من نيويورك التي مُنع من دخولها.. أبومازن يحذر من «نكبة جديدة»: غزة عالقة في الانتقال والضفة أمام الاستيطان والضم
أبومازن أمام الأمم المتحدة: الخطر تجاوز تقويض حل الدولتين إلى تهديد الوجود الفلسطيني.. والمرحلة الانتقالية في غزة لا يمكن أن تصبح وضعاً دائماً
حذّر الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبومازن) من أن السياسات الإسرائيلية في قطاع غزة والضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، لم تعد تهدد فقط إمكانية إقامة دولة فلسطينية، وإنما باتت، وفق تعبيره، تهدد «حياة ووجود الشعب الفلسطيني نفسه على أرض وطنه»، داعياً المجتمع الدولي إلى التحرك لمنع ما وصفه بمحاولات دفع الفلسطينيين نحو التهجير وفرض واقع سياسي وجغرافي يحول دون قيام دولة فلسطينية مستقلة.
وفي خطاب مسجل أمام الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، الخميس 24 سبتمبر/أيلول 2026، وجّه أبومازن انتقادات مباشرة إلى الولايات المتحدة وإسرائيل وبعض الدول التي قال إنها تواصل الصمت أو تزويد إسرائيل بالسلاح، في وقت تتسع فيه الحرب في قطاع غزة والاستيطان وإجراءات الضم في الضفة الغربية.
وجاء الخطاب للعام الثاني على التوالي من خارج قاعة الجمعية العامة، بعدما رفضت الولايات المتحدة منح الرئيس محمود عباس وعدد من المسؤولين الفلسطينيين تأشيرات دخول للمشاركة في اجتماعات الأمم المتحدة، وهو إجراء دافعت عنه واشنطن بالقول إن السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير لم تفيا بالتزاماتهما المتعلقة بالإصلاح والسلام واتخذتا خطوات دولية وقانونية ضد إسرائيل ترى الإدارة الأميركية أنها تقوض فرص التسوية. ورفضت القيادة الفلسطينية هذه المبررات.
وفي 17 سبتمبر/أيلول، صوتت الجمعية العامة بأغلبية 152 دولة مقابل ثلاث دول، مع امتناع أربع دول، لصالح السماح لدولة فلسطين بتقديم خطاب مسجل للرئيس والمشاركة افتراضياً عندما تحول القيود الأميركية دون حضور مسؤوليها. وينص اتفاق مقر الأمم المتحدة لعام 1947 على عدم وضع العراقيل أمام انتقال ممثلي الدول إلى مقر المنظمة، وعلى إصدار التأشيرات المطلوبة دون مقابل وبأسرع وقت ممكن.
أبومازن لواشنطن: اللجوء إلى المحاكم الدولية ليس عملاً معادياً للسلام
واستهل أبومازن خطابه بالهجوم على قرار الإدارة الأميركية منع الوفد الفلسطيني من الوصول إلى نيويورك، واصفاً الإجراءات بأنها «عقابية وغير قانونية»، ومشدداً على أن مطالبة الفلسطينيين بإنهاء الاحتلال أو توجههم إلى الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية لا ينبغي أن يكون سبباً لمعاقبتهم.
وقال إن الاحتكام إلى القانون الدولي ومؤسساته يمثل، من وجهة النظر الفلسطينية، «خياراً سلمياً وحضارياً»، داعياً الإدارة الأميركية إلى التراجع عن القيود والعقوبات وإعادة فتح الحوار مع القيادة الفلسطينية.
وتقول واشنطن، في المقابل، إن القيود مرتبطة بما تعتبره إخفاقاً فلسطينياً في تنفيذ إصلاحات والتزامات سابقة، إضافة إلى تحركات السلطة أمام المؤسسات والمحاكم الدولية، واستمرار ملفات مالية تتعلق بالأسرى وعائلاتهم.
وكانت الجمعية العامة قد واجهت أزمة مشابهة في سبتمبر/أيلول 2025، عندما سمحت بأغلبية واسعة للرئيس عباس بالمشاركة عن بعد بعدما رفضت الولايات المتحدة دخوله، ما يجعل دورة عام 2026 الثانية على التوالي التي يغيب فيها الرئيس الفلسطيني عن قاعة الجمعية العامة بسبب القيود الأميركية.
«الخطر أصبح يهدد وجود الشعب الفلسطيني»
وانتقل أبومازن إلى الحرب في قطاع غزة، قائلاً إن الفلسطينيين يعيشون واحدة من أخطر المراحل في تاريخهم، بعد عقود من «الاقتلاع واللجوء والاحتلال».
ووصف ما تقوم به قوات الاحتلال الإسرائيلي في القطاع بأنه قتل ودمار وتجويع ومحاولات تهجير، معتبراً أن الحرب أدت إلى تدمير أحياء ومخيمات ومؤسسات ومدارس وجامعات ومستشفيات ومساجد وكنائس ومقومات أساسية للحياة.
ووصف أبومازن الحرب بأنها «حرب إبادة جماعية»، وهو توصيف ترفضه إسرائيل وتقول إن عملياتها تستهدف الجماعات المسلحة وتهدف إلى حماية أمنها.
وفي الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، قال أبومازن إن التوسع الاستيطاني وتسارع عمليات الاستيلاء على الأراضي وهدم المنازل وإقامة الحواجز واقتحامات قوات الاحتلال وعنف المستوطنين تشكل بمجملها منظومة تهدد الوجود الفلسطيني وتقطع التواصل الجغرافي للأرض الفلسطينية.
وشدد على أن ما يحدث في غزة والضفة والقدس، وفق رؤيته، لا يمثل ملفات منفصلة، وإنما أجزاء من «خطة استعمارية» هدفها زيادة الضغوط على الفلسطينيين ودفعهم إلى الرحيل عن أرضهم.
وكانت تقارير مستقلة عن خطاب أبومازن أكدت أنه ركز بصورة خاصة على أن الخطر، بحسب تقديره، انتقل من محاولة إفشال حل الدولتين إلى ما وصفه بتهديد «حياة ووجود» الفلسطينيين في وطنهم.
تحذير من «نكبة جديدة»
وقال أبومازن مخاطباً أعضاء الجمعية العامة: «لا تسمحوا بحدوث نكبة ومجازر أخرى كالتي حدثت في عام 1948»، محذراً من تصاعد اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية ومن تداعيات استمرار حماية قوات الاحتلال لهم.
ووجه سؤالاً سياسياً مباشراً إلى المجتمع الدولي بشأن استمرار بعض الدول في دعم إسرائيل عسكرياً، متسائلاً إلى متى ستواصل هذه الدول «السكوت» أو تقديم الأسلحة التي تستخدم في الحرب.
ودعا إلى توفير حماية دولية للفلسطينيين، وإنهاء الاحتلال، وإحياء مسار سياسي يؤدي إلى تنفيذ حل الدولتين.
وربط أبومازن بين استمرار الاحتلال والاستيطان وبين ما وصفه بتنامي اتجاهات إسرائيلية تدعو إلى التوسع وفرض مفهوم «إسرائيل الكبرى»، معتبراً أن استمرار هذا المسار يهدد بإغلاق الباب أمام التسوية السياسية.
أبومازن: رحبنا بخطة ترامب لكن النتائج على الأرض لم تتحقق
وفي ملف قطاع غزة، أكد أبومازن أن القيادة الفلسطينية رحبت بخطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب المؤلفة من 20 نقطة، وبقرار مجلس الأمن رقم 2803 وخارطة الطريق المتعلقة بتنفيذ المرحلة الثانية من الخطة.
لكن الرئيس الفلسطيني قال إن القيادة لم تر حتى الآن النتائج التي كانت تنتظرها على الأرض، مشيراً إلى استمرار سقوط ضحايا في غزة واستمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية.
وكان مجلس الأمن قد اعتمد القرار 2803 في 17 نوفمبر/تشرين الثاني 2025 بأغلبية 13 صوتاً من دون معارضة، مع امتناع الصين وروسيا، وأقر الخطة الشاملة الخاصة بغزة وإنشاء «مجلس السلام» كإدارة انتقالية، كما أجاز إنشاء قوة دولية مؤقتة للاستقرار. وينص القرار على استمرار الصلاحيات الانتقالية حتى 31 ديسمبر/كانون الأول 2027 ما لم يقرر مجلس الأمن خلاف ذلك.
وأوضح أبومازن أن نحو عام مضى منذ صدور القرار، فيما لم يتبق من الفترة الانتقالية المقررة سوى عام تقريباً، مطالباً بالإسراع في تنفيذ المرحلة الثانية.
تحذير من تحويل المرحلة الانتقالية إلى «وضع دائم»
ومن أبرز الرسائل السياسية في الخطاب رفض أبومازن أن تتحول الترتيبات الانتقالية في قطاع غزة إلى صيغة دائمة أو مفتوحة زمنياً.
وقال إن أي مرحلة انتقالية يجب أن تنتهي بإعادة توحيد قطاع غزة والضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، تحت ولاية دولة فلسطين ومؤسساتها.
وأكد تمسك القيادة الفلسطينية بمبدأ «دولة واحدة، وحكومة واحدة، وقانون واحد، وسلاح شرعي واحد».
ويقر القرار 2803 «مجلس السلام» باعتباره إطاراً انتقالياً يتولى تنسيق إدارة وإعادة إعمار قطاع غزة إلى حين إنجاز السلطة الفلسطينية برنامج الإصلاح وقدرتها، وفق نص القرار، على استعادة إدارة القطاع بصورة آمنة وفعالة. كما ينص على مسار يمكن أن يقود لاحقاً إلى تقرير المصير الفلسطيني والدولة.
وبذلك بدا خطاب أبومازن موجهاً أيضاً إلى القوى الدولية المشرفة على ترتيبات ما بعد الحرب، في محاولة لتثبيت أن أي نظام انتقالي في غزة يجب، من وجهة النظر الفلسطينية، ألا يتحول إلى بديل سياسي دائم عن وحدة الأراضي الفلسطينية أو عن ولاية المؤسسات الفلسطينية عليها.
الأقصى والقيامة والإبراهيمي.. تحذير من صراع ديني
وحذر أبومازن كذلك من الاعتداءات التي قال إن المقدسات الإسلامية والمسيحية تتعرض لها، ولا سيما المسجد الأقصى وكنيسة القيامة في القدس والمسجد الإبراهيمي في الخليل.
وقال إن استمرار تغيير الوضع التاريخي والقانوني القائم وعرقلة حرية العبادة يمكن أن يدفع المواجهة السياسية إلى «صراع ديني واسع في الإقليم وخارجه».
وطالب بوقف هذه الاعتداءات بشكل فوري.
دفاع عن الأونروا
وفي ملف اللاجئين، خصص أبومازن جزءاً من خطابه لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا»، محذراً من أن الاعتداءات والقيود الإسرائيلية على منشآت الأمم المتحدة في القدس والضفة الغربية تقوض قدرة الوكالة على مواصلة خدماتها.
ودعا الدول والمنظمات الدولية إلى مواصلة توفير الدعم السياسي والمالي للأونروا، قائلاً إنه «لا بديل عنها طالما بقيت قضية اللاجئين دون حل».
E1 في صدارة التحذيرات
وحذر أبومازن بصورة خاصة من مخطط الاستيطان المعروف باسم E1، معتبراً أنه يستهدف فصل شمال الضفة الغربية عن جنوبها وعزل القدس الشرقية عن محيطها الفلسطيني.
وطالب مجلس الأمن بالتدخل لتنفيذ القرار 2334 المتعلق بالمستوطنات، معتبراً أن تنفيذ المخطط سيقوض بصورة مباشرة إمكانية قيام دولة فلسطينية متواصلة جغرافياً.
وفي الوقت نفسه، رحب بما قال إنها إجراءات اتخذتها بريطانيا و12 دولة لحماية حل الدولتين ومواجهة منتجات المستوطنات، وأشاد بتحركات دولية لعقد اجتماعات في نيويورك بشأن القضية الفلسطينية.
كما دعا الرئيس ترامب إلى الالتزام بالتعهدات المتعلقة بمنع ضم أراض فلسطينية ورفض التهجير.
ستة مليارات دولار في قلب المواجهة المالية
وربط أبومازن بين الاستيطان والسيطرة على الأرض وبين الأزمة المالية للسلطة الفلسطينية، قائلاً إنه لا يمكن النظر إلى احتجاز الأموال الفلسطينية وإضعاف المؤسسات والقيود الاقتصادية باعتبارها ملفات منفصلة.
وأكد أن الحكومة الإسرائيلية تحتجز أكثر من ستة مليارات دولار من الأموال الفلسطينية، مطالباً بالإفراج عنها وتحويلها بصورة منتظمة وكاملة ورفع القيود المالية والاقتصادية.
ووضع أبومازن الأزمة المالية في إطار أوسع، قائلاً إن الاستيلاء على الأرض وتجفيف الموارد وإضعاف المؤسسات تصب، من وجهة النظر الفلسطينية، في نتيجة سياسية واحدة تتمثل في تقويض قدرة الفلسطينيين على البقاء وبناء مؤسسات دولتهم.
أبومازن يعلن إنجاز برنامج الإصلاح
وفي مواجهة الانتقادات الأميركية والدولية المتكررة لأداء السلطة، خصص أبومازن جزءاً واسعاً من الخطاب للدفاع عن برنامج الإصلاح الفلسطيني.
وقال إن السلطة أنجزت البرنامج الوطني الذي تعهدت به أمام المجتمع الدولي، وإن الخطوات شملت تحسين الحوكمة والمالية العامة والشفافية والمساءلة ومكافحة الفساد وسيادة القانون.
كما أعلن إنشاء نظام موحد للحماية والرعاية الاجتماعية يعتمد على الحاجة، وإلغاء أنظمة سابقة، مؤكداً أن الإجراءات خضعت لتدقيق دولي مستقل.
وأضاف أن السلطة واصلت إصلاح التعليم والمناهج بالتعاون مع منظمة اليونسكو، إلى جانب خطوات تستهدف تعزيز مشاركة الشباب والنساء وتجديد المؤسسات السياسية.
انتخابات تشريعية في 28 نوفمبر ثم الرئاسة
وفي ملف الشرعية السياسية الفلسطينية، أكد أبومازن أن الانتخابات التشريعية ستجرى في 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2026، على أن تتبعها خطوات لاستكمال تجديد مؤسسات المجلس الوطني الفلسطيني ثم إجراء الانتخابات الرئاسية.
وكان أبومازن قد أكد قبل أسابيع أن الانتخابات التشريعية مقررة في 28 نوفمبر، وأن العمل جارٍ على إعادة تشكيل المجلس الوطني الفلسطيني قبل نهاية العام.
وجدد أبومازن خلال خطابه التزامه بإقامة دولة فلسطينية ديمقراطية تحترم القانون وحقوق الإنسان، وقال إن رؤيته تقوم على قيام «دولة فلسطينية غير مسلحة» تعيش بأمن وسلام إلى جانب إسرائيل.
كما أعلن رفض الاعتداء على المدنيين «من أي طرف كان»، ورفض الإرهاب والتطرف ومعاداة السامية والعنصرية والكراهية.
«لا نريد عملية جديدة لإدارة الصراع»
وفي الجزء السياسي الختامي، عاد أبومازن إلى قرار القيادة الفلسطينية عام 1988 بالقبول بحل الدولتين، قائلاً إن الفلسطينيين قدموا ما وصفه بتسوية تاريخية تستند إلى الشرعية الدولية.
لكنه أكد أن الفلسطينيين لن يقبلوا بأن يصبح المسار السياسي مجرد آلية مفتوحة لإدارة الصراع بينما تتغير الوقائع على الأرض بفعل الاستيطان والضم.
وقال إن المطلوب ليس «عملية جديدة لإدارة الصراع»، وإنما مسار يؤدي فعلياً إلى إنهاء الاحتلال وضمان الحرية وتقرير المصير للفلسطينيين والأمن للإسرائيليين ودول المنطقة.
وأكد أن المشروع السياسي الفلسطيني، وفق رؤيته، يقوم على منع التهجير وحماية الأرض وتجديد المؤسسات ديمقراطياً وتجسيد دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة عاصمتها القدس الشرقية، مع التمسك بحق اللاجئين وفق القرار الأممي 194.
160 دولة والعضوية الكاملة
وقال أبومازن إن عدد الدول التي تعترف بدولة فلسطين بلغ 160 دولة، داعياً الدول التي لم تقدم على الاعتراف إلى اتخاذ هذه الخطوة.
وكانت الرئاسة الفلسطينية قد أعلنت قبل خطاب الجمعية العامة أن عدد الدول المعترفة بفلسطين وصل إلى 160، في أعقاب موجة اعترافات دولية خلال العامين الماضيين.
ودعا أبومازن أيضاً إلى منح دولة فلسطين العضوية الكاملة في الأمم المتحدة.
واختتم خطابه برسالة إلى الفلسطينيين في الوطن والشتات، أكد فيها رفض التهجير والتمسك بالأرض والحقوق السياسية، قائلاً إن الفلسطينيين لن يسمحوا لأي طرف بأن يقرر مستقبلهم نيابة عنهم، مع تأكيد مواصلة السعي إلى تسوية تقوم على القانون الدولي وحل الدولتين.
وبين أزمة التأشيرات مع واشنطن وتعثر تنفيذ ترتيبات غزة واتساع الاستيطان والأزمة المالية للسلطة، حمل خطاب أبومازن هذا العام رسالة سياسية مزدوجة: التمسك بالمسار الدبلوماسي والقانوني من جهة، والتحذير من أن الوقت المتاح أمام حل الدولتين والمرحلة الانتقالية في غزة يتآكل سريعاً من جهة أخرى، فيما تبقى الفجوة واسعة بين المطالب الفلسطينية والسياسات الإسرائيلية والمواقف الأميركية بشأن الطريق إلى التسوية.
