قبل «الزلزال».. رسالة السنوار وصلت إلى إسرائيل فمن تجاهل دلالاتها؟ قناة سرية وتحذيرات سبقت 7 أكتوبر

الوزير الفلسطيني السابق سفيان أبو زايدة

قبل 7 أكتوبر بـ22 يوماً.. السنوار حذّر إسرائيل من «زلزال» والشاباك تحرك: من حوّل الإنذار إلى معلومة بلا إجراء؟

كشف وثائقي لقناة «الغد» تفاصيل جديدة عن قناة خلفية غير معلنة استمرت نحو عام ونصف العام بين حركة حماس وإسرائيل، وتركزت أساساً على محاولة التوصل إلى صفقة لتبادل الأسرى، قبل أن تتحول في أسابيعها الأخيرة إلى مسار حمل، وفق شهادة الوزير الفلسطيني السابق سفيان أبو زايدة، تحذيراً مباشراً من رئيس حركة حماس في قطاع غزة آنذاك يحيى السنوار إلى الجانب الإسرائيلي بشأن «زلزال» قادم إذا استمر تعثر المفاوضات.

وتكتسب شهادة أبو زايدة أهمية إضافية بعد أن تناولتها، خلال الأيام الأخيرة، وسائل إعلام إسرائيلية بينها القناة 12 و«واللا» و«يديعوت أحرونوت»، وربطتها بتقارير وتحقيقات إسرائيلية سابقة ولاحقة بشأن معلومات وتحذيرات وصلت إلى أجهزة الأمن الإسرائيلية قبل هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، لكنها لم تتحول إلى تقدير استخباري يقود إلى استعداد ميداني يتناسب مع حجم التهديد.

وتطرح التفاصيل الجديدة سؤالاً يتجاوز مجرد معرفة ما إذا كان التحذير قد وصل إلى إسرائيل، إلى سؤال أكثر تعقيداً: كيف قُرئت رسالة السنوار داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، وإلى أي مستوى سياسي وصلت، ولماذا لم تنعكس على طبيعة الانتشار والاستعداد على حدود قطاع غزة قبل أسابيع قليلة من 7 أكتوبر؟

قناة بدأت بملف الأسرى

وبحسب أبو زايدة، بدأت القصة في منتصف آذار/مارس 2022، عندما اتصل به عضو المكتب السياسي لحماس غازي حمد وطلب مساعدته في تحريك ملف تبادل الأسرى، الذي ظل متعثراً لسنوات.

وكانت حماس تحتجز في ذلك الوقت إسرائيليين اثنين إضافة إلى جثماني جنديين إسرائيليين منذ حرب عام 2014.

ويقول أبو زايدة إنه سأل حمد بداية عما إذا كان يحمل تفويضاً رسمياً، ليتلقى منه تأكيداً بأن التحرك جاء بموافقة السنوار.

واستند اختيار أبو زايدة، بحسب الوثائقي، إلى تجربته السابقة كأسير في سجون الاحتلال وعمله في ملفات الأسرى ومشاركته في مفاوضات سابقة، فضلاً عن معرفته بمسؤولين إسرائيليين عملوا في هذا الملف.

ويقول إنه استعان بمسؤول أمني إسرائيلي سابق كان قد تولى سابقاً ملفات تفاوضية نيابة عن جهاز الأمن العام الإسرائيلي «الشاباك»، لنقل رسالة أولية حول استعداد حماس للدخول في مسار تفاوضي.

وبعد أيام، طلب الجانب الإسرائيلي لقاء أبو زايدة للتأكد من طبيعة التفويض الذي يحمله ومن الجهة التي تقف خلف المسار.

وبحسب روايته، أبلغ مسؤولاً من مكتب رئيس «الشاباك» بأن السنوار هو صاحب التفويض، وأن غازي حمد تولى التواصل المباشر معه.

لقاء مباشر مع السنوار

وفي يوليو/تموز 2022، يقول أبو زايدة إنه التقى السنوار في غزة بحضور غازي حمد وروحي مشتهى، حيث جرى تحديد مجموعة من الأولويات التي تريدها حماس في أي صفقة محتملة.

ووفق شهادته، شملت المطالب الإفراج عن النساء والأسرى دون سن الثامنة عشرة وأسرى صفقة شاليط الذين أعاد الاحتلال اعتقالهم، إلى جانب المرضى والأسرى القدامى الذين أمضوا فترات طويلة داخل السجون.

وكان ملف الأسرى ذوي الأحكام المرتفعة أو الذين ترفض إسرائيل الإفراج عنهم أحد أبرز مواضع الخلاف.

ويضيف أبو زايدة أن الاتصالات تطورت لاحقاً إلى لقاء جمعه برئيس «الشاباك» آنذاك رونين بار، حيث نقل إليه بصورة مباشرة محددات حماس بشأن الصفقة.

وبحسب روايته، أبلغ الجانب الإسرائيلي بأن أي اتفاق لن يكون ممكناً دون تغيير موقفه من الإفراج عن أسرى قدامى وأسرى صدرت بحقهم أحكام مرتفعة.

ويقول أبو زايدة إن الجانب الإسرائيلي تحدث في المقابل عن إمكانية منح قطاع غزة تسهيلات اقتصادية ومدنية واسعة إذا تم إغلاق ملف الأسرى، بما يشمل زيادة تصاريح العمال وتحسين الكهرباء والبنية التحتية وإزالة عقبات تتعلق بإعادة الإعمار.

من المبادئ إلى تبادل الأسماء

ويفيد الوثائقي بأن القناة انتقلت لاحقاً من مناقشة المبادئ العامة إلى تبادل أسماء أسرى بصورة فعلية.

ويعرض أبو زايدة ورقة يقول إنها بخط يد السنوار، تضمنت نقاطاً تتعلق بالمفاوضات.

ووفق شهادته، بدأت منذ سبتمبر/أيلول 2022 مفاوضات وصفها بـ«الجدية»، شملت تبادل قوائم وأسماء وقبول بعضها ورفض أخرى، واستمرت بصورة متقطعة حتى سبتمبر/أيلول 2023.

لكن الفجوة بقيت كبيرة؛ إذ اعتبر السنوار، وفق أبو زايدة، أن ما تعرضه إسرائيل أقل بكثير من الحد الذي يمكن القبول به، فيما أصر الجانب الإسرائيلي على أنه وصل إلى أقصى ما يمكن تقديمه مقابل الإسرائيليين الأربعة الذين كانوا في غزة.

14 سبتمبر.. اللقاء الذي غيّر طبيعة الرسائل

النقطة الأكثر حساسية في شهادة أبو زايدة ترتبط بلقاء عقد، بحسب روايته، في مكتب السنوار بمدينة غزة في 14 سبتمبر/أيلول 2023، أي قبل هجوم السابع من أكتوبر بنحو ثلاثة أسابيع.

ويقول أبو زايدة إن الاجتماع بدأ بصورة اعتيادية، وتناول الأوضاع في غزة ومشاريع إعادة الإعمار وملف الأسرى، قبل أن يطلب السنوار منه تدوين رسالة موجهة إلى الإسرائيليين.

وبحسب النص الذي أورده أبو زايدة في وثائقي «الغد»، قال السنوار إن التقدم الذي حدث في المفاوضات «لا يكفي»، وإنه «حتى قبل نهاية شهر سبتمبر» سيضع «أوراقاً على الطاولة تُحدث زلزالاً» في ملف التفاوض، وطالب إسرائيل بالاستعداد لـ«تبييض السجون».

وأكد أبو زايدة أنه سأل السنوار مباشرة عما إذا كان يريد منه نقل هذا الكلام إلى الإسرائيليين، فقال له، وفق روايته، إنه أملاه عليه «كلمة بكلمة وحرفاً بحرف» كي يصل إليهم كما هو.

ويتطابق جوهر هذه الشهادة مع تقارير حديثة نشرتها وسائل إعلام إسرائيلية، قالت إن السنوار استخدم في اتصالاته عبر الوسيط الفلسطيني كلمة «زلزال»، وإن الرسالة تحدثت عن «مفاجأة كبيرة» إذا لم تحرز مفاوضات الأسرى تقدماً.

«لم ينم أحد في المؤسسة الأمنية»

ويقول أبو زايدة إنه نقل الرسالة إلى قناة الاتصال الإسرائيلية بالعربية والعبرية لتجنب أي التباس في الترجمة.

وبعد أقل من نصف ساعة، بحسب روايته، تلقى اتصالاً يسأله عما إذا كان متأكداً من أن السنوار طلب بالفعل نقل الرسالة بهذه الصيغة.

ثم تلقى بعد نحو ساعتين طلباً بعقد اجتماع عاجل صباح اليوم التالي.

ويقول إنه حضر في صباح 15 سبتمبر/أيلول اجتماعاً مع مسؤولين إسرائيليين في منطقة عسقلان، حيث تركزت الأسئلة حول المقصود بـ«الأوراق» التي سيضعها السنوار على الطاولة، وما الذي يعنيه تحديداً بكلمة «الزلزال».

وبحسب أبو زايدة، قال له المشاركون في الاجتماع إن «أحداً في المؤسسة الأمنية لم ينم تلك الليلة» بسبب الرسالة، وسألوه عن الحالة النفسية للسنوار أثناء اللقاء وما إذا كان غاضباً أو منفعلًا، فأجاب بأنه كان هادئاً.

ولا يمكن بصورة مستقلة التحقق من جميع تفاصيل هذه الاجتماعات أو العبارات المنسوبة إلى المسؤولين الإسرائيليين، لكن وسائل إعلام إسرائيلية أكدت في الأيام الأخيرة أن معلومات بشأن تهديد السنوار وصلت بالفعل إلى «الشاباك» في منتصف سبتمبر/أيلول 2023.

الإعلام العبري: التحذير وصل إلى «الشاباك»

وفي تحديث نشرته القناة 12 الإسرائيلية مساء الثلاثاء 23 سبتمبر/أيلول 2026، ونقلته وسائل إعلام إسرائيلية أخرى، قالت القناة، نقلاً عن ثلاثة مسؤولين إماراتيين كبار قالت إنهم مطلعون مباشرة على القضية، إن الاستخبارات الإماراتية أبلغت «الشاباك» في سبتمبر 2023 بمعلومات تشير إلى احتمال قيام حماس بتحرك عنيف قبل نهاية الشهر.

ووفق التقرير، كانت المعلومة الإماراتية متطابقة إلى حد كبير مع التحذير الذي تلقاه «الشاباك» عبر قناة أخرى مرتبطة بالسنوار، بشأن «زلزال» محتمل على خلفية تعثر ملف الأسرى.

كما ذكرت تقارير إسرائيلية أن رئيس «الشاباك» رونين بار تلقى المعلومات في 15 سبتمبر/أيلول 2023، وأنها انتقلت إلى مستويات عليا، فيما عقد مسؤولون أمنيون بعد أيام تقييماً للوضع.

وبحسب ما نقلته «جيروزاليم بوست» عن التحقيق، حذر بار في ذلك الاجتماع من أن إسرائيل تسير نحو «مسار تصادمي»، وطرح خيارات تتراوح بين اتخاذ خطوة هجومية قوية أو تعزيز الإجراءات الدفاعية في غزة والضفة الغربية قبل الأعياد اليهودية، لكن التقرير قال إن الاجتماع انتهى من دون اتخاذ قرارات عملية حاسمة.

هل أسيء تفسير «الزلزال»؟

ومن أكثر التفاصيل إثارة للأسئلة ما نشرته القناة 12 الإسرائيلية في 18 سبتمبر/أيلول، إذ قالت إن المعلومات المتعلقة بتحذير السنوار كانت مصنفة داخل المؤسسة الأمنية على أنها شديدة الحساسية، لكن تفسيراً داخل الأجهزة الأمنية ذهب في اتجاه مختلف عن احتمال تنفيذ هجوم واسع.

ووفق القناة، جرى تفسير الرسالة في مرحلة ما بأنها قد تتعلق بخطوة تخص الباحثة الإسرائيلية الروسية إليزابيث تسوركوف، التي كانت محتجزة في العراق آنذاك، بدلاً من التعامل معها بالضرورة بوصفها تحذيراً من عملية عسكرية واسعة انطلاقاً من غزة.

وتبقى هذه النقطة تحديداً موضعاً مهماً للتحقق، لأنها تفرق بين وصول معلومة أمنية غامضة وبين وصول تحذير تم تفسير دلالته على نحو خاطئ.

تحرك إماراتي للتأكد من وصول الرسالة

وتربط تحقيقات إسرائيلية حديثة القناة التي تحدث عنها أبو زايدة أيضاً بتحرك إماراتي قبل 7 أكتوبر.

وبحسب تقارير «يديعوت أحرونوت» و«تايمز أوف إسرائيل» و«جيروزاليم بوست»، دفعت المخاوف من الرسالة قيادة الإمارات إلى التأكد من أن التحذير وصل إلى المستوى السياسي الإسرائيلي.

وتقول هذه التقارير إن الرئيس الإماراتي الشيخ محمد بن زايد أجرى اتصالاً برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قبل 7 أكتوبر بأيام، على خلفية معلومات تشير إلى أن حماس قد تكون بصدد تنفيذ تحرك كبير.

وفي المقابل، نفى نتنياهو، بحسب وسائل إعلام إسرائيلية، تلقي تحذير إماراتي مسبق من هجوم حماس بهذه الصيغة، فيما لا تزال هناك روايات متعارضة بشأن مضمون الاتصال والمعلومات التي كانت متاحة لكل مستوى من مستويات القرار الإسرائيلي.

التحقيقات العسكرية نفسها تقر بفشل أوسع

ولا تأتي شهادة أبو زايدة في فراغ، إذ تتقاطع مع صورة أوسع رسمتها التحقيقات الإسرائيلية الرسمية بشأن الإخفاق الذي سبق 7 أكتوبر.

ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2025، خلص فريق خبراء شكله رئيس أركان جيش الاحتلال لمراجعة تحقيقات 7 أكتوبر إلى ستة عوامل مركزية وراء الإخفاق، بينها «فشل مفاهيمي» في قراءة حماس وقطاع غزة، وفشل استخباري في فهم التهديد وتوفير الإنذار، وعدم التعامل الكافي مع خطة «جدار أريحا»، إضافة إلى قصور في الاستعداد العملياتي وفي عملية اتخاذ القرار ليلة الهجوم.

وقال التقرير العسكري إن الاستخبارات العسكرية فشلت في تقديم الإنذار، وإن منظومة جمع المعلومات المتعلقة بغزة استندت إلى مصادر محدودة لم تكن كافية لكشف الانتقال من الوضع الاعتيادي إلى التحضير لهجوم واسع.

كما أقر بأن جيش الاحتلال كان في حالة روتينية وبمستوى استعداد منخفض في الوقت الذي كانت فيه كتائب القسام تتحول من الروتين إلى الاستعداد للهجوم.

وتثير هذه الخلاصات، إلى جانب رسالة «الزلزال»، أسئلة حول ما إذا كان الإخفاق الإسرائيلي ناجماً عن غياب المعلومات، أم عن طريقة قراءة المعلومات التي كانت موجودة بالفعل وربطها ببعضها.

موعد آخر لم يحدث

ويقول أبو زايدة إنه عاد إلى غزة في 5 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وكان من المقرر أن يلتقي السنوار مجدداً في الثامن من الشهر ذاته.

لكن الموعد لم يأت.

ففي صباح 7 أكتوبر شنت حماس وفصائل فلسطينية أخرى هجوماً واسعاً على بلدات ومواقع عسكرية إسرائيلية في محيط قطاع غزة، أعقبه اندلاع الحرب على القطاع.

وبذلك انتهت عملياً قناة التفاوض التي يقول أبو زايدة إنها ظلت مفتوحة لنحو عام ونصف.

أما كلمة «الزلزال» التي أثارت تساؤلات داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية قبل ثلاثة أسابيع، فقد أصبحت بعد الهجوم محوراً جديداً في الجدل الإسرائيلي بشأن الإنذارات التي سبقت 7 أكتوبر.

وتحول السؤال، بعد كشف هوية الوسيط وتفاصيل رسالته، من هل كانت إسرائيل تملك مؤشرات مسبقة؟ إلى سؤال أشد حساسية: من تلقى التحذير، كيف فُسر، وإلى أين صعد داخل منظومة القرار، ولماذا لم يدفع إلى تغيير جوهري في الاستعدادات على حدود غزة؟

وبين شهادة أبو زايدة والتقارير المتتالية في الإعلام العبري وما خلصت إليه تحقيقات جيش الاحتلال نفسه بشأن «الفشل المفاهيمي والاستخباري»، تبقى المسؤولية الدقيقة عن معالجة هذه الرسالة موزعة بين مستويات أمنية وسياسية متعددة، ولا تزال بعض حلقاتها محل روايات متعارضة لم تُحسم بتحقيق رسمي مستقل شامل.

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - القاهرة