قرى على الطريق وقرى خارج الطريق.. البنية التحتية ترسم فارقاً بين قرى الضفة

بقلم: علاء كنعان

علاء كنعان صحافي وكاتب فلسطيني.jpg

بقلم: علاء كنعان – صحافي وكاتب فلسطيني

من يسكن خارج حدود أي هيئة محلية قد لا يحصل على الخدمات ذاتها التي يحصل عليها من يسكن داخلها. فشبكات الصرف الصحي والمياه والطرق وغيرها من مشاريع البنية التحتية ترتبط في كثير من الأحيان بحدود المناطق التي تنفذها البلديات والهيئات ضمن مناطق نفوذها، فيما تبقى تجمعات سكانية مجاورة خارج نطاق بعض هذه الخدمات.

ولا يقتصر التفاوت في مستوى الخدمات التي يجري تقديمها، إذ يتأثر أيضاً بموقع القرية من الطرق الرئيسية، ومدى ارتباطها بمراكز المدن والأسواق، وطبيعة المشاريع التي تصل إليها أو تمر بالقرب منها. فقد تتجاور قرى فلسطينية، لكن واقع البنية التحتية فيها يختلف من حيث جودة الطرق، وتوفر شبكات المياه والصرف الصحي، وسهولة الوصول إلى أماكن العمل والخدمات.

في جنوب شرق نابلس، تقدم قريتا جوريش وقصرة والقرى المحيطة مثالاً على التحديات التي تواجه استكمال مشاريع الطرق. فقد جرى تعبيد معظم الطريق الواصل بينهما بدعم كويتي، فيما بقي نحو 200 متر عند بداية الطريق من جهة الشارع الرئيسي المؤدي إلى جوريش دون تعبيد، بسبب عدم موافقة الاحتلال على تنفيذ أعمال التعبيد في هذا المقطع.

ورغم أن الجزء المتبقي قصير مقارنة بطول الطريق، فإنه يشكل حلقة غير مكتملة في مسار يستخدمه السكان للوصول إلى الطريق الرئيسي، والتنقل بين القرى ومراكز الخدمات. أهمية الطريق هنا لا تقاس بطوله فقط، وإنما بقدرته على تأمين اتصال متواصل بين القرية والطريق الرئيسي، وما يعنيه ذلك للسكان في تنقلهم اليومي ونقل منتجاتهم والوصول إلى الخدمات.

وفي حوارة، تظهر صورة أكثر تعقيداً. فقد افتُتح شارع حوارة الالتفافي في تشرين الثاني/نوفمبر 2023، وأُنشئ لتسهيل حركة المستوطنين نحو المستوطنات المحيطة بنابلس وتجنب المرور في مركز البلدة. وتشير دراسة أكاديمية من جامعة بيرزيت إلى أن الفلسطينيين يستطيعون استخدام أجزاء من الطرق الالتفافية، لكن ذلك يختلف من موقع إلى آخر بسبب الحواجز والبوابات وقيود الحركة.

وفي حالة حوارة، استفاد المسافرون من شمال الضفة الغربية باتجاه وسطها وجنوبها من انتقال جزء من حركة المركبات إلى الطريق الالتفافي، كما خف الضغط المروري داخل البلدة. وتراجعت حركة المركبات في الشارع الرئيسي من نحو 20 ألف مركبة يومياً إلى نحو 5 آلاف بعد تحويل جزء من الحركة إلى الشارع الالتفافي.

هذه الاستفادة لا تعني أن المشروع كان موجهاً إلى تطوير البنية التحتية في حوارة. فالفرق مهم بين أن يستخدم الفلسطيني طريقاً أُنشئ في سياق خدمة حركة المستوطنات، وأن يُنفذ مشروع يبدأ من احتياجات القرية نفسها، من طرق داخلية ومياه وصرف صحي وكهرباء وإنارة. الأول قد ينتج فائدة للفلسطينيين، كما حدث في حوارة، لكن ذلك لا يحل تلقائياً احتياجات البنية التحتية داخل القرية.

وهذه النقطة تستحق النظر إليها، فالمشهد على الأرض لا ينقسم ببساطة إلى طرق يستخدمها المستوطنون وأخرى يستخدمها الفلسطينيون؛ هناك طرق أُنشئت في سياق خدمة المستوطنات ويستخدم الفلسطينيون أجزاء منها، وفي المقابل توجد قرى فلسطينية لا تزال تواجه صعوبة في الوصول إلى البنية الأساسية. ووفق الأمم المتحدة، كانت 73 تجمعاً فلسطينياً في الضفة الغربية، مطلع 2025، تفتقر إلى شبكة مياه رسمية وتعتمد على صهاريج المياه، فيما واجهت 52 تجمعاً عوائق في الوصول إلى مصادر المياه.

في شمال شرق رام الله، يظهر نموذج مختلف من خلال مشروع إقليمي للصرف الصحي بقيمة 42.2 مليون يورو، يتضمن محطة لمعالجة المياه العادمة وشبكة يتجاوز طولها 180 كيلومتراً، بهدف زيادة التوصيلات المباشرة لنحو 60 ألف نسمة في 14 قرية. ويمول المشروع بمنحة من الاتحاد الأوروبي وقرض من بنك الاستثمار الأوروبي، وتديره سلطة المياه الفلسطينية.

هذا النوع من المشاريع يوضح الفرق بين الاستثمار الذي يصل إلى داخل التجمع الفلسطيني والاستفادة العرضية من بنية قائمة لغاية أخرى. ففي الحالة الأولى، تكون الشبكة والمحطة والخدمة مصممة لتلبية احتياجات السكان ، وفي الثانية، قد يستخدم السكان جزءاً من طريق أو شبكة طُورت لاعتبارات مختلفة، دون أن يعني ذلك أن قريتهم أصبحت ضمن مسار استثمار مماثل.

لذلك، فإن السؤال لا يتعلق فقط بعدد المشاريع أو حجم الأموال التي تُنفق في الضفة الغربية، وإنما بمكان الاستثمار ووظيفته ومن يستفيد منه مباشرة. هل تصل البنية التحتية إلى داخل القرية، أم تظل القرية مجاورة لمسار استثماري واسع؟ وهل تستطيع الجهات الفلسطينية والدولية تنفيذ مشاريعها وفق احتياجات السكان، أم تبقى بعض التجمعات خارج الشبكات والطرق والخدمات الأساسية؟

الفارق بين " قرى على الطريق " و" قرى خارج الطريق" لا يتعلق بالمسافة وحدها. فهناك قرى تقع على مسارات الاستثمار في البنية التحتية، وأخرى تبقى خارجها، ويظهر الفرق بينهما في الوقت اللازم للتنقل، وكلفة النقل، وإمكانية الوصول إلى العمل والأسواق، وتوفر المياه وشبكات الصرف الصحي، وصولاً إلى قدرة القرية على النمو والبقاء.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة قدس نت