تقرير الاستيطان الأسبوعي: «الخط الأزرق» يسرّع الاستيلاء على أراضي الضفة وعقوبات دولية تستهدف المستوطنات
قال المكتب الوطني للدفاع عن الأرض ومقاومة الاستيطان إن الأسبوع الممتد من 5 إلى 11 سبتمبر/أيلول 2026 شهد تصعيداً لافتاً في سياسات الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية، بالتوازي مع تحركات دولية متزايدة لفرض قيود اقتصادية وتجارية على المستوطنات والشركات والجهات التي تسهم في توسيعها.
ووفق التقرير الأسبوعي، الذي أعدته مديحة الأعرج، تصدر المشهد حدثان رئيسيان: الأول، توسيع سلطات الاحتلال استخدام ما يعرف بـ«طاقم الخط الأزرق» التابع للإدارة المدنية لإعادة ترسيم مساحات واسعة من الأراضي وتخصيصها للنشاط الاستيطاني، خصوصاً في شمال ووسط الضفة الغربية؛ والثاني، إعلان بريطانيا ودول أوروبية وغربية خطوات تستهدف التجارة مع المستوطنات، في مؤشر على اتساع الضغوط الدولية المرتبطة بسياسة الاستيطان وتصاعد اعتداءات المستوطنين.
ويرى التقرير أن النشاط المتسارع لـ«طاقم الخط الأزرق» لم يعد مجرد عمل فني أو مساحي، بل تحول، في ظل الصلاحيات الواسعة التي بات يتمتع بها وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش في إدارة شؤون الاستيطان بالضفة الغربية، إلى أداة مركزية لإعادة رسم خريطة السيطرة على الأراضي في المنطقة المصنفة «ج».
«الخط الأزرق».. من طاقم تقني إلى أداة لتوسيع الاستيطان
وبحسب التقرير، تأسس «طاقم الخط الأزرق» بصورة رسمية عام 1999 بهدف إعادة فحص وترسيم الأراضي التي تصنفها سلطات الاحتلال «أراضي دولة»، بعد عقود اعتمدت خلالها الإدارة المدنية على خرائط ووسائل مسح قديمة.
ويضم الطاقم مساحين وخبراء خرائط ومستشارين قانونيين، ويستخدم تقنيات حديثة ونظم المعلومات الجغرافية لإعادة تحديد حدود الأراضي، قبل تثبيتها على الخرائط الرسمية بما يعرف بـ«الخط الأزرق».
لكن المكتب الوطني يرى أن دور الطاقم شهد تحولاً جوهرياً خلال السنوات الأخيرة، ولا سيما بعد انتقال صلاحيات واسعة مرتبطة بالإدارة المدنية والاستيطان إلى سموتريتش ضمن الاتفاقات الائتلافية الحكومية.
وأشار التقرير إلى أن الإجراءات التي كانت تحتاج في السابق إلى فترات طويلة من الدراسة والمصادقة باتت تنجز بوتيرة أسرع، بالتزامن مع زيادة الطواقم الفنية والقانونية والميزانيات المخصصة لمسح الأراضي وإعادة تصنيفها.
ويرى التقرير أن الهدف العملي لهذه الإجراءات يتمثل في تثبيت السيطرة على مساحات واسعة من المنطقة «ج»، وإيجاد قاعدة تخطيطية وقانونية إسرائيلية تتيح توسيع المستوطنات وتسوية أوضاع بؤر استيطانية وتحويل بعضها إلى تجمعات استيطانية معترف بها رسمياً.
قباطية في دائرة الاستهداف
وفي شمال الضفة الغربية، أشار التقرير إلى استهداف أراضي بلدة قباطية جنوب جنين عبر أوامر عسكرية جديدة شملت نحو 7.498 دونماً، بذريعة استخدامها لأغراض أمنية وعسكرية.
وبحسب المكتب الوطني، تأتي أهمية قباطية من موقعها الجغرافي جنوب مدينة جنين، باعتبارها إحدى البوابات الرئيسية المؤدية إلى المدينة ومخيمها، وموقعاً يربط جنين بعدد من البلدات والقرى في المحافظة.
ويرى التقرير أن إقامة مسارات عسكرية وأبراج مراقبة أو بنى تحتية عسكرية في أراضي البلدة من شأنها تعزيز قدرة جيش الاحتلال على التحكم في المداخل والمحاور المحيطة بمدينة جنين وعزلها عن امتدادها الجغرافي.
وأشار إلى أن المنطقة تشهد في الوقت ذاته محاولات لتثبيت وتوسيع بؤر استيطانية في محيط عرابة وقباطية، في سياق وصفه المكتب بأنه جزء من سياسة «الضم الصامت» القائمة على الجمع بين الأوامر العسكرية والتوسع الاستيطاني وشبكات الطرق.
ووفق التقرير، بلغ مجموع الأراضي التي استهدفتها أوامر عسكرية معلنة أخيراً في محيط قباطية 13.769 دونماً، موزعة على أمرين؛ الأول صدر في يوليو/تموز 2026 واستهدف 6.271 دونماً، والثاني خلال سبتمبر/أيلول واستهدف 7.498 دونماً لإنشاء مسار عسكري وبرج مراقبة.
وأشار التقرير كذلك إلى صدور سلسلة أوامر عسكرية أخرى في محافظة جنين تستهدف أراضي لشق طرق أو استخدامها لأغراض عسكرية، محذراً من أن هذه الإجراءات يمكن أن تؤسس لبنية سيطرة طويلة الأمد وليست مؤقتة بطبيعتها.
المغير.. قرية تتقلص تحت ضغط البؤر الاستيطانية
ومن شمال الضفة إلى وسطها، سلط التقرير الضوء على قرية المغير شمال شرقي رام الله، التي تتعرض منذ سنوات لضغوط متزايدة نتيجة انتشار البؤر الاستيطانية الرعوية والاستيلاء على الأراضي الزراعية والمراعي.
ونقل التقرير عن رئيس مجلس قروي المغير أمين أبو عليا قوله إن الفلسطينيين في القرية باتوا قادرين على الوصول فعلياً إلى نحو 900 دونم فقط من أصل قرابة 43 ألف دونم من أراضيها، في ظل انتشار عدد كبير من البؤر الاستيطانية في محيطها والقيود المفروضة على حركة أصحاب الأراضي.
وأشار إلى أن أبرز هذه البؤر تشمل «ملاخي هشالوم» وبؤراً رعوية أخرى، إلى جانب شبكة البؤر المرتبطة بمستوطنات «عادي عاد» و«إيش كودش» و«أحيا»، بينما تشكل مستوطنة «شيلو» مركزاً استيطانياً رئيسياً في المنطقة.
ووفق التقرير، لا يعتمد تأثير هذه البؤر على المساحات المبنية فيها فقط، إذ يستخدم المستوطنون النشاط الرعوي للانتشار في مساحات أوسع بكثير من مساحة البؤرة نفسها، بما يؤدي إلى تقييد وصول المزارعين الفلسطينيين إلى الأراضي والمراعي.
وحذر المكتب الوطني من أن استمرار هذه السياسة يحول القرى الفلسطينية إلى تجمعات محاصرة داخل نطاقات عمرانية محدودة، بينما تنتقل مساحات الأراضي المفتوحة تدريجياً إلى السيطرة الاستيطانية.
1665 دونماً لربط «ظهر الجبل» بالأغوار
وفي تطور اعتبره التقرير بالغ الخطورة، أعلنت سلطات الاحتلال إجراءات تستهدف نحو 1665 دونماً من الأراضي المرتبطة بقرى جالود وقريوت وترمسعيا والمغير، لصالح التوسع الاستيطاني في المنطقة الواقعة شرق مستوطنة «شيلو».
ووفق التقرير، يأتي ذلك في إطار مخططات مرتبطة بمستوطنتي «كيدا» و«هدات»، وتمهد لبناء أكثر من ألف وحدة استيطانية.
وأشار المكتب إلى أن «طاقم الخط الأزرق» أدى دوراً أساسياً في إعادة ترسيم هذه الأراضي وتهيئتها للاستخدام الاستيطاني.
وتكمن خطورة المخطط، وفق قراءة التقرير، في موقعه الجغرافي الذي يمكن أن يربط المستوطنات القائمة على مرتفعات وسط الضفة، أو ما يعرف بمنطقة «ظهر الجبل»، بمستوطنات السفوح الشرقية والأغوار.
وأوضح أن كتلة «شيلو» ومحيطها تمتد باتجاه المنحدرات الشرقية المؤدية إلى الأغوار، ما يتيح، إذا استكملت مشاريع الطرق والبناء والبؤر الاستيطانية، إنشاء امتداد استيطاني متصل من غرب ووسط الضفة باتجاه محور «آلون» ومستوطنات الأغوار.
وحذر التقرير من أن اكتمال مثل هذا الحزام سيعمق تقطيع التواصل الجغرافي الفلسطيني، ويزيد صعوبة الحركة بين أجزاء الضفة الغربية.
E1.. القضاء الإسرائيلي يرفض تجميد العطاء
وفي القدس ومحيطها، رفضت المحكمة المركزية الإسرائيلية طلباً لتجميد عطاء لبناء 1,234 وحدة استيطانية ضمن منطقة «E1» أو وقف الإجراءات المتعلقة بالمخطط.
وبحسب التقرير، رأت المحكمة أن بدء الأعمال الميدانية الفعلية لا يزال بعيداً، وأن من الممكن البت في الالتماسات المقدمة ضد المشروع قبل الوصول إلى مرحلة البناء.
وكانت جمعيات إسرائيلية تعارض الاستيطان، بينها «عير عميم» و«بمكوم – تخطيط وحقوق الإنسان» و«السلام الآن»، إلى جانب فلسطينيين من المنطقة، قد تقدمت بالتماسات ضد المخطط.
وحذرت الجهات المعترضة من أن استمرار الإجراءات المتعلقة بـ«E1» يتيح للحكومة الإسرائيلية دفع المشروع إلى مراحل متقدمة، بما يمكن أن يخلق وقائع يصعب التراجع عنها لاحقاً.
ويعد مخطط «E1» من أكثر مشاريع الاستيطان حساسية من الناحية السياسية والجغرافية، لوقوعه بين القدس الشرقية ومستوطنة «معاليه أدوميم»، وسط تحذيرات فلسطينية ودولية من أن تنفيذه سيقطع التواصل بين شمال الضفة الغربية وجنوبها ويفصل القدس الشرقية عن محيطها الفلسطيني.
تحرك دولي ضد تجارة المستوطنات
وعلى المستوى الدولي، أبرز التقرير إعلان بريطانيا إجراءات اقتصادية ضد منتجات المستوطنات والجهات التي تسهم في توسعها، بالتزامن مع توجه عدد من الدول لفرض قيود على التجارة المرتبطة بالمستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وأشار التقرير إلى بيان مشترك ضم عدداً من الدول الأوروبية والغربية، أعربت فيه عن توجهها لاتخاذ إجراءات وطنية ضد تجارة السلع مع المستوطنات، في ظل تصاعد الاستيطان واعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين.
وقال التقرير إن الإجراءات المطروحة لا تقتصر على المنتجات المصنعة في المستوطنات، بل يمكن أن تمتد إلى شركات وأفراد يقدمون خدمات في قطاعات البناء والبنية التحتية والتمويل والعقارات ويسهمون في دعم النشاط الاستيطاني.
ورأى المكتب الوطني في هذه التحركات انتقالاً تدريجياً من الاكتفاء بالمواقف السياسية الرافضة للاستيطان إلى إجراءات اقتصادية وتجارية تستهدف البنية الداعمة له.
وفي المقابل، سجل التقرير اعتراضاً أميركياً على هذه الخطوات، مشيراً إلى مواقف لمسؤولين أميركيين حذروا من تداعيات العقوبات الاقتصادية والتجارية المتعلقة بالمستوطنات.
القدس.. هدم وتوسع قرب التجمعات البدوية
وفي رصده للانتهاكات خلال الأسبوع، قال المكتب الوطني إن مستوطنين واصلوا توسيع بؤرة زراعية قرب تجمع المهتوش البدوي المحاذي للخان الأحمر، وشرعوا في نصب سياج يطوق مناطق قريبة من التجمع ويحد من حركة الفلسطينيين ووصولهم إلى الأراضي.
وفي جبل المكبر، أجبرت سلطات الاحتلال الفلسطيني شادي عبيدات على هدم منزله ذاتياً بحجة البناء دون ترخيص.
كما هدمت آليات الاحتلال ثلاثة منازل لعائلة أبو ميالة في بيت حنينا، ما أدى، وفق التقرير، إلى تشريد 21 فلسطينياً.
وسجل التقرير أيضاً توزيع إخطارات بالهدم والإخلاء في مناطق شمال القدس، بينها جبع والرام والعيسوية.
اعتداءات في الخليل وبيت لحم
وفي محافظة الخليل، وثق التقرير اعتداء مستوطنين من منطقة «بيت هداسا» على أطفال ونساء قرب شارع الشهداء باستخدام الكلاب، إضافة إلى اعتداءات متكررة في مسافر يطا شملت إدخال قطعان الأبقار والمواشي إلى محيط منازل وأراضي فلسطينية.
وفي بيت لحم، دخل مستوطنون برفقة قطعانهم إلى محيط منزل عائلة صويص في خلايل اللوز، وألحقوا أضراراً بأشجار وممتلكات وسياج في المكان.
كما وثق التقرير إتلاف أشجار زيتون في منطقة المنية ونصب خيمة استيطانية قرب المدخل الغربي لقرية الرشايدة، وسط مخاوف من استخدامها نواة لبؤرة جديدة.
رام الله.. طرق وبؤر جديدة
وفي محافظة رام الله والبيرة، شرع مستوطنون، بحسب التقرير، في شق طريق استيطاني في أراضي نعلين بطول يقدر بنحو خمسة كيلومترات بهدف الوصول إلى منطقة جبل العالم، التي أقيمت فيها بؤرة رعوية.
كما دخل مستوطنون أراضي المغير وبرقا وأطلقوا قطعان الأغنام في الأراضي الزراعية، فيما شهدت برقا اعتداءات أسفرت عن إصابات واستهداف مركبة إسعاف.
وسجل التقرير نقل مواد وأخشاب باتجاه بؤر استيطانية غرب المغير، إلى جانب نصب خيمة جديدة على «جبل القرانع» في دير أبو مشعل.
نابلس.. استهداف منازل وخدمات وبنية تحتية
وفي نابلس، سلمت سلطات الاحتلال إخطارات بوقف العمل في منشآت وأراضٍ بمنطقة جبل عجرم في حي المعاجين، بينها روضة أطفال ومنشآت أخرى، بدعوى وقوعها في المنطقة «ج».
كما وثق التقرير اقتحام مستوطنين جبل العرمة في بيتا وبلدة عورتا، وكتابة شعارات تحريضية.
وفي بيت فوريك، اعتدى مستوطنون بالضرب على الفلسطيني معروف محيي الدين نصاصرة ونجله، ما استدعى نقلهما لتلقي العلاج.
وفي بيت إمرين والمسعودية والمنطقة الواقعة بين بيتا وأوصرين، شملت الاعتداءات قطع خطوط مياه وكهرباء وإتلاف أعمدة، ما أدى إلى انقطاع الخدمات عن عدد من المنازل.
جنين والأغوار.. تجريف الأراضي واستهداف مصادر المياه
وفي محافظة جنين، قال التقرير إن قوات الاحتلال جرفت أراضي واقتلعت أشجار زيتون قرب قرية واد دعوق على جانبي الشارع الرئيسي، في مساحة قدرت بنحو 27 دونماً.
وفي بلدة عرابة، أخطرت سلطات الاحتلال بهدم أربعة منازل في منطقة رأس الشمالي، كما أجبرت مزارعين على تفكيك دفيئات زراعية قريبة من أحد الشوارع الالتفافية.
أما في الأغوار الشمالية، فوثق التقرير شروع مستوطنين في تسييج أراضٍ في منطقة الحديدية، إلى جانب سرقة خزانات وبراميل تستخدم لتخزين المياه المخصصة لسقي المواشي.
وفي خربة الحمة، تعرض فلسطينيون ومساكنهم لهجوم من المستوطنين، بينما تعرضت خطوط المياه في تجمع يرزا الشمالي شرق طوباس للتخريب، ما أدى إلى انقطاع المياه وتفاقم الأزمة التي يعاني منها سكان التجمع.
الاستيطان ينتقل من التوسع الموضعي إلى إعادة هندسة الجغرافيا
وخلص المكتب الوطني للدفاع عن الأرض ومقاومة الاستيطان إلى أن التطورات المسجلة خلال الأسبوع تعكس انتقال السياسة الاستيطانية من التوسع التقليدي حول المستوطنات القائمة إلى محاولة إعادة هندسة مساحات واسعة من الضفة الغربية عبر الجمع بين إعادة تصنيف الأراضي، وتسوية البؤر، وإنشاء الطرق، والسيطرة على المراعي، وتوسيع المستوطنات.
ويرى التقرير أن «طاقم الخط الأزرق» أصبح جزءاً محورياً في هذه السياسة، إذ يوفر الغطاء الفني والقانوني الإسرائيلي لتغيير وضع الأراضي وتخصيصها لاحقاً للاستيطان.
وفي المقابل، اعتبر التقرير أن التحركات الدولية الرامية إلى تقييد التجارة مع المستوطنات تمثل تطوراً مهماً، لكنه شدد على أن فاعليتها ستبقى مرتبطة بمدى تحولها إلى إجراءات ملزمة تشمل الشركات والبنوك والاستثمارات والجهات التي تسهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة في توسيع الاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
