سوءة العقل السياسي الفلسطيني

بقلم: جهاد حرب

جهاد حرب الكاتب والباحث السياسي الفلسطيني.jpg

جهاد حرب

إنّ عيوب السياسيين الفلسطينيين بجميع أطيافهم السياسية والفكرية "حزبيين أو مستقلين" ترتبط بمتلازمة سوءة العقل السياسي الفلسطيني، وعجزهم عن تحقيق الأهداف الوطنية بحدها الأدنى، ودخولهم في صراعات داخلية دون النظر للأثمان التي يدفعها الشعب الفلسطيني بمقتل أبناءه وضياع أرضه وضعف قدرته على مواجهة الاحتلال وسلب مقدراته الاقتصادية والاجتماعية، ودون النظر للشرعية الشعبية الواجبة بتمسكهم بالحكم كمكسب سلطوي أو لاحترام رأي المواطنين ورضاهم.

إنّ أولى سوءات العقل السياسي الفلسطيني تتمثل بالقدرة على هدر الوقت في اجتماعات ولقاءات والإسهاب في وصف الواقع وتحلله تفسره وتشخيصه بشكل دقيق للأمراض والاحتياجات والأزمات وذلك باستخدام الكثير من الأرقام والنسب المئوية وغيرها من أدوات شرح المعلم في المدرسة لطلابه. لكن دون تقديم حلول عملية أو فعل يعالج الأزمة المشخصة بعناية. وفي أتون هذه السوءة يخرج علينا بعض السياسيين بالادعاء؛ كأن يقولوا إنهم مَنْ حاولوا التغيير أو أنهم غيّر بالسلوك، ويعتقدون بأنّهم يستطيعون بالكلام المنمق أو القدرة على تطويع اللغة جذب الناس وايهامهم بأنّهم يحققون وعد الآخرة أو تحرير البلاد.

أما السوءة الثانية فترتبط بأحادية العقل السياسي الفلسطيني وعدم القبول بالآخر الفلسطيني، بل تجريمه كونه مختلف، وهي قائمة على الولاء كأساس في العلاقة بين الفصائل والقوى السياسية، بغض النظر عن حجم الاختلاف أو جوانبه، أو مدى تمثيله لشرائح مجتمعية أو تأييد شعبي. وفي هذا السياق تصبح كلمة المعارضة وصماً لبديل وجودي، أو بمعنى أدق مسبة بالعرف الفلسطيني يستحق صاحبها التجريم والإبعاد والتهميش، وليست منافسة بين فرقاء في ذات المكان دون تدمير الآخر. هذه السوءة تأتي من مفهوم العصبية القبلية التي لم يتحرر منها العقل السياسي الفلسطيني التي تتمثل بالغلبة أي الحوز على كل تفاصيل النظام والحياة بمجرد الفوز بغض النظر عن الطريقة بالانتخابات أو القوة المسلحة أولاً، وثانياً بوصاية الحاكم بأمر الله على المحكوم "الشعب وطموحاته" المغلوب على أمره أي التصرف بالنيابة عن الشعب دون النظر إلى مدى التأييد أو الرضا أو استدامة الثقة.

فيما تتمثل السوءة الثالثة بعدم الإيمان بالمراجعة والمساءلة والمحاسبة أو بتحمل المسؤولية عن الأخطاء والخطايا المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني خاصة في المجال السياسي، فعلى مدار ثلاثة وثلاثين عاما لم يقم أي فصيل أو سلطة حكم بمراجعة جدية للقرارات المصيرية التي اتخذتها؛ فلا تقييم لاتفاق أوسلو، أو لسلطة حماس في غزة بعد عام 2007، أو لعملية السابع من أكتوبر، أو لسياسية الصبر والصمود، بالإضافة إلى السياسيات الحكومية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وغيرها، بحيث تتولى الأطراف بموجب هذه المراجعة المسؤولية عن الإخفاقات والمصائب التي جرتها على الشعب الفلسطيني سواء كانت الفصائل أو الأشخاص الذين قاموا بها بشكل واضح وشفاف، وبإعلان نتائج المراجعة والمساءلة وتحمل المسؤولية.

بينما السوءة الرابعة هي البقاء الشخصي للمتنفذين في النظام السياسي؛ فهم مقدمون على الفصيل والفكرة وحتى على الشعب، بل تختزل في شخص المتنفذ وحده وهي فكرة مبنية على مفهوم زعيم القبيلة كمحرك أساسي لبقاء القبيلة ذاتها، وكأن المشروع الفلسطيني بالتحرر وإقامة الدولة مرهونة بوجوده، وغيابه يعني ضياع الفكرة والبلاد. والبقاء الشخصي للمتنفذين لا يستقر إلا إذا حصن مكانته في النظام السياسي الفلسطيني بالحوز لنفسه على عدة مناصب مجتمعة وجمع بيده صلاحيات متعددة للهيمنة والسيطرة، وهي السوءة الخامسة.

السوءة السادسة تتمثل بالهروب من المسؤولية الشخصية أو الحزبية لتحميل مسؤولية الفشل للشعب، وذلك بعدم الاعتراف بسوء إدارة الإمكانيات المتوفرة للسياسيين الفلسطينيين، أو ضعف قدرة الأشخاص في تحمل المسؤولية، أو عدم مناسبة الوسائل والأدوات المستخدمة وهي مرتبطة بشكل أساسي بالسوءة الفارطة "عدم المراجعة والمساءلة"؛ وذلك باستسهال إلقاء اللوم على الآخرين كالشعب والاحتلال والولايات المتحدة الامريكية والدول العربية والدول المانحة النظام الدولي وغيرها.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة قدس نت