الانتخابات بين المعلن والكواليس.. فتح تقول إن حماس والجهاد طلبتا التأجيل رغم مطالبتهما العلنية بإجرائها والانقسام يمتد إلى داخل فتح نفسها
كشف المتحدث باسم حركة فتح جمال نزال، مساء الخميس 17 أيلول/سبتمبر 2026، عن اتصالات قال إن حركتي حماس والجهاد الإسلامي أجرتاها مع فتح خلال الأيام الأخيرة للمطالبة بتأجيل الانتخابات التشريعية الفلسطينية المقررة في 28 تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، في تصريح يفتح بابًا جديدًا للجدل بشأن مصير أول انتخابات تشريعية فلسطينية منذ عام 2006.
وقال نزال، في مقابلة مع قناة «العربية» من برلين، رصدتها «وكالة قدس نت للأنباء» ، إن «حماس والجهاد الإسلامي، وأطرافًا أخرى» تواصلت مباشرة مع حركة فتح وطلبت تأجيل الانتخابات، موضحًا أن المبرر الذي قدمته تلك الأطراف يتعلق بعدم جاهزيتها لخوض الاستحقاق في موعده.
وأكد أن موقف فتح، وفق ما قاله، هو المضي في الانتخابات وعدم تأجيلها، معتبرًا أنها باتت «استحقاقًا أخلاقيًا ووطنيًا وقانونيًا» لا يمكن الاستمرار في إرجائه.
ولم يصدر حتى ساعة إعداد هذا الخبر رد من حماس أو الجهاد الإسلامي على تصريحات نزال الجديدة بشأن الاتصالات التي قال إنها جرت خلال الأيام العشرة الماضية.
موقف معلن لحماس يناقض رواية نزال
وتكتسب تصريحات نزال أهمية إضافية لأنها تتعارض مع الموقف العلني الذي أعلنته حماس قبل أسبوع فقط.
ففي 10 أيلول/سبتمبر، قال الناطق باسم الحركة حازم قاسم إن حماس ترفض الحديث عن تأجيل الانتخابات، وطالب بإجرائها في موعدها، منتقدًا تصريحات داخل السلطة بشأن احتمال إرجائها، وداعيًا إلى انتخابات «حرة ونزيهة» تشمل مختلف مكونات النظام السياسي الفلسطيني.
وبذلك، تضع تصريحات نزال روايتين متعارضتين في المشهد الفلسطيني: موقفًا رسميًا معلنًا لحماس يطالب بعدم التأجيل، مقابل حديث فتح عن اتصالات غير معلنة تقول إن الحركة نفسها طلبت خلالها إرجاء الاقتراع.
ولم يتسن التحقق بصورة مستقلة من مضمون الاتصالات التي تحدث عنها نزال أو من المبررات التي قال إن الفصائل قدمتها لفتح.
لكن الخلاف يمتد إلى داخل فتح
وفي المقابل، لا تبدو تصريحات نزال بشأن إصرار فتح على موعد 28 تشرين الثاني/نوفمبر منسجمة بالكامل مع تصريحات صدرت قبل أيام عن أمين سر اللجنة المركزية للحركة جبريل الرجوب.
وكان الرجوب قد قال في 10 أيلول/سبتمبر إنه يستبعد إجراء الانتخابات التشريعية في موعدها المقرر، وقال للصحافيين في رام الله: «لا يوجد انتخابات»، داعيًا إلى حوار وطني شامل والتوافق على آليات إجرائها، ومطالبًا بإجراء الانتخابات الرئاسية أولًا.
وأشار الرجوب حينها إلى عدم تشكل قوائم انتخابية «جدية»، رغم اقتراب فتح باب الترشح، لكنه شدد في الوقت ذاته على أن الانتخابات يجب أن تبقى الطريق إلى الحكم.
ويكشف اختلاف تصريحات الرجوب ونزال عن عدم وضوح نهائي في الموقف السياسي داخل فتح بشأن إمكانية إجراء الانتخابات في موعدها، في الوقت الذي تؤكد فيه المؤسسات الرسمية المعنية أن الجدول الانتخابي لا يزال ساريًا.
لجنة الانتخابات: لا تغيير في الموعد
وحتى مساء الخميس، لا يزال الموعد الرسمي للانتخابات التشريعية هو 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2026، ولم يصدر أي مرسوم رئاسي بتأجيلها.
وتواصل لجنة الانتخابات المركزية تنفيذ جدولها الزمني، وحددت الفترة من 26 أيلول/سبتمبر حتى 7 تشرين الأول/أكتوبر لتقديم طلبات ترشح القوائم، على أن تبدأ الحملة الانتخابية في 6 تشرين الثاني/نوفمبر وتنتهي في 26 من الشهر ذاته، ويجري الاقتراع العام في 28 تشرين الثاني/نوفمبر.
كما كثفت اللجنة خلال الأيام الأخيرة لقاءاتها واستعداداتها في قطاع غزة، وأكدت استمرار التحضيرات الفنية والإدارية للعملية الانتخابية.
وكان الرئيس محمود عباس قد أصدر في 9 تموز/يوليو مرسومًا رئاسيًا دعا فيه الفلسطينيين في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة إلى انتخاب مجلس تشريعي جديد في 28 تشرين الثاني/نوفمبر.
وفي حال جرت الانتخابات، ستكون الأولى للمجلس التشريعي الفلسطيني منذ عام 2006، حين فازت حماس بغالبية مقاعد المجلس، قبل أن يؤدي الصراع بين فتح وحماس والانقسام الفلسطيني إلى تعطيل المؤسسة التشريعية وعدم إجراء انتخابات عامة جديدة طوال عقدين تقريبًا.
نزال يرد على واشنطن
وجاء الكشف عن الاتصالات الفصائلية خلال مقابلة تناول قسم كبير منها قرار الولايات المتحدة رفض منح الرئيس محمود عباس والوفد الفلسطيني تأشيرات لدخول نيويورك والمشاركة شخصيًا في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، للعام الثاني على التوالي.
ووصف نزال القرار الأميركي بأنه «مؤسف جدًا»، وقال إنه لا يخدم المسار الذي تطالب به القيادة الفلسطينية لإقامة دولة مستقلة عاصمتها القدس الشرقية على حدود الرابع من حزيران/يونيو 1967.
وبرر لجوء القيادة الفلسطينية إلى الأمم المتحدة والمحاكم الدولية بالقول إن إسرائيل، وفق موقف فتح، رفضت المفاوضات وواصلت الاستيطان، ما دفع الفلسطينيين إلى اللجوء إلى المؤسسات الدولية للحصول على حقوقهم بالوسائل السياسية والقانونية.
وكانت الخارجية الأميركية قد بررت تمديد قيود التأشيرات باتهام السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير بعدم تنفيذ إصلاحات تعهدتا بها، وبمواصلة خطوات قالت واشنطن إنها «تقوض آفاق السلام»، من بينها التحرك أمام المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية والسعي للحصول على اعتراف دولي بدولة فلسطين.
الجمعية العامة تسمح لعباس بإلقاء كلمته بالفيديو
وفي تحديث لاحق مساء الخميس، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارًا يسمح للرئيس عباس بإلقاء كلمته أمام الاجتماعات رفيعة المستوى الأسبوع المقبل بواسطة تسجيل مصور بعد منعه من دخول الولايات المتحدة.
وحصل القرار على تأييد 152 دولة، مقابل معارضة ثلاث دول بينها الولايات المتحدة وإسرائيل، وامتناع أربع دول عن التصويت.
وتكرر بذلك ترتيبات العام الماضي، عندما اضطر الرئيس عباس أيضًا إلى مخاطبة الجمعية العامة عبر الفيديو بسبب رفض واشنطن إصدار تأشيرة له.
المناهج الفلسطينية تحت المراجعة
وتناول نزال كذلك الاتهامات الأميركية المتعلقة بالمناهج الفلسطينية، نافياً وجود ما وصفه بـ«التحريض» في المناهج أو الإعلام الرسمي الفلسطيني.
وقال إن المناهج الفلسطينية «قيد المراجعة»، وإن هناك توجهًا لتطويرها بما يتوافق مع معايير منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «يونسكو»، مع الحفاظ، وفق تعبيره، على التاريخ والهوية الوطنية الفلسطينية.
وفي مواجهة أسئلة بشأن كيفية تناول أراضي عام 1948 في المناهج، كرر نزال موقف فتح السياسي القائم على إقامة دولة فلسطينية على حدود الرابع من حزيران/يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، لكنه لم يقدم خلال المقابلة تفاصيل محددة بشأن المواد التي سيطالها التعديل أو مضمون التغييرات المرتقبة.
وتأتي تصريحات نزال قبل تسعة أيام فقط من الموعد المقرر لفتح باب الترشح، وسط صورة سياسية متشابكة: لجنة الانتخابات تواصل إجراءاتها، ونزال يؤكد أن فتح عازمة على خوض الاستحقاق، والرجوب يستبعد إجراءه في نوفمبر، فيما تقول حماس علنًا إنها ترفض التأجيل، في مقابل رواية جديدة لفتح بأنها والجهاد الإسلامي طلبتا سرًا إرجاء الانتخابات.
