اتصالات واشنطن تصطدم بالنار جنوب لبنان: لقاء إسرائيلي–لبناني مرتقب وتأجيل مفاوضات روما مع استمرار القصف والاحتلال
تتجه الولايات المتحدة إلى إبقاء قناة الاتصال المباشر بين لبنان وإسرائيل مفتوحة عبر لقاء مرتقب في واشنطن بين السفير الإسرائيلي يحيئيل لايتر والسفيرة اللبنانية ندى حمادة معوض، بعدما تأجلت جولة المفاوضات التي كان مقررًا عقدها في روما إلى تشرين الأول/أكتوبر، في وقت تتواصل فيه العمليات العسكرية الإسرائيلية في جنوب لبنان وتسجل مزيدًا من الضحايا والدمار.
وأكد مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية أن سفيري لبنان وإسرائيل لدى واشنطن سيجتمعان في مقر الوزارة لمناقشة التطورات ومتابعة تنفيذ «الإطار الثلاثي» الذي توصل إليه الطرفان بوساطة أميركية في حزيران/يونيو الماضي، فيما أُرجئت جولة روما التي كانت مقررة خلال أيلول/سبتمبر إلى الشهر المقبل.
وبحسب المعطيات الأميركية، يرتبط التأجيل رسميًا بتعارض في جداول المشاركين والاستعدادات لاجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة والأعياد اليهودية ومؤتمر باريس المتعلق بدعم الجيش اللبناني. لكن التأجيل يأتي أيضًا في ظل تباطؤ واضح في تنفيذ التفاهمات وتصاعد الخلاف بين بيروت وتل أبيب بشأن استمرار العمليات الإسرائيلية ومستقبل انتشار الجيش اللبناني جنوبًا.
وكان الاتفاق الإطاري الموقع في واشنطن في 26 حزيران/يونيو قد وضع مسارًا لانتشار الجيش اللبناني في مناطق تنسحب منها القوات الإسرائيلية تدريجيًا، بالتوازي مع معالجة ملف سلاح حزب الله وتسوية قضايا الحدود والترتيبات الأمنية. إلا أن التطبيق بقي محدودًا، وسط خلافات متزايدة بشأن شروط الانسحاب وآلية التحقق من تنفيذ الالتزامات.
واشنطن تحاول منع انهيار المسار
وتعكس الدعوة إلى اجتماع لايتر وحمادة محاولة أميركية لمنع تجميد الاتصالات بالكامل بعد تعثر الجولة الجديدة من المفاوضات.
وتتهم إسرائيل الجيش اللبناني بعدم التحرك بالسرعة والقوة اللتين تطالب بهما ضد مواقع حزب الله، بينما تقول مصادر لبنانية إن استمرار الغارات والتوغلات وعمليات الهدم الإسرائيلية يقوض قدرة الدولة والجيش على تنفيذ التفاهمات ويضعف الموقف اللبناني الداخلي. ونقل مسؤول لبناني أن الهجمات الإسرائيلية «تقوض» جهود بيروت، في حين تشكك إسرائيل في قدرة الجيش اللبناني على تنفيذ المهمة المطلوبة منه.
وتأتي هذه الخلافات بعد أشهر قليلة فقط من إطلاق المسار الأميركي المباشر، الذي شمل اجتماعات في واشنطن ثم جولة مفاوضات في روما في آب/أغسطس.
عون: لا مفاوضات جديدة في الوقت الراهن
وعلى الجانب اللبناني، بدا الخطاب الرسمي أكثر تحفظًا حيال استئناف المفاوضات.
وقال الرئيس اللبناني جوزاف عون، خلال زيارة مفاجئة إلى النبطية وجنوب لبنان السبت، إنه «لا توجد مفاوضات جديدة مع إسرائيل في الوقت الراهن»، مؤكدًا أن انسحاب القوات الإسرائيلية واستعادة الأسرى وعودة السكان وإعادة الإعمار تبقى ثوابت بالنسبة إلى الدولة اللبنانية.
ولا يتعارض موقف عون بالضرورة مع اللقاء المرتقب في واشنطن، إذ تشير المعطيات الأميركية إلى أن اجتماع السفيرين يهدف إلى إبقاء آلية الاتصال ومتابعة الاتفاق قائمة، بينما جولة التفاوض الموسعة التي كانت مقررة في روما أرجئت رسميًا إلى تشرين الأول/أكتوبر.
وجاءت زيارة عون بعد أيام من التفجيرات الإسرائيلية الضخمة في مرتفعات علي الطاهر قرب النبطية، والتي زادت التوتر وأثارت اعتراضات لبنانية على استمرار إسرائيل في توسيع نطاق عملياتها بالتوازي مع المفاوضات.
علي الطاهر يعمّق الأزمة
وكان جيش الاحتلال الإسرائيلي أعلن في 10 أيلول/سبتمبر تدمير شبكة أنفاق ومنشآت تحت الأرض في مرتفعات علي الطاهر، وقال إن الشبكة امتدت لأكثر من كيلومترين وتضمنت مراكز قيادة ومخازن أسلحة ومرافق قال إنها تابعة لحزب الله.
وقال الجيش إنه استخدم نحو 1100 طن من المواد المتفجرة في العملية، وهي كمية تسببت بهزة سجلتها أجهزة الرصد بما يعادل زلزالًا بقوة 4.1 درجات، بحسب تقارير دولية.
ووصف رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو الموقع بعد تدميره بأنه منشأة استراتيجية كبيرة مرتبطة بإيران، فيما شدد وزير الأمن يسرائيل كاتس على أن إسرائيل تنظر إلى علي الطاهر بوصفه جزءًا من «منطقتها الأمنية» التي تعتزم الاحتفاظ بالسيطرة عليها ما لم يتحقق نزع سلاح حزب الله وفق الشروط الإسرائيلية.
ويمثل هذا الموقف نقطة خلاف مركزية مع بيروت، التي تتمسك بانسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية، بينما تربط الحكومة الإسرائيلية أي انسحاب إضافي بما تصفه بضمانات أمنية وتنفيذ ترتيبات تتعلق بحزب الله.
قتيل لبناني واستمرار الغارات
ميدانيًا، تواصلت الهجمات الإسرائيلية في جنوب لبنان، الاثنين، بالتزامن مع التحركات السياسية.
وأفادت وسائل إعلام لبنانية، نقلًا عن الوكالة الوطنية للإعلام، بمقتل لبناني من بلدة برعشيت إثر إصابته برصاص القوات الإسرائيلية خلال إطلاقها النار بالأسلحة الرشاشة باتجاه البلدة مساء الاثنين.
كما سُجلت غارة إسرائيلية على طريق الجرمق باتجاه كفررمان، إلى جانب قصف وتحركات عسكرية في بلدات ومناطق أخرى من الجنوب.
وتشير تقارير ميدانية إلى استمرار القصف المدفعي والتحركات الإسرائيلية في محيط كفرتبنيت والنبطية الفوقا والمنصوري ووادي السلوقي وبلدات أخرى، بعد سلسلة واسعة من الغارات شهدتها المنطقة خلال الأيام الأخيرة.
وكانت كفرتبنيت تعرضت خلال الأشهر الماضية لعمليات نسف واسعة طالت المنازل والمنشآت العامة، ومن بينها مدرسة الشهيد محمود فقيه الرسمية، وأظهرت صور أقمار صناعية حجم الدمار الذي لحق بمحيطها ومبانٍ أخرى في البلدة.
تفاوض تحت النار
وبينما تحاول واشنطن الحفاظ على المسار الذي أطلقته بين الطرفين، تكشف التطورات عن تناقض متزايد بين المسار السياسي والوقائع الميدانية: مفاوضات تتحدث عن انسحاب تدريجي وترتيبات أمنية، مقابل عمليات عسكرية إسرائيلية مستمرة وتوسيع لما تسميه إسرائيل «المنطقة الأمنية» داخل الأراضي اللبنانية.
ومع تأجيل جولة روما إلى تشرين الأول/أكتوبر، بات لقاء السفيرين في واشنطن اختبارًا لقدرة الولايات المتحدة على منع انهيار التفاهمات، خصوصًا في ظل تمسك لبنان بالانسحاب الإسرائيلي ووقف الهجمات، وإصرار إسرائيل على ربط أي انسحاب إضافي بملف سلاح حزب الله وترتيبات أمنية أكثر تشددًا.
وهكذا، يدخل المسار الأميركي مرحلة أكثر هشاشة: قناة اتصال ما تزال قائمة في واشنطن، لكن على الأرض تستمر الغارات والقصف وعمليات الهدم، بما يجعل أي تقدم سياسي مرهونًا قبل كل شيء بقدرة الوسطاء على تضييق الفجوة المتزايدة بين ما يُتفاوض عليه وما يجري فعليًا في جنوب لبنان.
