فيلم «NAZA» يثير جدلاً حول أنظمة الاستهداف في غزة.. شهادات عن دور الذكاء الاصطناعي والجيش الإسرائيلي ينفي أن تتخذ الخوارزميات قرارات الضرب

يتصاعد الدخان من موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت منزلاً في مخيم الشاطئ، غرب مدينة غزة، في 9 سبتمبر/أيلول 2026.

أثار الفيلم الوثائقي الجديد «NAZA» جدلاً واسعاً بشأن آليات اختيار الأهداف خلال الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، بعدما عرض شهادات مجهوّلة الهوية لعسكريين وعاملين في أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية تحدثوا عن استخدام أدوات تحليل بيانات وأنظمة مدعومة بالذكاء الاصطناعي في عمليات المراقبة وتحديد أهداف محتملة، في حين رفض الجيش الإسرائيلي بصورة قاطعة الاتهامات الواردة في الفيلم، مؤكداً أن القرارات المتعلقة باختيار الأهداف والموافقة على الضربات يتخذها أشخاص وليس أنظمة آلية.

وعُرض الفيلم، ومدته 80 دقيقة، في العاشر من سبتمبر/أيلول ضمن المسابقة الرسمية للدورة الـ83 لمهرجان البندقية السينمائي، وهو من إخراج الصحفي والمخرج الإسرائيلي يوفال أبراهام والمخرجة والصحفية راشيل زور، وهما من فريق فيلم «No Other Land» الفائز بجائزة أوسكار أفضل فيلم وثائقي عام 2025. ووفق الموقع الرسمي للمهرجان، أُنتج «NAZA» بواسطة صحيفة «الغارديان» وشركة JW Films، وهو أحد 21 فيلماً يتنافس على جائزة الأسد الذهبي.

وحظي الفيلم عند عرضه الأول بتصفيق مع الوقوف استمر نحو 25 دقيقة، وهي أطول فترة تصفيق سُجلت في دورة المهرجان الحالية، بحسب مراسل وكالة رويترز، فيما أشارت تقارير من البندقية إلى أنها تجاوزت مدة التصفيق التي حظي بها فيلم «صوت هند رجب» في الدورة السابقة.

ويستند «NAZA» إلى مقابلات مع 24 شخصاً من أفراد الجيش وأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، حاليين أو سابقين بحسب صناع الفيلم، جُمعت شهاداتهم على مدى نحو ثلاث سنوات. وصُورت المقابلات ليلاً فوق أسطح مبان في تل أبيب، مع تغيير الوجوه والأصوات رقمياً لحماية هوية أصحابها. ويتحدث المشاركون عن أدوار في المراقبة وجمع المعلومات وتطوير الأهداف والمساعدة في اتخاذ قرارات مرتبطة بالضربات الجوية في غزة.

ويأخذ الفيلم اسمه من مصطلح عسكري عبري مختصر يشير، وفق صناعه ومصادر صحفية إسرائيلية ودولية، إلى «الأضرار الجانبية» أو العدد المتوقع للمدنيين الذين قد يسقطون نتيجة ضربة تستهدف هدفاً عسكرياً. ويضع الفيلم هذا المفهوم في صلب النقاش بشأن كيفية تقدير الضرر المتوقع على المدنيين قبل تنفيذ الغارات.

وقال أبراهام إن الهدف من العمل كان إتاحة المجال للعسكريين وعناصر الاستخبارات لشرح ما قاموا به وكيف كانت أنظمة الاستهداف تعمل، بدلاً من بناء الفيلم أساساً على تعليق خارجي من المخرجين. وتعرض الشهادات، بحسب رويترز ووكالة فرانس برس، روايات عن عمليات استهداف نُفذت عن بعد، إلى جانب استخدام بيانات اتصالات ومعلومات مراقبة لتتبع أشخاص يشتبه الجيش في ارتباطهم بفصائل فلسطينية مسلحة.

ومن أبرز القضايا التي يتناولها الفيلم نظام يعرف باسم «لافندر» (Lavender)، والذي سبق أن أصبح موضع تحقيقات صحفية منذ عام 2024. وبحسب شهادات أوردها الفيلم وتحقيقات سابقة لمجلة «+972» وصحيفة «الغارديان»، استخدم النظام كأداة لمعالجة كميات كبيرة من البيانات وتصنيف أشخاص باعتبارهم أهدافاً محتملة استناداً إلى أنماط في الاتصالات والحركة والعلاقات والبيانات الاستخباراتية. وقالت مصادر استخباراتية في تلك التحقيقات إن «لافندر» أسهم خلال مراحل من الحرب في إنتاج قوائم واسعة من الأهداف المحتملة.

لكن هذه الرواية كانت موضع خلاف منذ ظهورها. فالجيش الإسرائيلي قال في رده عام 2024 إن «لافندر» ليس نظاماً يتخذ قراراً بأن شخصاً ما «إرهابي» أو يقرر استهدافه، بل قاعدة بيانات وأداة لدمج ومقارنة معلومات استخباراتية، وإن على المحللين إجراء فحوص مستقلة للتأكد من أن الهدف يفي بالمعايير العسكرية والقانونية اللازمة قبل تنفيذ أي هجوم.

ويعيد «NAZA» طرح هذه المسألة بصورة أكثر تفصيلاً عبر شهادات أشخاص يقولون إنهم شاركوا في تلك المنظومة. ويصف بعضهم طبيعة العمل عن بعد بأنها جعلت عملية الاستهداف أقرب في شعورهم إلى «لعبة فيديو»، فيما يتحدث آخرون عن مناخ اعتبروا أنه أدى إلى إزالة الحواجز النفسية أمام استخدام القوة. كما يتضمن الفيلم اتهامات بشأن تدمير منازل مدنية وتوسيع هامش الخسائر المقبولة بين المدنيين عند استهداف أفراد يشتبه في انتمائهم إلى حماس أو الجهاد الإسلامي. وتظل هذه الإفادات شهادات مجهولة المصدر يعرضها الفيلم، وليست نتائج قضائية مستقلة مثبتة.

وقال الجيش الإسرائيلي في رد رسمي نشر في 11 سبتمبر/أيلول 2026 إنه «يرفض بشكل قاطع» الاتهامات الواردة في «NAZA»، منتقداً اعتماد الفيلم على مصادر مجهولة لا يمكن، وفق قوله، التحقق من هويتها أو من طبيعة خدمتها العسكرية أو مدى اطلاعها على القضايا التي تتحدث عنها. وأضاف أن بعض الشهادات تتناول مسائل تتعلق بالاستراتيجية العسكرية والوطنية لا تكون بالضرورة متاحة لعسكريين من المستويات التي يصفها الفيلم.

كما اتهم الجيش بعض المشاركين باستخدام مصطلحات قانونية بطريقة وصفها بأنها غير دقيقة، وقال إن عملياته تستهدف المنظمات المسلحة وفي مقدمتها حماس، وإنها تُنفذ وفق القانون الدولي وقواعد النزاعات المسلحة، مع اتخاذ إجراءات لتقليل الضرر اللاحق بالمدنيين. وأضاف أنه عندما تنشأ شبهات محددة بوقوع مخالفة من جانب أحد الجنود، فإن لدى الجيش آليات للتحقيق والمساءلة.

وفي النقطة الأكثر إثارة للجدل، المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، قال الجيش بوضوح إن «القرارات المتعلقة باختيار الضربات والموافقة عليها يتخذها أفراد بشريون فقط، وليس الذكاء الاصطناعي». ولا يعني هذا النفي، بحسب صياغة البيانات العسكرية السابقة، أن الجيش لا يستخدم أدوات خوارزمية أو تقنيات ذكاء اصطناعي لتحليل المعلومات؛ بل إن الخلاف يتركز بصورة أساسية على مدى تأثير مخرجات هذه الأنظمة في القرار البشري النهائي وحجم المراجعة البشرية الفعلية قبل تنفيذ الضربة. ففي رده السابق بشأن «لافندر»، أقر الجيش باستخدام أدوات معلوماتية لمساعدة المحللين، مع نفي أن تكون هي التي تختار بصورة مستقلة من يُستهدف.

وهذه المسألة أثارت مخاوف قانونية خارج إطار الفيلم أيضاً. ففي تقرير سابق للجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة، تناولت اللجنة تقارير عن استخدام أدوات مثل «لافندر» و«غوسبل»، وأشارت إلى مخاوف من أن سرعة عمليات إنتاج الأهداف قد تؤدي في بعض الحالات إلى غياب تقييم بشري كاف ودقيق للأهداف والأضرار المتوقعة على المدنيين. ولم يكن التقرير بمثابة إثبات مستقل لجميع الادعاءات المتعلقة بكيفية عمل «لافندر»، لكنه أكد أهمية وجود تقييم ومراجعة بشرية فعالة قبل أي هجوم يمكن أن يوقع خسائر كبيرة بين المدنيين.

من جهته، دخل رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق نفتالي بينيت على خط الجدل، وهاجم الفيلم ووصف الاتهامات التي يطرحها بأنها «فرية دم» ضد إسرائيل. وقال إن ما اعتبره أكثر إثارة للغضب هو صدور الفيلم عن سينمائيين إسرائيليين وانتشار ما يطرحه عالمياً. وأقر بأن الحرب في غزة «فظيعة» وأن مقتل أي طفل يمثل «مأساة»، لكنه رفض وصف العمليات الإسرائيلية بأنها إبادة جماعية، معتبراً أن «الحرب الفظيعة ليست إبادة جماعية».

ويأتي الجدل في وقت تجاوز فيه عدد الفلسطينيين الذين أعلنت وزارة الصحة في غزة مقتلهم منذ بدء الحرب في أكتوبر/تشرين الأول 2023 73 ألفاً، وفق الأرقام التي نقلتها رويترز، بينما تقول إسرائيل إنها تسعى إلى تجنب إصابة المدنيين وتتهم حماس بالعمل من مناطق مدنية، وهو ما تنفيه الحركة في ما يتعلق باتهامات استخدام السكان دروعاً بشرية. وتشير الأمم المتحدة عند نشر بيانات الضحايا إلى أنها تنسب الأرقام الأحدث إلى وزارة الصحة في غزة إلى حين استكمال عمليات التحقق المستقلة.

وبذلك، لا يقتصر الجدل الذي أثاره «NAZA» على السؤال عما إذا كانت إسرائيل تستخدم الذكاء الاصطناعي في الحرب ــ إذ إن استخدام أدوات تحليل متقدمة في المجال الاستخباراتي أصبح موثقاً بدرجات مختلفة ــ وإنما يمتد إلى سؤال أكثر حساسية: إلى أي حد تعتمد عمليات تحديد الأهداف على مخرجات الخوارزميات، وما مقدار التدقيق البشري المستقل الذي يسبق تحويل توصية تقنية إلى قرار بضربة قد تكون لها عواقب واسعة على المدنيين؟ وهي النقطة التي يقدم الفيلم بشأنها رواية شديدة الانتقاد استناداً إلى شهادات عسكرية مجهولة، بينما يقدم الجيش الإسرائيلي رواية مغايرة تؤكد بقاء القرار النهائي في أيدي البشر والتزام قواعد القانون الدولي.

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - البندقية