من ندرة «الكاش» إلى رفضه.. أزمة نقدية جديدة في غزة تضغط على رواتب حماس وشبكاتها المالية

الفلسطينية منال السعيداني تُصلح أوراقًا نقدية قديمة ومهترئة في ظل نفاد العملة الصعبة في قطاع غزة (16).jpg

تحول السوق إلى الدفع الإلكتروني يفاقم أزمة رواتب حماس وسط استهداف إسرائيلي لشبكات التمويل

 تواجه حركة حماس أزمة متزايدة في تصريف الرواتب النقدية التي تدفعها لموظفين وعناصر تابعين لها في قطاع غزة، مع اتساع اعتماد الأسواق على التطبيقات والمحافظ الإلكترونية وتراجع قبول الأوراق النقدية، في وقت تكثف فيه إسرائيل عمليات استهداف مسؤولين وصرافين تقول إنهم مرتبطون بالمنظومة المالية للحركة.

وبحسب إفادات نقلتها صحيفة «الشرق الأوسط» عن متعاملين في أسواق غزة ومصادر من حركة حماس، فإن عددًا متزايدًا من التجار خفّض خلال الأيام الأخيرة تعامله بالنقد الورقي، خصوصًا الأوراق القديمة والبالية، واتجه بصورة أكبر إلى وسائل الدفع والتحويل الإلكتروني. وأدى ذلك إلى صعوبة لدى موظفين وعناصر يتلقون مستحقاتهم نقدًا في استخدام الأموال داخل الأسواق.

ويعكس هذا التطور تحولًا لافتًا في أزمة السيولة التي عاشها القطاع خلال السنوات الماضية؛ إذ كان السكان، خلال مراحل الحرب الأولى، يواجهون صعوبة في الحصول على النقد مقابل أرصدتهم البنكية الإلكترونية، فيما تتحدث التقارير الحالية عن اتجاه معاكس يتمثل في محاولة بعض حاملي النقد تحويله إلى أرصدة إلكترونية قابلة للاستخدام في عمليات الشراء والتحويل.

ونقلت «الشرق الأوسط» عن متعاملين في السوق أن بعض التجار باتوا يقبلون الأموال النقدية مقابل تحويل قيمتها إلى حسابات أو محافظ إلكترونية، مع اقتطاع عمولات قد تصل إلى نحو 10 في المئة. وكانت عمولات الحصول على النقد من الأرصدة الإلكترونية خلال فترات سابقة من الحرب قد وصلت، بحسب الصحيفة، إلى مستويات أعلى بكثير.

رواتب متباعدة وأوراق نقدية متفاوتة

ووفق مصادر من حماس تحدثت للصحيفة، يحصل موظفون حكوميون على مبالغ تقارب ألف شيقل كل نحو 100 يوم، وغالبًا بأوراق نقدية قديمة، بينما يتلقى عناصر في كتائب القسام دفعات كل 40 إلى 50 يومًا تعادل نحو 60 في المئة من الراتب، وبمبالغ لا تقل عن نحو 1200 شيقل. وهذه الأرقام تستند إلى إفادات مصادر نقلتها الصحيفة، ولم تعلنها حماس رسميًا.

ونشرت i24NEWS بدورها رواية مشابهة، نقلت فيها عن مصادر في غزة أن عناصر من القسام يتلقون دفعات مالية كل 30 إلى 50 يومًا، بينما يحصل موظفون حكوميون على دفعات أقل وبفترات زمنية أطول. وقالت القناة إن التحول المتزايد إلى وسائل الدفع الإلكترونية خلق مشكلة في تصريف الأموال التي تُدفع نقدًا.

وتقول المصادر ذاتها إن بعض التجار يبررون تقليص قبول النقد بكون نسبة كبيرة من الأوراق المتداولة قديمة أو متضررة، إضافة إلى اعتماد عمليات الاستيراد وشراء البضائع بصورة متزايدة على الحسابات المصرفية والتحويلات الإلكترونية.

شرطة غزة تتدخل

وفي ظل الأزمة، نقلت «الشرق الأوسط» عن مصادر في الشرطة التابعة لحماس أنها أصدرت تعليمات لأصحاب المحال بقبول الأوراق النقدية القديمة والجديدة ما دامت غير تالفة، وحذرت من اتخاذ إجراءات ضد التجار الذين يرفضون التعامل بها.

وبررت الشرطة موقفها، وفق ما نقلته الصحيفة، بأن المشكلة لا تقتصر على موظفي الحكومة أو عناصر الحركة، بل تشمل أيضًا عائلات وأفرادًا يتلقون مساعدات نقدية من مؤسسات إغاثية، ويواجهون صعوبة في استخدامها مع توسع الدفع الإلكتروني.

وفي المقابل، تصاعد الجدل حول دور المصارف وسلطة النقد الفلسطينية في توسيع التعامل الإلكتروني. وأفادت «الشرق الأوسط» بأن وسائل إعلام محسوبة على حماس وجهت انتقادات إلى بنوك فلسطينية واتهمتها بتقييد بعض الحسابات وتشجيع التخلي عن النقد، فيما نفت بنوك وجود قرارات عامة لإغلاق حسابات السكان.

استهداف متزامن للمنظومة المالية

وتتزامن أزمة النقد مع تصعيد إسرائيلي في استهداف أشخاص تقول إسرائيل إنهم يعملون في تحويل الأموال لصالح حماس.

وأعلن الجيش الإسرائيلي وجهاز الأمن العام «الشاباك»، في 25 سبتمبر/أيلول، أنهما استهدفا خلال الحرب 16 شخصًا وصفهم الجيش بأنهم عناصر مركزية في المنظومة الاقتصادية المرتبطة بحماس، مدعيًا أنهم شاركوا في تحويل أموال لتمويل النشاط العسكري للحركة بقيمة إجمالية تجاوزت مليار دولار عبر شبكة تضم عشرات الصرافين في تركيا وقطاع غزة.

وذكر الجيش من بينهم إبراهيم أبو شمّالة، الذي قال إنه كان مسؤولًا عن أموال الجناح العسكري، ومحمد أبو علوان، الذي نسب إليه مسؤولية إدارة أموال مرتبطة بالجناح السياسي للحركة. وهذه المعلومات تستند إلى الرواية الرسمية الإسرائيلية ولم تُعرض معها أدلة مستقلة يمكن التحقق منها علنًا.

كما أعلنت إسرائيل في الأيام الأخيرة استهداف شادي أبو حصيرة في مدينة غزة، وقالت إنه كان يدير شبكة صرافة حولت عشرات ملايين الشواكل إلى الجناح العسكري لحماس، في إطار ما تصفه المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بحملة لمنع الحركة من إعادة بناء منظومتها المالية والعسكرية.

من ندرة النقد إلى أزمة تصريفه

وتكشف التطورات الجديدة عن تغير عميق في طبيعة الاقتصاد اليومي في قطاع غزة. فخلال مراحل سابقة من الحرب، دفعت ندرة النقد سكانًا إلى دفع عمولات مرتفعة لتحويل أرصدتهم الإلكترونية إلى أوراق نقدية، في ظل تعطل البنوك وأجهزة الصراف الآلي.

أما الآن، فتشير تقارير ميدانية إلى توسع الاتجاه المعاكس، مع ارتفاع قبول التحويلات والتطبيقات الإلكترونية لدى التجار مقابل تراجع الرغبة في الاحتفاظ بالنقد، وخصوصًا الأوراق القديمة.

وذكر تحقيق نشرته i24NEWS أن أكثر من 98 في المئة من فروع البنوك وأجهزة الصراف الآلي في غزة خرجت عن الخدمة، وفق تقديرات استند إليها التحقيق، الأمر الذي أسهم في نشوء شبكات مالية غير رسمية تعتمد على التجار والصرافين والتحويلات الإلكترونية.

كما نسبت القناة إلى مصادرها أن حماس تعتمد جزئيًا على الضرائب والتبرعات وشبكات تحويل الأموال للحفاظ على قدرتها على دفع الرواتب. وتبقى المزاعم المتعلقة بطرق جباية الأموال أو نقلها سرًا، بما في ذلك الادعاءات بشأن الضغط على تجار، قائمة على مصادر القناة وغير مثبتة بصورة مستقلة.

وتظهر المعطيات المتقاطعة من «الشرق الأوسط» وi24NEWS أن الأزمة المالية في غزة باتت تتجاوز مسألة نقص السيولة إلى تغير بنية التداول نفسها، مع انتقال أكبر نحو الدفع الإلكتروني، فيما تتزامن هذه التحولات مع تشديد إسرائيل استهداف قنوات التمويل والصرافة التي تقول إنها مرتبطة بحماس.

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - غزة