برنهام يصعّد انتقاده لحكومة إسرائيل: التهديدات لا تبرر ما يجري في غزة والضفة و«E1» يهدد حل الدولتين
صعّد رئيس الوزراء البريطاني آندي برنهام انتقاداته لسياسات الحكومة الإسرائيلية في قطاع غزة والضفة الغربية، مؤكدًا أن التهديدات الأمنية التي تواجهها إسرائيل، بما في ذلك من إيران، لا تبرر أفعال حكومتها بحق الفلسطينيين، ومحذرًا من أن التوسع الاستيطاني ومشروع E1 يهددان بصورة مباشرة إمكانية إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة.
وقال برنهام، في كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، إن بريطانيا تواصل إدانة هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 وحركة حماس، وتقف إلى جانب إسرائيل في مواجهة التهديدات الأمنية، لكنه شدد في المقابل على أن ذلك "لا يبرر أفعال الحكومة الإسرائيلية في غزة أو الضفة الغربية".
وأضاف أن أعدادًا كبيرة من الفلسطينيين قُتلوا في قطاع غزة، بينهم أطفال، فيما لا تزال المساعدات الإنسانية التي تدخل القطاع أقل بكثير من احتياجات السكان، مؤكدًا أن الحكومة البريطانية لن تقف متفرجة مع استمرار تفاقم المعاناة وتقويض فرص حل الدولتين.
ووضع برنهام القضية الفلسطينية ضمن أبرز النزاعات التي قال إن المجتمع الدولي مطالب بالتحرك لإنهائها، مشددًا على أن الحديث عن حل الدولتين لم يعد كافيًا ما لم يقترن بإجراءات عملية تحافظ على إمكانية قيام دولة فلسطينية.
وقال إن حل الدولتين يمثل، من وجهة نظر الحكومة البريطانية، المسار الذي يمكن أن يحقق الأمن والاستقرار للفلسطينيين والإسرائيليين، مؤكدًا أن لندن ستعمل مع شركائها لمنع إغلاق هذا المسار.
تحذير من «E1»: تقسيم الضفة وتقويض الدولة الفلسطينية
وخصّ برنهام مشروع E1 الاستيطاني بانتقادات واضحة، محذرًا من أن تنفيذه من شأنه أن يشطر الضفة الغربية ويقوض التواصل الجغرافي اللازم لقيام دولة فلسطينية.
وتأتي تصريحاته بعد أن وسعت إسرائيل خلال سبتمبر/أيلول الجاري خطط البناء في منطقة E1، مع طرح عطاء لإقامة 2,167 وحدة استيطانية إضافية، ما رفع عدد الوحدات المشمولة في المشروع إلى نحو 3,401 وحدة، بحسب منظمات إسرائيلية تتابع النشاط الاستيطاني. ويقول الفلسطينيون ودول غربية ومنظمات حقوقية إن المشروع سيقطع التواصل بين شمال الضفة وجنوبها ويعزل القدس الشرقية عن محيطها الفلسطيني، بينما يقول مسؤولون إسرائيليون مؤيدون للمشروع إنه يهدف، ضمن أمور أخرى، إلى منع قيام دولة فلسطينية.
وكانت بريطانيا وفرنسا وكندا قد حذرت، في بيان مشترك في الثامن من سبتمبر/أيلول، من أن التوسع الاستيطاني ومشروع E1، إلى جانب تصاعد عنف المستوطنين، يشكلان "تهديدًا مباشرًا وملحًا" لحل الدولتين.
بريطانيا تنتقل من الانتقاد إلى إجراءات ضد المستوطنات
وتأتي تصريحات برنهام بعد سلسلة إجراءات أعلنتها حكومته ضد النشاط الاستيطاني الإسرائيلي في الضفة الغربية، في تحول من التصريحات السياسية إلى خطوات اقتصادية ودبلوماسية.
وأعلنت الحكومة البريطانية حظر التجارة في السلع مع المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، إلى جانب فرض عقوبات على أفراد وشركات تدعم أو تسهّل النشاط الاستيطاني، بما يشمل جهات قد تشارك في تنفيذ مشروع E1. كما أعلنت لندن أن موقفها القانوني يعتبر الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية غير قانوني، بما يتوافق مع الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية.
وشدد برنهام عند إعلان الإجراءات على أنها تستهدف سياسات الحكومة الإسرائيلية والنشاط الاستيطاني، وليس الإسرائيليين أو اليهود في بريطانيا، مؤكدًا في الوقت نفسه التزام حكومته بمواجهة معاداة السامية.
وأثارت الإجراءات البريطانية ردًا إسرائيليًا، إذ أعلنت إسرائيل إغلاق القنصلية البريطانية في القدس الشرقية واتخاذ إجراءات أخرى بحق لندن، منتقدة القيود البريطانية على التجارة مع المستوطنات.
«لا يمكن الاكتفاء بالحديث عن حل الدولتين»
وأكد برنهام أن الموقف البريطاني ينطلق من قناعة بأن استمرار الاستيطان وتغيير الوقائع على الأرض قد يجعل حل الدولتين غير قابل للتطبيق، قائلًا إن المجتمع الدولي تحدث لسنوات عن هذا الحل، لكن الحفاظ عليه يتطلب ترجمة المواقف السياسية إلى إجراءات.
وكان رئيس الوزراء البريطاني قد قال، عند إعلان الإجراءات ضد المستوطنات في وقت سابق هذا الشهر، إن بريطانيا كانت مترددة لفترة طويلة في اتخاذ خطوات عملية، وإن حكومته قررت ممارسة ضغط مباشر على السياسات الإسرائيلية التي ترى أنها تهدد قيام الدولة الفلسطينية.
وفي المقابل، تؤكد الحكومة الإسرائيلية أن سياساتها الأمنية والعسكرية تأتي في إطار مواجهة حماس والتهديدات الإقليمية وحماية الإسرائيليين، وترفض مواقف دولية عدة بشأن المستوطنات، فيما تعتبر معظم دول العالم والأمم المتحدة المستوطنات المقامة في الأراضي الفلسطينية المحتلة مخالفة للقانون الدولي.
غزة وإيران في خطاب واحد
وفي موازاة انتقاداته لإسرائيل، جدد برنهام موقف لندن الرافض لهجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول، وإدانته لحماس، مؤكدًا وقوف بريطانيا إلى جانب إسرائيل في مواجهة التهديدات الإيرانية.
وجاءت تصريحاته في وقت تشهد فيه المنطقة تحركات دبلوماسية مكثفة لخفض التصعيد مع إيران، بالتزامن مع محادثات أميركية-إيرانية في نيويورك، فيما تعمل بريطانيا وفرنسا وشركاؤهما على دعم حرية الملاحة في الخليج ومنع اتساع نطاق المواجهة الإقليمية.
وشدد برنهام على أن الاعتراف بالمخاوف الأمنية الإسرائيلية لا يعني، بحسب موقفه، منح الحكومة الإسرائيلية غطاءً مفتوحًا لسياستها في غزة والضفة الغربية.
رسائل بشأن أوكرانيا والسودان
وتطرق رئيس الوزراء البريطاني كذلك إلى الحرب في أوكرانيا، مؤكدًا أن بلاده لا تسعى إلى مواجهة مباشرة مع روسيا، لكنها ستبقى موحدة مع حلفائها في دعم أوكرانيا.
وقال إن لندن ستتعامل مع التوترات الدولية بـ"الاستعداد والوضوح والهدوء"، مجددًا دعم بلاده لكييف وإشادته بصمود الأوكرانيين.
كما دعا إلى تكثيف الجهود الدولية لإنهاء النزاعات التي تتسبب في أزمات إنسانية واضطرابات واسعة، وفي مقدمتها الحرب في السودان، معتبرًا أن على المجتمع الدولي عدم السماح باستمرار الحروب المفتوحة دون مسارات سياسية جدية لإنهائها.
وفي الملف الفلسطيني، ركز برنهام رسالته على أن الاستمرار في الحديث عن حل الدولتين بالتوازي مع اتساع الاستيطان وتدهور الأوضاع في غزة لم يعد كافيًا، وأن لندن ستواصل اتخاذ خطوات تقول إنها تستهدف حماية إمكانية إقامة الدولة الفلسطينية ومنع مشروع E1 من فرض واقع جديد في الضفة الغربية.
