من صراع داخل قمرة القيادة إلى هبوط اضطراري في السعودية.. قائد «فلاي دبي» يروي ما حدث والتحقيق يلاحق الدوافع
كشف قائد رحلة «فلاي دبي» التي اضطرت للهبوط في السعودية خلال توجهها من دبي إلى تل أبيب، تفاصيل اللحظات الحرجة التي شهدتها قمرة القيادة إثر تعرضه لاعتداء من مساعده، فيما تتوسع التحقيقات في الإمارات لكشف دوافع الحادث وتحديد ما إذا كان مرتبطًا بنشاط أو غرض إرهابي أو جرى التخطيط له مسبقًا.
وقال قائد الطائرة الهندي سميت ماتشهار، الجمعة 02 أكتوبر/تشرين الأول 2026، في أول حديث علني له عن الحادث، إنه كان يصارع من أجل البقاء بعد تعرضه لإصابات خطيرة، لكنه أدرك في الوقت نفسه أن حياة جميع من كانوا على متن الطائرة أصبحت مهددة.
وجاءت تصريحات ماتشهار خلال اتصال مرئي مع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، الذي أشاد بسرعة تصرفه خلال الحادث. وأكد مكتب رئيس الوزراء الهندي أن ماتشهار اتخذ قرارات حاسمة خلال ثوانٍ رغم إصابته، وساعدت تصرفاته في حماية حياة من كانوا على متن الرحلة.
وقال ماتشهار، وفق روايته للحظات المواجهة، إنه سقط على أرضية قمرة القيادة بعدما أصيب بجروح بالغة، بينما كانت الطائرة تفقد ارتفاعها، وإنه أدرك أن عليه بذل محاولة أخيرة للوصول إلى باب قمرة القيادة وفتحه.
وأوضح أنه تمكن، رغم استمرار الاعتداء عليه، من فتح الباب، الأمر الذي أتاح لأشخاص كانوا خارج قمرة القيادة التدخل والسيطرة على الموقف.
وأضاف أنه كان يقاتل دفاعًا عن حياته، لكنه كان يدرك في الوقت ذاته أنه «لا يمكن السماح للآخرين بالموت».
وتتوافق أجزاء رئيسية من رواية القائد مع المعلومات التي نشرتها «رويترز»، والتي أفادت بأن القائد المصاب تمكن من فتح باب قمرة القيادة، قبل أن يسيطر ركاب وأفراد من الطاقم على مساعد الطيار، فيما تولى طاقم احتياطي كان على متن الرحلة قيادة الطائرة والهبوط بها في مطار تبوك شمال غربي السعودية.
هبوط حاد قبل استعادة السيطرة
وأظهرت بيانات الرحلة التي حللتها «رويترز» حجم الخطر الذي واجهته الطائرة خلال الحادث.
فالرحلة «FZ1073»، التي أقلعت من دبي صباح الأربعاء 30 أيلول/سبتمبر متجهة إلى تل أبيب وعلى متنها 174 راكبًا وأفرادًا من الطاقم، كانت تحلق على ارتفاع يقارب 34 ألف قدم فوق السعودية عندما بدأت سلسلة تحركات حادة وغير معتادة.
وأظهرت بيانات التتبع أن الطائرة فقدت نحو 17 ألف قدم من ارتفاعها في أقل من دقيقة، قبل أن تستعيد جزءًا من ارتفاعها وتستقر لاحقًا، فيما وصلت سرعة الهبوط في بعض اللحظات إلى مستويات شديدة الارتفاع.
وبعد استعادة السيطرة، تولى أفراد من طاقم احتياطي كانوا مسافرين على متن الرحلة قيادة الطائرة، قبل أن تهبط اضطراريًا وبسلام في مطار تبوك السعودي.
السعودية تؤكد وقوع الاعتداء
وأكدت وزارة الداخلية السعودية، في نتائج تحقيقاتها الأولية، وقوع اعتداء داخل قمرة القيادة بين مساعد الطيار وقائد الطائرة أدى إلى إصابة كليهما، بعدما سمحت السلطات السعودية للطائرة بالهبوط اضطراريًا في تبوك إثر تلقي إشارة استغاثة.
وبعد تحسن حالتهما والسماح لهما طبيًا بالسفر، غادر القائد ومساعده السعودية إلى أبوظبي، برفقة فريق أمني إماراتي، لاستكمال الإجراءات والتحقيقات المتعلقة بالحادث.
ويتلقى ماتشهار العلاج في الإمارات من الإصابات التي تعرض لها خلال المواجهة.
تحقيق إماراتي في الدوافع
وفي تطور لاحق، أمر النائب العام الإماراتي المستشار حمد سيف الشامسي بتشكيل فريق متخصص من أعضاء النيابة العامة للتحقيق في حادث الرحلة، بالتنسيق مع الهيئة العامة للطيران المدني والجهات المعنية في الإمارات.
وقالت وكالة أنباء الإمارات الرسمية «وام» إن التحقيق يهدف إلى جمع الأدلة وتحديد ملابسات الحادث ودوافعه، إضافة إلى التحقق مما إذا كان مرتبطًا بـ«نشاط أو غرض إرهابي»، أو ما إذا كان قد جرى بتخطيط أو توجيه مسبق.
وشدد النائب العام الإماراتي على أن التحقيق لا يزال مستمرًا، داعيًا إلى تجنب التكهنات أو تداول معلومات غير موثقة قبل استكمال الإجراءات الرسمية.
وأكد الرئيس التنفيذي لـ«فلاي دبي» غيث الغيث، الجمعة، أن السلطات تجري تحقيقًا رسميًا في ما وصفه بـ«حادث سلامة» داخل قمرة القيادة، وأن الشركة تتعاون مع الجهات المختصة، مشددًا على ضرورة إتاحة المجال للتحقيق لتحديد الوقائع.
إسرائيل تشارك في التحقيق
وفي أحدث تطورات القضية، أفادت «رويترز» الجمعة بأن محققين إسرائيليين سيشاركون مع السلطات الإماراتية في التحقيق، ومن المتوقع أن يستجوبوا مساعد الطيار الموجود حاليًا في الإمارات، وفق مصدر مطلع على التحقيق.
وقالت الوكالة إن غالبية ركاب الرحلة كانوا إسرائيليين، فيما لم تكشف السلطات حتى الآن بصورة رسمية ونهائية الدافع وراء الاعتداء.
وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد قال إن مساعد الطيار عماني الجنسية، وقدم تقديرات بشأن دوافعه وخلفيته، إلا أن «رويترز» أشارت إلى أن الدافع لم يكن قد تحدد حتى الجمعة، وأن التحقيقات ما زالت جارية بشأن ما إذا كان قد تصرف بمفرده أو بتوجيه من جهة أخرى. ولم يصدر تعليق علني من السلطات العمانية على القضية حتى ذلك الوقت.
أسئلة حول أمن قمرة القيادة
وأعاد الحادث فتح النقاش بشأن أحد أكثر جوانب أمن الطيران تعقيدًا: كيفية التعامل مع التهديد عندما يأتي من داخل قمرة القيادة نفسها، وليس من أحد الركاب.
ومنذ هجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001، شددت شركات الطيران والسلطات التنظيمية إجراءات الوصول إلى قمرة القيادة، وأصبحت أبوابها أكثر تحصينًا بهدف منع الدخول غير المصرح به. إلا أن حادث «فلاي دبي» يسلط الضوء على نوع مختلف من المخاطر يتعلق بمن يملكون أصلًا صلاحية الوصول إلى أنظمة الطائرة وقيادتها.
وأشارت وكالة «أسوشيتد برس» إلى أن الواقعة أعادت تسليط الضوء على ما يعرف في قطاع أمن الطيران بـ«التهديد الداخلي»، وعلى إجراءات اختيار أفراد الطواقم ومتابعتهم وفحصهم أمنيًا وصحيًا.
وسبق أن واجه قطاع الطيران قضية مشابهة من حيث مصدر الخطر عام 2015، عندما تحطمت طائرة «جيرمان وينغز» في جبال الألب الفرنسية، وأظهرت التحقيقات أن مساعد الطيار تعمد إسقاطها، ما أدى إلى مقتل جميع الأشخاص الـ150 على متنها. وأدت تلك الكارثة إلى مراجعات واسعة لإجراءات الصحة النفسية والسلامة المتعلقة بأفراد أطقم الطيران.
غير أن السلطات الإماراتية شددت في قضية «فلاي دبي» الحالية على أن تحديد طبيعة الحادث ودوافعه سيبقى رهن نتائج التحقيق، محذرة من استباق تلك النتائج أو تبني روايات غير مثبتة.
وبينما تتواصل التحقيقات في خلفية مساعد الطيار ودوافعه والظروف التي سبقت الرحلة، باتت تصرفات القائد ماتشهار محور إشادة في الهند، إذ قال مودي إن شجاعته وسرعة بديهته أسهمتا في إنقاذ أرواح كثيرة، فيما قال ماتشهار إن قراره مواصلة المقاومة رغم إصابته انطلق من إدراكه أن الأمر لم يعد يتعلق بحياته وحده، بل بحياة جميع الموجودين على متن الطائرة.
