلية البريطانية، وواشنطن التي ترفض الانضمام إلى العقوبات، تتشكل مواجهة دبلوماسية جديدة عنوانها الحقيقي أبعد من التجارة: هل يبدأ القانون الدولي أخيراً بفرض كلفة على واقع الاحتلال والاستيطان، أم يبقى حل الدولتين شعاراً سياسياً يُستحضر كلما تقلصت الأرض التي يفترض أن تقوم عليها الدولة الفلسطينية؟

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - رام الله – عواصم