«من يرمّم جراح المجتمع يحتاج من يسنده».. أخصائيو غزة يطلقون معركة نقابية من أجل الأجر العادل والحماية والعدالة الوظيفية.
أطلقت نقابة الأخصائيين الاجتماعيين والنفسيين الفلسطينية في محافظات غزة، الاثنين 21 سبتمبر/أيلول 2026، حملة إلكترونية ومطلبية تحت عنوان «خماسية الكرامة والتمكين للأخصائيين»، في تحرك يحمل بعدًا نقابيًا وإنسانيًا، ويهدف إلى انتزاع ضمانات مهنية واجتماعية للعاملين في مجال الدعم النفسي والاجتماعي، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى خدماتهم بفعل التداعيات النفسية والاجتماعية المتراكمة للحرب والنزوح والفقد والفقر والبطالة وتفكك أنماط الحياة الطبيعية في قطاع غزة.
وتضع الحملة في صلب تحركها خمسة حقوق تعتبرها النقابة قاعدة أساسية لاستقرار الأخصائي الاجتماعي والنفسي وقدرته على مواصلة دوره المهني والإنساني، تتمثل في تكافؤ الفرص والعدالة الوظيفية، والعمل اللائق في بيئة مهنية آمنة، والأجر العادل المتناسب مع حجم المسؤولية والعطاء، والحماية الاجتماعية الشاملة والمستدامة، إلى جانب الرعاية النفسية والذاتية للأخصائيين لمواجهة ضغوط العمل والاستنزاف المهني والنفسي.
وترى النقابة أن هذه المطالب لا تقتصر على تحسين الظروف الوظيفية للعاملين في القطاع النفسي والاجتماعي، وإنما ترتبط بصورة مباشرة بجودة الخدمات المقدمة للفلسطينيين، ولا سيما الفئات الأكثر هشاشة، في ظل حجم الصدمات والفقد والنزوح والضغوط المعيشية التي خلّفت حاجة واسعة إلى تدخلات نفسية واجتماعية مستمرة.
من يحمي مقدمي الدعم؟
وقال رئيس نقابة الأخصائيين الاجتماعيين والنفسيين الفلسطينية في محافظات غزة، الدكتور سلامة أبو زعيتر، في حديث خاص لـ«وكالة قدس نت للأنباء»، إن إطلاق الحملة جاء نتيجة ما وصفه بالحاجة الملحة إلى إعادة تنظيم الواقع المهني للأخصائيين وحمايتهم وضمان حقوقهم، بعدما أصبحوا جزءًا رئيسيًا من التدخلات الإنسانية والنفسية والاجتماعية في مختلف القطاعات.
وأوضح أبو زعيترأن النقابة انطلقت من خمس قضايا أساسية رأت أنها تشكل جوهر الأزمة التي يعيشها الأخصائيون، وفي مقدمتها الحاجة إلى ظروف عمل مناسبة، والحماية المهنية والاجتماعية، والعدالة في فرص التوظيف، وضمان أجر كريم، إضافة إلى توفير الرعاية النفسية للعاملين أنفسهم.
وأضاف أن الأخصائي النفسي والاجتماعي يعمل في كثير من الأحيان في بيئات شديدة الضغط، ويتعامل يوميًا مع قصص الفقد والصدمات والنزوح والعنف والفقر ومشكلات الأسر والأطفال، الأمر الذي يجعله معرضًا هو الآخر للاستنزاف النفسي والاحتراق الوظيفي.

وقال: «إذا كنا ننتظر من الأخصائي تقديم خدمة نفسية واجتماعية بجودة عالية، فعلينا في المقابل أن نحافظ على استقراره الاقتصادي والاجتماعي والنفسي، وأن نوفر له الحماية التي تمكنه من أداء واجباته».
وتلخص النقابة هذه المعادلة بمبدأ «من يداوي المداوي»، في إشارة إلى ضرورة عدم التعامل مع الأخصائي باعتباره مجرد مقدم خدمة قادرًا على امتصاص الضغوط إلى ما لا نهاية، وإنما مهنيًا يحتاج هو الآخر إلى بيئة تحمي صحته النفسية وحقوقه الاقتصادية والاجتماعية.
العدالة في التوظيف أولوية
وتضع الحملة ملف تكافؤ الفرص والعدالة الوظيفية في مقدمة مطالبها، في ظل ما تقول النقابة إنه توسع كبير في البرامج والمشروعات التي تتضمن تدخلات نفسية واجتماعية، من دون أن يقابله دائمًا تشغيل عادل ومنظم لأصحاب الاختصاص الأكاديمي والمهني.
وقال أبو زعيترإن عددًا من المؤسسات العاملة في المجالات النفسية والاجتماعية والإغاثية تستعين في بعض البرامج بأشخاص من خارج التخصص، رغم وجود خريجين وأخصائيين مؤهلين في علم النفس والخدمة الاجتماعية.
وطالبت النقابة بأن تمنح الأولوية في الوظائف التي تتطلب تدخلات نفسية واجتماعية للمتخصصين الحاصلين على المؤهلات الأكاديمية المناسبة، وأن تكون شروط التوظيف واضحة ومعلنة ومتاحة بصورة متكافئة أمام جميع المؤهلين.
وشدد أبو زعيترعلى ضرورة وجود إجراءات أكثر شفافية ونزاهة في عمليات التعيين، وإخضاع فرص العمل لمعايير الكفاءة والمؤهل والخبرة بدلًا من أي اعتبارات أخرى، إلى جانب توفير آليات رقابة ومتابعة تضمن عدالة المنافسة على الوظائف.
كما تدعو النقابة إلى تنسيق أكبر بينها وبين المؤسسات المشغلة عند تصميم برامج التوظيف والتدخلات النفسية والاجتماعية، بما يساهم، وفق زعيتر، في بناء علاقة أكثر تنظيمًا بين الشركاء الاجتماعيين وحماية المهنة من العشوائية.
«ميثاق شرف» ومدونة سلوك لتنظيم سوق العمل
ولا تتوقف الحملة عند المطالب المالية والوظيفية، إذ تسعى النقابة إلى بناء مرجعية مهنية تضبط العلاقة بين الأخصائي والمؤسسات المشغلة.
وأوضح أبو زعيتر أن النقابة تعمل على الدفع باتجاه صياغة ميثاق شرف ومدونة سلوك مهنية تنظم شروط التشغيل والعلاقة بين المؤسسات والأخصائيين، وتحدد الحقوق والالتزامات المتبادلة، بما يوفر مرجعية واضحة للتعامل مع الإشكاليات التي قد تنشأ أثناء العمل.
وأشار إلى أن بعض المؤسسات أبدت بالفعل استعدادها للتوقيع على مدونة السلوك والتعاون مع النقابة في صياغة إطار ينظم العلاقة المهنية وشروط التشغيل.
وأضاف أن وجود مثل هذه المرجعية يمكن أن يضمن حقوق المؤسسة والأخصائي على حد سواء، ويحد من حالة عدم الاستقرار التي تميز جزءًا كبيرًا من برامج التشغيل المؤقتة.
وتتطلع النقابة، بحسب أبو زعيتر، إلى تحويل الحملة من نشاط إلكتروني إلى مسار مهني مستدام، يشمل حوارًا مع المؤسسات الأهلية والدولية والجهات الحكومية المعنية للوصول إلى قواعد واضحة للتشغيل والحماية والأجور.
مطالب للوزارات والجهات الحكومية
ووجهت النقابة رسائل مباشرة إلى الجهات الحكومية ذات الاختصاص، وفي مقدمتها وزارات العمل والصحة والتنمية الاجتماعية والجهات المسؤولة عن قطاعات الإغاثة والتشغيل، مطالبة إياها بتحمل دور رقابي وتنظيمي أكثر فاعلية في سوق العمل المرتبط بالصحة النفسية والخدمات الاجتماعية.
وطالب أبو زعيتر بأن تعمل الجهات الحكومية على ضمان حصول الأخصائيين على فرص عمل عادلة، ومراقبة برامج التشغيل التي تنفذها المؤسسات، والتأكد من توظيف أشخاص مؤهلين في البرامج التي تتطلب تخصصًا نفسيًا أو اجتماعيًا.
كما دعا إلى وضع خريجي تخصصات الخدمة الاجتماعية وعلم النفس والصحة النفسية ضمن أولويات برامج دمج الخريجين في سوق العمل، وعدم إبقاء هذه التخصصات على هامش مشاريع التشغيل، خصوصًا مع اتساع الاحتياج إليها في قطاع غزة.
وترى النقابة أن أي برامج مستقبلية للتعافي وإعادة الإعمار ينبغي ألا تقتصر على البنية التحتية والمساعدات المادية، بل يجب أن تتضمن مكونًا نفسيًا واجتماعيًا ثابتًا، باعتبار أن إعادة بناء المجتمع لا تقل أهمية عن إعادة بناء المنشآت.
دعوة للمؤسسات الدولية والأهلية
وشملت مطالب الحملة المؤسسات الدولية المانحة والمنظمات الإنسانية والمؤسسات الأهلية العاملة في غزة، إذ دعت النقابة إلى تخصيص جزء واضح من موازنات المشروعات الإنسانية والإغاثية لرواتب وأجور الأخصائيين الذين ينفذون تدخلات الدعم النفسي والاجتماعي.
وقال أبو زعيتر إن المطلوب هو الانتقال من التعامل مع الأخصائي باعتباره موردًا بشريًا مؤقتًا أو متطوعًا بصورة دائمة إلى الاعتراف به كجزء أصيل من أي استجابة إنسانية.
وطالب بأن تصبح موازنات برامج الإغاثة والتعليم والصحة ومراكز الإيواء والتشغيل متضمنة بصورة منهجية بندًا للدعم النفسي والاجتماعي، وما يستلزمه ذلك من تشغيل متخصصين بأجور عادلة.
كما دعت النقابة إلى إعادة النظر في ظاهرة الاعتماد الممتد على العمل التطوعي غير المدفوع، مؤكدة أن التطوع، عندما يكون ضروريًا، ينبغي أن يكون محدود المدة ومنظمًا ويوفر الحد الأدنى من الحماية والمقابل للأخصائي، إلى حين دمجه بصورة مهنية في سوق العمل.
وتشير النقابة إلى أن بعض المؤسسات بدأت بالفعل بالتحرك نحو اعتماد صيغ تطوع مدفوع أو مكافآت مالية محددة للعاملين في برامج الصحة النفسية والاجتماعية، وهي خطوات تأمل أن تتوسع خلال الفترة المقبلة.
غزة.. حاجة متزايدة إلى الأخصائيين
ويربط القائمون على الحملة مطالبهم بخصوصية الواقع في قطاع غزة، حيث يقول أبو زعيتر إن سنوات الحرب والنزوح والفقد والدمار والجوع والفقر والبطالة تركت آثارًا نفسية واجتماعية عميقة على مختلف شرائح المجتمع.
وأشار إلى أن الأطفال والنساء وكبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة والشباب والعمال والنازحين، إضافة إلى العاملين في قطاعات الصحة والتعليم والإغاثة، تعرضوا لمستويات متفاوتة من الصدمات والضغوط النفسية والاجتماعية.
وأضاف أن الحاجة إلى الأخصائي النفسي والاجتماعي باتت تمتد إلى المستشفيات ومخيمات ومراكز الإيواء والمدارس ومواقع العمل والبرامج الإغاثية، وليس فقط إلى المؤسسات المتخصصة في العلاج النفسي.
وتشمل التدخلات التي يقوم بها الأخصائيون، وفق النقابة، الإسعاف النفسي الأولي، والدعم النفسي، والتفريغ الانفعالي، والتعامل مع حالات الفقد والصدمات، وتنشيط الأطفال، ومساندة الأسر والجماعات، إلى جانب برامج الرعاية الذاتية وتعزيز السلم الأهلي والتماسك المجتمعي.
وقال أبو زعيتر إن الأخصائيين باتوا يمثلون إحدى «الخطوط الأولى» في مواجهة التداعيات الاجتماعية والنفسية للأزمات، الأمر الذي يجعل الحفاظ على استقرارهم المهني والمعيشي جزءًا من قدرة المجتمع نفسه على التعافي.
حقوق تشمل الأخصائيين من ذوي الإعاقة
وأفردت الحملة مساحة للتأكيد على حقوق الأخصائيين من ذوي الإعاقة، معتبرة أن مفهوم العمل اللائق لا يكتمل دون توفير بيئة مهنية شاملة، وتسهيلات مناسبة، وفرص متكافئة، وإزالة العقبات التي قد تحول دون مشاركتهم الكاملة في سوق العمل.
وأكدت النقابة أن بيئة العمل الآمنة لا تعني فقط السلامة الجسدية، وإنما تشمل احترام ساعات العمل، وتوفير الأدوات اللازمة، والحماية النفسية والمهنية، وعدم التمييز، والحفاظ على كرامة الأخصائي كإنسان ومهني.
تفاعل إلكتروني يركز على الوظائف والأجور والاستقرار
وشهدت الحملة تفاعلًا من أخصائيين وعاملين ونشطاء عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تركز جانب كبير منه حول العدالة في التوظيف، والأجر العادل، والاستقرار الوظيفي، والحاجة إلى الانتقال بالمطالب من الشعارات إلى إجراءات عملية.
ودعا مشاركون إلى اعتماد معايير واضحة ومعلنة للتوظيف والترقية تستند إلى المؤهلات والخبرة والكفاءة، وتشكيل لجان تقييم متخصصة ومستقلة، ووضع أنظمة نقاط ومعايير موثقة للاختيار، إلى جانب فتح المجال للاعتراض والتظلم عند وقوع تجاوزات.
وذهب مشاركون آخرون إلى التركيز على هشاشة العقود المستخدمة في مشاريع الرعاية النفسية والاجتماعية، مشيرين إلى أن اعتماد عقود قصيرة لثلاثة أو ستة أشهر يبقي الأخصائي في حالة عدم استقرار وظيفي ومعيشي، ويحول الدعم النفسي والاجتماعي إلى تدخل طارئ ومتقطع بدلًا من أن يصبح مسارًا مستدامًا.
وقالت الأخصائية داليا العمودي في تفاعلها مع الحملة إن القلق المتواصل بشأن العقد المقبل والوضع المعيشي ينعكس على قدرة الأخصائي على الإبداع في عمله، معتبرة أن الاستقرار المالي والوظيفي للكادر الميداني يمثل عنصرًا رئيسيًا في نجاح البرامج التنموية والإغاثية.
أما تهاني محمد فدعت إلى نقل صوت الأخصائيين النفسيين والاجتماعيين في غزة «من الهامش إلى مركز القرار»، متسائلة عن قدرة الأخصائي الذي يواجه ضائقة اقتصادية قاسية على تقديم دعم نفسي متوازن للآخرين.
كما شدد مشاركون على أن بيئة العمل الآمنة ليست امتيازًا، بل حق مهني، فيما دعا آخرون المؤسسات الأهلية والدولية إلى إعادة هيكلة العقود وتخصيص أجور عادلة للأخصائيين بما يسمح ببناء قطاع نفسي واجتماعي أكثر استقرارًا.
من الحملة الإلكترونية إلى التأثير في القرار
وتأمل النقابة أن تتجاوز «خماسية الكرامة والتمكين» نطاق التفاعل الإلكتروني لتؤثر على سياسات صناع القرار والمؤسسات المشغلة والجهات المانحة.
وقال أبو زعيتر إن المؤشرات الأولية أظهرت استعداد بعض المؤسسات للتعاون مع النقابة والتوقيع على مدونة السلوك والمشاركة في صياغة ميثاق ينظم علاقات العمل، متوقعًا توسع دائرة الاستجابة خلال الفترة المقبلة.
وأكد أن الهدف النهائي ليس المطالبة بامتيازات، وإنما بناء إطار مهني يضمن للأخصائي الحد الأدنى من الاستقرار والحماية الذي يسمح له بمواصلة دوره تجاه المجتمع.
وكانت النقابة قد خصصت الفترة من الساعة الحادية عشرة صباحًا حتى الواحدة ظهر الاثنين لحملة تغريد إلكترونية عبر مجموعة من الوسوم، أبرزها #كرامة_الأخصائي و**#خماسية_الكرامة_والتمكين_للأخصائيين** و**#حقوق_الأخصائيين**، داعية الأخصائيين والمؤسسات والنشطاء والمهتمين إلى دعم المطالب ونقلها إلى الجهات المسؤولة.
وتؤكد النقابة أن القضية تتجاوز حدود المطالبة بحقوق فئة مهنية بعينها، إذ ترى أن استقرار من يقدمون الدعم النفسي والاجتماعي يمثل استثمارًا مباشرًا في تماسك المجتمع الفلسطيني وقدرته على تجاوز الصدمات، وأن حماية الأخصائي وأجره واستقراره ورعايته النفسية تشكل عناصر مترابطة لضمان استمرار الخدمة للناس.
وفي قطاع يعيش تراكمًا غير مسبوق للصدمات والفقد والنزوح والضغوط المعيشية، تختصر النقابة فلسفة حملتها برسالة مفادها أن من يسند المجتمع في أزماته المتعاقبة يحتاج هو الآخر إلى من يسنده، وأن حماية من يعملون على ترميم آثار الصدمة ليست شأنًا نقابيًا فقط، بل ضرورة إنسانية ومجتمعية لاستدامة التعافي والصمود.
