بقلم: زهراء فاضل*
ليست كل تجربة شعرية قابلة لأن تقرأ من خلال موضوعاتها وحدها، فثمة تجارب يصبح فيها السؤال عن الموضوع أقل أهمية من السؤال عن الطريقة التي يتشكل بها الموضوع داخل اللغة؛ إذ لا يعود الوطن وطناً بالمعنى الجغرافي المباشر، ولا الغياب مجرد فقد، ولا الحب مجرد تجربة وجدانية، وإنما تتحول هذه المفاهيم، حين تدخل القصيدة، إلى علاقات لغوية جديدة تكتسب معناها من السياق الذي تنتظم فيه، ومن هذه الزاوية يمكن مقاربة تجربة الشاعر الفلسطيني محمد علوش بعيداً عن التصنيفات السريعة التي تكتفي بإدراجها ضمن الشعر الفلسطيني الحديث أو ربطها مباشرة بموضوعات الوطن والمنفى والذاكرة والمقاومة.
هذه الموضوعات حاضرة في تجربته، ولا يصح تجاهلها، لكنها لا تكفي وحدها لتفسير خصوصية نصوصه، فالقيمة النقدية لأي تجربة شعرية لا تتحدد بكثرة القضايا التي تتناولها، وإنما بالطريقة التي يعاد بها تشكيل هذه القضايا داخل اللغة، ومن هنا تبدو تجربة علوش أكثر قابلية للقراءة حين ننتقل من سؤال «ماذا يقول؟» إلى سؤال آخر أكثر تعقيداً: كيف تصنع اللغة المعنى الذي يريد النص الوصول إليه، وما الذي تضيفه الطريقة الشعرية إلى الموضوع الأصلي؟
من هذه الزاوية، لا تظهر فلسطين في شعر علوش بوصفها موضوعاً ثابتاً سابقاً على القصيدة، وإنما تتحول إلى تجربة حسية ونفسية ووجودية، وهذا التحول مهم؛ لأن الوطن، حين يدخل الشعر بوصفه خطاباً جاهزاً، قد ينتهي إلى إعادة إنتاج اللغة السياسية ذاتها في صياغة شعرية، أما حين يتحول إلى تجربة داخلية، فإنه يتوزع في المكان والذاكرة والخوف والحب والفقد وعلاقة الإنسان بما يحيط به.
غير أن هذه السمة لا تعني أن النصوص تتخلص دائماً من المباشرة، ففي بعض المواضع يمكن أن تقترب اللغة من التقرير أو من الدلالة التي يسهل الإمساك بها، وهو ما يضع التجربة أمام تحدٍّ مستمر يتمثل في المحافظة على المسافة الضرورية بين الفكرة وصياغتها الشعرية، وهذه الملاحظة ليست هامشية؛ لأن الشعر الذي ينطلق من قضية واضحة يظل معرضاً لأن تستعيد العبارة وضوح القضية على حساب تعقيد التجربة الشعرية.
ومن هنا تبدو المفردة عند علوش عنصراً أساسياً في بناء الدلالة، فالكلمة لا تظل، في عدد من النصوص، أسيرة معناها القاموسي، وإنما تتغير قيمتها بحسب موقعها وعلاقتها بما يحيط بها، الضوء، والنافذة، والبيت، والغياب، والظل، والماء، والتراب، واليد، والوجه، ليست مجرد مفردات وصفية، وإنما تتحول إلى عناصر قابلة لإنتاج دلالات نفسية ووجودية مختلفة.
لكن أهمية هذه العناصر لا تأتي من حضورها في حد ذاته؛ فالمعجم الشعري لا يصبح مميزاً لمجرد تكرار مجموعة من المفردات، والسؤال الأهم هو: هل تستطيع هذه المفردات أن تكتسب في كل نص وظيفة جديدة، أم تتحول مع كثرة الاستخدام إلى علامات مألوفة يمكن توقع دلالتها مسبقاً؟ وهنا تحديداً تحتاج تجربة علوش إلى قدر من الحذر، لأن الرمز الذي ينجح مرة قد يفقد جزءاً من فاعليته إذا استقر في النصوص بوصفه علامة جاهزة.
تظهر هذه المسألة بوضوح في التعامل مع ثنائية الضوء والعتمة، والحضور والغياب، والصمت والكلام، وهي ثنائيات ذات تاريخ طويل في الشعر العربي الحديث، ولذلك لا تكمن قيمتها في استخدامها، وإنما في الطريقة التي يعيد بها الشاعر تركيبها، وفي بعض نصوص علوش تتجاوز هذه الثنائيات معناها المباشر، فيصبح الغياب شكلاً من أشكال الحضور، ويتحول الصمت إلى مساحة دلالية، ولا يعود الضوء بالضرورة مرادفاً للكشف، غير أن نجاح هذه التحويلات يظل مرتبطاً بقدرة النص على منحها سياقاً خاصاً يمنعها من التحول إلى ثنائيات شعرية مألوفة.
ومن هنا يمكن فهم ميله إلى الاقتصاد في الشرح، فهو لا يغلق الصورة دائماً بتفسير مباشر، بل يترك مسافة بين العبارة ودلالتها، وهذه المسافة تمنح القارئ فرصة للمشاركة في إنتاج المعنى، لكنها تحمل في الوقت نفسه مخاطرة معاكسة: فإذا اتسعت المسافة أكثر مما ينبغي، يمكن أن تتحول الكثافة إلى التباس، وأن يصبح الغموض نتيجة لعدم اكتمال البناء لا لعمقه.
والفارق بين الأمرين دقيق، فالغموض الشعري المنتج يفتح أكثر من احتمال دلالي داخل بنية متماسكة، أما الغموض الذي لا تسنده علاقات واضحة بين الصور والمفردات فيبقى مجرد غموض، ومن ثم فإن معيار نجاح التجربة هنا لا ينبغي أن يكون صعوبة النص أو سهولته، وإنما قدرته على إنتاج تعدد دلالي من داخل بنائه نفسه.
وتتصل بهذه المسألة طبيعة الصورة الشعرية عند علوش، فالصورة لديه لا تقوم دائمًا على المجاز التقليدي أو على الزخرفة البلاغية، وإنما تتشكل في كثير من الأحيان من نقل الشيء من وظيفته اليومية إلى وظيفة شعورية أو رمزية، فالبيت يمكن أن يتحول من مكان للسكن إلى ذاكرة، والطريق من مسافة إلى انتظار، والنافذة من عنصر معماري إلى حد فاصل بين الرغبة والعجز.
غير أن الصورة الشعرية لا تكتسب قيمتها بمجرد نقل الأشياء من مستوى إلى آخر، فالتحويل المجازي أصبح من أكثر الأدوات شيوعاً في الشعر الحديث، ولذلك فإن المسألة لا تتعلق بوجود الصورة، بل بدرجة مفاجأتها ودقتها وضرورتها داخل النص، وفي هذا الجانب تحديداً يمكن ملاحظة تفاوت بين نصوص علوش؛ فهناك صور تنجح في إعادة ترتيب العلاقة بين الأشياء، بينما تبدو صور أخرى أقرب إلى المعجم الرمزي المألوف في الشعر العربي المعاصر، وهذا التفاوت جزء طبيعي من تجربة لم تستقر، ولا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره انتقاصاً منها، فالقراءة النقدية لا تبحث عن تجربة كاملة لا عيوب فيها، وإنما تحاول تحديد مناطق التحقق ومناطق الاختبار داخلها.
أما العلاقة بين الخاص والعام، فهي من أكثر الجوانب إثارة في شعر علوش، فالذات الفردية لا تنفصل بصورة كاملة عن الذاكرة الجماعية، وفي الوقت نفسه لا تتحول إلى مجرد صوت نيابي يتحدث باسم الجماعة، فهناك حركة بين «الأنا» و«النحن»، بين التجربة الشخصية والتاريخ الفلسطيني، وبين الحب بوصفه تجربة فردية والوطن بوصفه ذاكرة مشتركة، وتبدو هذه الحركة أكثر إنتاجاً حين يسمح النص للتجربة الفردية بأن تبقى فردية، بدل أن تتحول إلى مجرد مثال على قضية عامة، فالشعر لا يصبح وطنياً بمجرد ذكر الوطن، كما لا يصبح إنسانياً بمجرد الحديث عن الحب والفقد، فإن القيمة تنشأ من قدرة النص على جعل الخاص يفتح على العام دون أن يفقد خصوصيته.
وفي هذا الجانب تحديداً، ينجح علوش في بعض النصوص في تخفيف الحمولة الخطابية للقضية الفلسطينية وتحويلها إلى تجربة إنسانية أكثر اتساعاً، لكنه لا ينجح بالدرجة نفسها في كل النصوص؛ إذ تظهر أحياناً عبارات يمكن أن تقرأ باعتبارها امتداداً للخطاب السياسي أو التأملي المباشر أكثر من كونها بناءً شعرياً مكتفياً بذاته، وهذه المسافة بين الشعر والخطاب تظل من أبرز الأسئلة التي تواجه تجربته، فالشاعر الذي يأتي من خلفية سياسية وفكرية واضحة يواجه تحدياً إضافياً: كيف يحافظ على حضور أفكاره من دون أن تتحول القصيدة إلى حاملة لموقف جاهز؟ وكيف يمكن للفكرة السياسية أن تدخل النص بوصفها توتراً إنسانياً لا بوصفها نتيجة محسومة؟
هذه الأسئلة تبدو مهمة في قراءة علوش؛ لأن تجربته لا يمكن فصلها عن انشغاله بالشأن العام، لكن الفصل الكامل بين الشاعر والمثقف والسياسي ليس هو الحل أيضاً، فالمسألة الأهم هي معرفة متى تتحول هذه الخلفية إلى طاقة شعرية، ومتى تصبح عبئاً على القصيدة.
ويظهر هذا التوتر أيضاً في حضور الحب، فالحب عند علوش ليس منفصلاً بالضرورة عن المكان والذاكرة والفقد، لكنه يظل بحاجة إلى مساحة خاصة حتى لا يصبح مجرد وسيلة أخرى لإعادة إنتاج المفردات ذاتها، فحين يتحول الحب إلى امتداد مباشر للوطن أو الغياب، قد يخسر شيئاً من خصوصيته بوصفه تجربة فردية، أما حين يحتفظ بتوتره الحميم وأسئلته الخاصة، فإنه يضيف إلى التجربة بعداً مختلفاً، ومن هنا فإن قوة الجانب الوجداني في النص لا تتحدد بصدق العاطفة، فالصدق وحده لا يصنع شعراً، وإنما تتحدد بقدرة اللغة على تحويل العاطفة الشخصية إلى تجربة قابلة للتلقي خارج حدود صاحبها، وهذه نقطة ينبغي التشديد عليها في قراءة علوش كما في قراءة أي تجربة شعرية أخرى.
أما الإيقاع، فلا يمكن اختزاله في الوزن أو الموسيقى الخارجية، فقصيدة التفعيلة تتيح مساحة واسعة لتنظيم الجملة وفق حركة المعنى، وتمنح الوقفة والتقطيع والامتداد دوراً في تشكيل التجربة، وفي بعض نصوص علوش تظهر عناية واضحة بحركة السطر الشعري وبالوقفات التي تفصل بين الجمل والصور.
لكن الإيقاع الداخلي لا يتحقق بمجرد تقصير الأسطر أو توزيع الكلمات على الصفحة، فإنه يحتاج إلى علاقة دقيقة بين النبر، والتكرار، وطول الجملة، والوقف، والصورة، والمعنى، ولذلك فإن بعض المقاطع التي تستفيد من التقطيع البصري تبدو أكثر تماسكاً حين يكون الانقطاع جزءاً من التوتر الدلالي، بينما لا تضيف الوقفة، في مقاطع أخرى، بالقدر نفسه إلى البناء الموسيقي أو الدلالي.
وهذا يقود إلى مسألة مهمة في شعر علوش، هي علاقة الشكل بالمعنى، فالقصيدة الحديثة لا تستطيع أن تعتمد على المضمون وحده، كما لا يمكن للشكل أن يكون زينة مستقلة، وكل اختيار شكلي ينبغي أن يجد مبرره داخل التجربة، والسطر الشعري الناجح هو الذي يجعل طريقة توزيعه جزءاً من طريقة معناه.
ولعل هذا يفسر أهمية «المسكوت عنه» في بعض نصوصه، فالصمت يمكن أن يكون عنصراً فاعلاً في القصيدة حين يكون ناتجاً عن توتر حقيقي بين ما تستطيع اللغة قوله وما تعجز عن قوله، لكنه يفقد فاعليته إذا تحول إلى استراتيجية شكلية متكررة، ولذلك فإن شعرية الصمت، مثلها مثل شعرية الضوء والغياب والنافذة، تحتاج إلى أن تتجدد من نص إلى آخر.
ومن ناحية أخرى، فإن العلاقة بين الذاكرة والرغبة تمنح التجربة بعداً زمنياً واضحاً، فالذاكرة تعيد النص إلى ما حدث وما انكسر وما غاب، بينما تدفع الرغبة باتجاه ما يمكن أن يحدث، وبينهما يتحرك الزمن الشعري، فلا يصبح الماضي مجرد مساحة للحنين، ولا يتحول المستقبل إلى وعد رومانسي منفصل عن الواقع، ويمكن قراءة هذا التوتر بوصفه أحد العناصر التي تمنح التجربة إمكاناتها الوجودية، لكن ينبغي الحذر أيضاً من تحويل الذاكرة والغياب والرغبة إلى منظومة رمزية ثابتة؛ فهذه المفاهيم من أكثر المفردات حضوراً في الشعر العربي الحديث، ولا تصبح جزءاً من هوية شاعرية خاصة إلا حين ترتبط بتجربة لغوية لا يمكن استبدالها بسهولة.
أما التراث، فتظهر علاقته بالنص في مستويات دينية وصوفية وتاريخية، لكن القيمة النقدية لهذا الحضور لا تتحدد بمجرد وجود الإحالة التراثية، فالتناص لا يصبح منتجاً إلا حين يعيد النص استخدام المرجع القديم في سياق جديد، بحيث يتغير معنى الأصل من خلال علاقته بالسياق المعاصر، ومن هذه الزاوية تبدو علاقة علوش بالتراث قابلة لمزيد من التطوير؛ فكلما ابتعد الاستدعاء عن الإشارة المباشرة والمرجع الجاهز، وأصبح أكثر اندماجاً في النسيج الداخلي للقصيدة، ازدادت قدرته على إنتاج معنى جديد بدل الاكتفاء بإضافة عمق ثقافي ظاهري.
ولعل المسألة الأوسع التي تطرحها تجربة محمد علوش هي موقع الشاعر الذي يحمل في الوقت نفسه وعياً سياسياً ونقابياً وثقافياً واسعاً، فهذه الخلفية يمكن أن تكون مصدراً ثرياً للقصيدة، لأنها تمنحها احتكاكاً مباشراً بالتاريخ والمجتمع والأسئلة العامة، لكنها يمكن أن تتحول أيضاً إلى ضغط على النص إذا سبقت الفكرةُ التجربةَ الشعرية، وهنا لا تكون المشكلة في حضور السياسة داخل الشعر، بل في الطريقة التي تحضر بها، فالقصيدة لا تحتاج إلى التخلص من الفكرة حتى تصبح شعراً، وإنما تحتاج إلى أن تخضع الفكرة لقوانينها الخاصة: الصورة، والإيقاع، والإيحاء، والتكثيف، والمفارقة، وتعدد الدلالة.
وبهذا المعنى، فإن تجربة علوش لا تبدو منجزة بصورة نهائية، وهذا تحديداً ما يجعلها قابلة للنقد، ففيها عناصر واضحة للتماسك، وفيها في الوقت نفسه مناطق تحتاج إلى مزيد من الاختبار، ولا سيما في تجديد المعجم الرمزي، وتقليل بعض المباشرة، وتوسيع طاقة الصورة، وإيجاد توازن أكثر دقة بين الفكرة الشعرية والخطاب الفكري، ولا أرى أن قيمة الشاعر تكمن في غياب هذه التحديات؛ فالتجربة التي لا تترك مجالاً للسؤال النقدي تتحول بسهولة إلى صورة مكتملة عن نفسها، بينما تظل التجربة الحية في حالة مراجعة مستمرة لأدواتها، لهذا فإن وضع محمد علوش داخل خانة «الشاعر الفلسطيني» لا يكفي، رغم مشروعيته التاريخية والثقافية، فهذه التسمية تحدد السياق، لكنها لا تشرح الشعر، والأهم هو البحث في الطريقة التي تتفاعل بها فلسطين مع الذات والذاكرة والحب والمكان واللغة، وفي الكيفية التي تتحول بها هذه العناصر من مواد موضوعية إلى بنية شعرية.
إن فلسطين في شعر علوش ليست مجرد جغرافيا، لكنها لا ينبغي، في المقابل، أن تتحول إلى استعارة مطلقة تبتلع بقية التجربة، وقيمتها الشعرية تتحدد بقدر ما تستطيع أن تدخل في علاقة مع التفاصيل الإنسانية، وأن تظل جزءاً من العالم لا بديلاً عنه، وهنا يصبح السؤال النقدي أكثر دقة: ماذا يحدث للواقع عندما يدخل قصيدة محمد علوش؟ وماذا يحدث للغة عندما تحمل هذا الواقع؟
الإجابة ليست واحدة في جميع النصوص، وهذا أمر ينبغي أن يقال بوضوح، ثمة مقاطع تنجح في تحويل التجربة إلى لغة ذات كثافة وإيحاء، وأخرى تظل أقرب إلى الفكرة أو العبارة التأملية، وثمة صور تكتسب فرادتها من سياقها، وأخرى تستند إلى رموز مألوفة تحتاج إلى مزيد من التجريب حتى تستعيد قدرتها على المفاجأة.
ومن هنا لا تبدو أهمية تجربة علوش في كونها تجربة مكتملة، وإنما في أنها تضع أمام النقد مادة يمكن تتبع تحولاتها، فالشاعر لا يقرأ فقط من خلال ما أنجزه، بل أيضاً من خلال المسافة التي يقطعها بين نص وآخر، وبين لغة وأخرى، وبين ما اعتاد قوله وما يحاول أن يتجاوزه، ولذلك فإن السؤال الأكثر أهمية في تجربته، في رأيي، ليس: هل يملك الشاعر لغة شعرية؟ وإنما: إلى أي مدى يستطيع أن يواصل مساءلة هذه اللغة؟ فالمعجم الذي لا يتجدد يتحول إلى عادة، والصورة التي تتكرر تفقد جزءاً من دهشتها، والرمز الذي يستقر على معنى واحد يصبح أقرب إلى الإشارة منه إلى الشعر، أما القصيدة التي تعيد اختبار أدواتها باستمرار، فهي التي تملك إمكانية تطوير تجربتها.
من هنا يمكن القول إن محمد علوش يكتب في منطقة تتقاطع فيها الذات الفلسطينية مع التجربة الإنسانية، والسياسي مع الوجداني، والذاكرة مع الرغبة، والمكان مع اللغة، غير أن أهمية هذه المنطقة لا تكمن في اجتماع عناصرها، بل في مقدار النجاح الذي تحققه القصيدة في تحويل هذا الاجتماع إلى بناء جمالي متماسك، وفي هذا المعنى، لا يصبح الشعر وسيلة لقول ما نعرفه مسبقًا، وإنما وسيلة لاكتشاف ما لم نكن نعرف أننا نراه.
ولعل هذه هي المسافة التي ينبغي أن تظل مفتوحة في تجربة محمد علوش: المسافة بين ما يقوله الشاعر وما تستطيع قصيدته أن تكتشفه، وبين الفكرة التي يدخل بها النص والمعنى الذي يخرج منه، فالشعر، في النهاية، لا يقاس فقط بقدرته على التعبير عن موقف أو تجربة، وإنما بقدرته على تحويل التجربة إلى معرفة جمالية لا يمكن اختزالها في العبارة التي انطلقت منها، وعندما تنجح القصيدة في ذلك، لا تعود اللغة مجرد أداة للقول، بل تصبح طريقة جديدة لرؤية العالم.
- قاصة وناقدة من العراق
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة قدس نت
