المنصة في نيويورك والجمهور في إسرائيل.. نتنياهو يواجه انسحاب الوفود بهجوم على قطر وتركيا وأوروبا ويهوّن عنف المستوطنين قبل أسابيع من الانتخابات
الإعلام العبري: زيارة خاطفة بلا لقاء مع ترامب .. نتنياهو في الأمم المتحدة عند «نقطة حضيض دبلوماسية»
حوّل رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خطابه أمام الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة، مساء الخميس 24 سبتمبر/أيلول 2026، إلى مواجهة مفتوحة مع خصوم إسرائيل ومنتقدي حكومته، مهاجماً قطر وتركيا وفرنسا وبريطانيا ورئيس بلدية نيويورك زهران ممداني، ومدافعاً عن الحرب الإسرائيلية في قطاع غزة، في وقت قلّل فيه بصورة لافتة من حجم عنف المستوطنين المتصاعد في الضفة الغربية المحتلة، وتباهى بالهجمات الإسرائيلية ضد إيران وحزب الله.
وجاء الخطاب وسط مشهد دبلوماسي غير اعتيادي، إذ غادر عشرات الدبلوماسيين وممثلي الوفود قاعة الجمعية العامة فور صعود نتنياهو إلى المنصة، بينما سُمع التصفيق والهتاف من مؤيديه في الشرفات، ما دفع رئيس الجلسة إلى المطالبة بإعادة النظام إلى القاعة. ورد نتنياهو على المنسحبين بوصفهم بـ«الجبناء أخلاقياً».
وخارج مقر الأمم المتحدة شهدت نيويورك احتجاجات ضد نتنياهو والحرب في غزة، بالتوازي مع تجمعات مؤيدة له، وسط إجراءات أمنية مشددة رافقت واحدة من أقصر زياراته إلى الولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة. وأفادت وسائل إعلام إسرائيلية بأن زيارته استمرت ساعات معدودة فقط قبل عودته إلى إسرائيل.
لكن المشهد الأبرز لم يكن داخل قاعة الأمم المتحدة وحدها؛ إذ قدم الإعلام الإسرائيلي نفسه خطاب نتنياهو بوصفه حدثاً يرتبط مباشرة بالانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول المقبل.
وعنونت «يديعوت أحرونوت» تغطيتها قبيل الخطاب بعبارة: «المنصة في نيويورك والجمهور في إسرائيل»، مشيرة إلى أن نتنياهو صعد إلى منصة الجمعية العامة قبل نحو شهر من الانتخابات وفي ظل ما وصفته بـ«العزلة الدبلوماسية المتفاقمة». أما القناة 12 الإسرائيلية فقالت إن نتنياهو عاد إلى الأمم المتحدة عند «نقطة حضيض دبلوماسية»، في زيارة لم تتضمن لقاءً مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب أو مع أي زعيم بارز من القوى الغربية الكبرى.

خطاب دولي بعين على الناخب الإسرائيلي
وظهر البعد الداخلي بوضوح في مضمون الخطاب، الذي جاء قبل 33 يوماً من الانتخابات الإسرائيلية، إذ ركز نتنياهو على سجله العسكري والأمني، وعلى إيران وحزب الله وحماس، في محاولة لترسيخ صورته أمام الجمهور الإسرائيلي باعتباره القائد القادر على مواجهة التهديدات الإقليمية.
وكانت «رويترز» قد وصفت مسبقاً الخطاب المرتقب بأنه يحمل سمات «خطاب انتخابي» في الأمم المتحدة، في ظل تصاعد الضغوط السياسية على نتنياهو واقتراب موعد الاقتراع.
كما أشارت «يديعوت أحرونوت» إلى أن الخطاب يأتي في وقت يستخدم فيه نتنياهو الملف الأمني محوراً رئيسياً في حملته الانتخابية، فيما نقلت ردوداً متباينة داخل إسرائيل بعد الخطاب، بين إشادة أعضاء الائتلاف وانتقادات أحزاب المعارضة، وذلك قبل 33 يوماً من موعد الانتخابات.
وفي مؤشر إضافي على طبيعة الخطاب، لفتت صحيفة «تايمز أوف إسرائيل» إلى أن نتنياهو لم يتطرق إلى السعودية أو إلى توسيع «اتفاقيات أبراهام»، وهما موضوعان شكلا في سنوات سابقة ركناً ثابتاً في خطاباته الدولية، كما أنه لم يعرض معلومات استخبارية جديدة عن إيران رغم التلميحات التي سبقت الخطاب إلى احتمال كشفها.
وبدلاً من ذلك، تركز خطابه على إيران وقطر وتركيا وممداني وانتقاد حكومات أوروبا الغربية والدفاع عن السياسات الإسرائيلية.

«لولا تدمير منشآت إيران لكنا جميعاً موتى»
واستهل نتنياهو خطابه بإيران، مستعيداً ظهوره الشهير على منصة الأمم المتحدة قبل 14 عاماً عندما رسم ما أسماه آنذاك «الخط الأحمر» للبرنامج النووي الإيراني.
وقال إنه تعهد بمنع إيران من تطوير أسلحة نووية، وتباهى بالضربات الإسرائيلية والأميركية التي استهدفت منشآت إيرانية خلال الحرب التي اندلعت هذا العام.
وأضاف أن اتخاذ قرار ضرب المنشآت الإيرانية كان من «أسهل القرارات» التي اتخذها خلال رئاسته للحكومة، رغم صعوبة تنفيذ العملية، وقال: «لو لم أفعل ذلك لكنا موتى».
لكن ادعاء نتنياهو بأن المنشآت الإيرانية «دُمرت» لا يعني أن الملف النووي الإيراني انتهى؛ إذ تشير تقارير دولية إلى أن الحرب ألحقت أضراراً بقدرات إيران النووية، فيما ظل البرنامج الإيراني وقدرته المستقبلية موضع خلاف وتقييمات استخبارية متباينة، واستمرت الحرب الأميركية الإيرانية لأشهر بعد الضربات الأولى.
وتوقع نتنياهو سقوط النظام الإيراني، قائلاً إن اليوم الذي «يتحرر» فيه الإيرانيون من النظام الحالي «ليس بعيداً».

«بيجر» على منصة الأمم المتحدة
وفي واحدة من أكثر لحظات الخطاب استعراضاً، رفع نتنياهو جهاز اتصال من طراز «بيجر» أمام الجمعية العامة، في إشارة إلى العملية الإسرائيلية التي استهدفت في سبتمبر/أيلول 2024 آلاف أجهزة الاتصال التي كان يستخدمها عناصر في حزب الله في لبنان.
وقال مخاطباً الحضور: «هل تذكرون هذا؟ بالطبع حزب الله يتذكر».
وجاء عرض الجهاز ضمن استعراض نتنياهو للعمليات التي نفذتها إسرائيل خلال السنوات الثلاث الماضية في عدة ساحات إقليمية، قائلاً إن إسرائيل خاضت حرباً على «سبع جبهات».
يهاجم قطر من المنبر
وخصص نتنياهو جزءاً واسعاً من خطابه لمهاجمة قطر، متهماً إياها بإنفاق مليارات الدولارات للتأثير في الجامعات ووسائل الإعلام الغربية ونشر ما وصفه بـ«الأكاذيب» ضد إسرائيل.
كما هاجم قناة الجزيرة، واتهم الدوحة باستضافة قيادات حماس.
وسارعت قطر إلى الرد على خطاب نتنياهو، وقال نائب سفيرها في الولايات المتحدة، في تصريحات نقلتها «يديعوت أحرونوت»، إن رئيس الحكومة الإسرائيلية كان «يتحدث إلى قاعة نصف فارغة»، معتبراً أن ذلك يعكس مستوى التأييد لمواقفه.
كما دافعت الدوحة عن دورها في استضافة ممثلي حماس، مشددة على أن ذلك جاء في إطار وساطة تفاوضية شاركت فيها الولايات المتحدة ومصر وإسرائيل نفسها، وأن مسؤولين أميركيين وصفوا مراراً الدور القطري في الوساطة بأنه مهم.
وأثار الهجوم على قطر كذلك مواجهة سياسية داخل إسرائيل.
فقد انتقد رئيس الحكومة السابق نفتالي بينيت نتنياهو لعدم ذهابه إلى حد إعلان قطر «دولة عدو»، وقال إن نتنياهو «أضاع فرصة تاريخية»، بينما رد أعضاء في الائتلاف بالدفاع عن الخطاب.
إردوغان والجولان وسوريا
وهاجم نتنياهو الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، واتهم تركيا بنشر خطاب معادٍ لإسرائيل واستضافة قيادات من حماس.
كما اتهم إردوغان بالسعي إلى توسيع النفوذ التركي في سوريا، وقال مخاطباً إياه إن القدس لن تكون تحت حكمه.
وردت تركيا على تصريحات نتنياهو ووصفتها، وفق «يديعوت أحرونوت»، بأنها «وقحة».
وانتقل نتنياهو إلى مهاجمة الرئيس السوري أحمد الشرع، رداً على تأكيد الأخير تمسك سوريا بالجولان المحتل.
وقال مخاطباً الشرع إن وجود اليهود في الجولان يعود، وفق روايته الدينية والتاريخية، إلى «أيام موسى».
وكان الشرع قد أكد أمام الجمعية العامة عدم اعتراف دمشق بأي ترتيبات تنطوي على التنازل عن الجولان السوري المحتل.
فرنسا وبريطانيا في مرمى الخطاب
واتهم نتنياهو عدداً من الحكومات الأوروبية بـ«الضعف»، وقال إن قادة في أوروبا الغربية رضخوا لما وصفه بـ«الجماهير المعادية للسامية».
وهاجم بصورة خاصة فرنسا وبريطانيا على خلفية الانتقادات التي توجهانها إلى سياسات حكومته في قطاع غزة والضفة الغربية.
وسخر من اتهام إسرائيل بالاستعمار، مستحضراً الماضي الاستعماري البريطاني والفرنسي.
وجاء الهجوم بعد تصاعد الخلاف بين حكومة نتنياهو وعدد من الدول الأوروبية التي اتخذت إجراءات ضد المستوطنات الإسرائيلية، وبعد الانتقادات التي وجهها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون هذا الأسبوع إلى الوضع الإنساني في قطاع غزة والاستيطان وعنف المستوطنين في الضفة.
ووصفت القناة 12 الإسرائيلية التطورات التي سبقت الخطاب بأنها انتقال في الموقف الأوروبي خلال عام واحد من تصريحات سياسية إلى «عقوبات عملية»، معتبرة أن ذلك يعكس التراجع الذي طرأ على علاقات إسرائيل الدولية.
نتنياهو يقلّل من عنف المستوطنين
وفي الضفة الغربية المحتلة، قلل نتنياهو بصورة واضحة من حجم اعتداءات المستوطنين، ووصف منفذيها بأنهم «حفنة من الأحداث المنحرفين»، مقدراً عددهم بنحو 150 شخصاً.
وقال إن هؤلاء يلقون الحجارة ويقطعون أشجار الزيتون ويشعلون حرائق «أحياناً»، مؤكداً أنه يعارض أخذ القانون باليد وأن جهاز «الشاباك» يعمل ضدهم.
لكن توصيف نتنياهو يتباين بصورة واضحة مع بيانات الأمم المتحدة المتعلقة بتصاعد عنف المستوطنين.
ففي يوليو/تموز الماضي، قالت مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان إن عنف المستوطنين في الضفة يشهد تفاقماً، وإن 18 فلسطينياً قتلوا في حوادث مرتبطة بعنف المستوطنين منذ بداية 2026 حتى ذلك الوقت، مقارنة بـ17 خلال عام 2025 بأكمله، وفق بيانات الأمم المتحدة. كما تحدثت المفوضية عن اعتداءات تضمنت قتل فلسطينيين وتدمير ممتلكات وإحراق مساجد.
وبذلك جاءت رواية نتنياهو التي اختزلت الظاهرة في مجموعة صغيرة من الشبان في مواجهة بيانات أممية توثق اتساع نطاقها وتصاعدها.
مواجهة مباشرة مع ممداني
كما خصص نتنياهو مساحة كبيرة لمهاجمة رئيس بلدية نيويورك زهران ممداني، الذي سبق أن وصف رئيس الحكومة الإسرائيلية بأنه «مجرم حرب» وانتقد بشدة الحرب في غزة.
وقال نتنياهو لممداني إنه لن يستطيع «إسكاته»، واتهمه بتوجيه اتهامات كاذبة إلى إسرائيل وبالإسهام في خلق بيئة لا يشعر فيها اليهود بالأمان.
وأضاف أن إسرائيل «لم ترتكب إبادة جماعية بل منعت إبادة»، رافضاً الاتهامات المتعلقة بالحرب في غزة.
ورد ممداني بعد الخطاب بالقول إن نتنياهو كرر ما وصفها بـ«أكاذيب بلا أساس»، وذكّر بأن رئيس الحكومة الإسرائيلية لا يزال مطلوباً بموجب مذكرة توقيف أصدرتها المحكمة الجنائية الدولية.
وكانت المحكمة الجنائية الدولية قد أصدرت في 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2024 مذكرة اعتقال بحق نتنياهو على خلفية اتهامات بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية مرتبطة بالحرب في غزة. وينفي نتنياهو وإسرائيل الاتهامات ويطعنان في اختصاص المحكمة. وما زالت صفحة المحكمة الخاصة بالقضية تصنف نتنياهو بأنه «طليق».

قاعة تنسحب منها الوفود
وقبل أن يبدأ نتنياهو كلمته، غادر عدد كبير من الدبلوماسيين القاعة احتجاجاً، فيما بقيت وفود أخرى في مقاعدها.
ورد نتنياهو على المشهد فور وصوله إلى المنصة، قائلاً لمن لم يغادر من معارضيه إن بإمكانهم المغادرة أيضاً.
وسعى بعد ذلك إلى قلب دلالة المشهد، قائلاً إن الدول التي غادرت القاعة استفادت في الواقع، وفق روايته، من العمليات الإسرائيلية ضد إيران، وإن بعض قادتها شكره سراً.
ووصف مواقفها بـ«النفاق».
وتزامن الخطاب مع احتجاجات في محيط مقر الأمم المتحدة، شاركت فيها مجموعات فلسطينية وأميركية ويهودية معارضة للحكومة الإسرائيلية والحرب، إلى جانب مظاهرات مضادة داعمة لنتنياهو.
زيارة خاطفة بلا ترامب
أما على المستوى الدبلوماسي، فكانت زيارة نتنياهو إلى نيويورك مختلفة بوضوح عن زياراته السابقة.
فقد وصل إلى المدينة الخميس وغادرها بعد ساعات، من دون لقاء مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وكانت القناة 12 قد ذكرت قبل الزيارة أن محاولات ترتيب لقاءات سياسية مهمة لم تؤد إلى برنامج مماثل للزيارات السابقة، فيما برر مكتب نتنياهو قصر الزيارة باعتبارات أمنية وخشية من استهدافه.
وعقد نتنياهو لقاءين مع رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس ورئيس الوزراء السلوفيني يانيز يانشا، وفق «واللا»، وبحث مع ميتسوتاكيس التعاون الاستراتيجي والطاقة والعلاقات الثلاثية مع قبرص.
لكن غياب لقاء مع ترامب بقي لافتاً سياسياً، خصوصاً أن نتنياهو حرص في خطابه على وصف الرئيس الأميركي بأنه أكبر شريك لإسرائيل والإشادة بدوره في المواجهة مع إيران.
من «الدبلوماسية» إلى المعركة الانتخابية
وتكشف مقارنة الخطاب بالتغطية الإسرائيلية المحيطة به أن نتنياهو لم يأت إلى نيويورك حاملاً مبادرة سياسية جديدة أو اختراقاً دبلوماسياً.
فالقناة 12 تحدثت قبل وصوله عن زيارة في ظل «نقطة حضيض دبلوماسية»، بينما وصفت «يديعوت أحرونوت» المشهد بعبارة تكثف البعد الداخلي للرحلة: المنصة في نيويورك، لكن الجمهور في إسرائيل.
حتى صحيفة «تايمز أوف إسرائيل» لاحظت بعد انتهاء الخطاب أنه خلا من الحديث المعتاد عن السعودية وتوسيع دائرة التطبيع، ولم يقدم المعلومات الجديدة عن إيران التي كان مسؤولون إسرائيليون قد ألمحوا إلى إمكانية كشفها.
وبدلاً من ذلك، جاء الخطاب سلسلة من المواجهات: إيران وقطر وتركيا وممداني وفرنسا وبريطانيا ومنتقدو الحرب ودبلوماسيون غادروا القاعة، بالتوازي مع استعراض سجل العمليات العسكرية الإسرائيلية منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول.
وبينما حاول نتنياهو تقديم هذا السجل بوصفه دليلاً على قوة إسرائيل وقدرتها على تغيير موازين المنطقة، عكست صور الوفود المغادرة، والزيارة الخاطفة، وغياب لقاء مع الرئيس الأميركي، وانتقادات الإعلام الإسرائيلي ذاته، وجهاً آخر للمشهد: رئيس حكومة يخوض الانتخابات بعد ثلاثة أعوام من الحرب، ويحاول تحويل سجله العسكري إلى رصيد سياسي داخلي في وقت تواجه فيه إسرائيل ضغوطاً وعزلة دبلوماسية متزايدة. وهذا توصيف يتقاطع مع ما نشرته «يديعوت أحرونوت» والقناة 12 و«رويترز» بشأن السياق الانتخابي والدبلوماسي للخطاب.

