تعدد المسارب النقدية في تحليل النموذج الشعري: قراءة في قصيدة "حذف الهمزة أهمّ عنصر في الحكاية"

بقلم: سامية الأفغاني

سامية الأفغاني- باحثة وأكاديمية.jpg

د. سامية الأفغاني

هذه هي القراءة الثانية التي أتوجّه فيها إلى عوالم الشاعر والناقد الفلسطيني فراس حج محمد، فبعد أن تأملتُ عمله النقدي الصادم "الفنتازيا الإسلامية- ميتافيزيقيا السرد الإسلامي"، مفككة خطابه النقدي في دراسة خاصة مستعينة بنظريات "تحليل الخطاب" أتوقف في هذه الكتابة عند قصيدته الجديدة "حذف الهمزة أهم عنصر في الحكاية". وأود أن ألفت نظر القراء الكرام إلى أن القصيدة لم تنشر، وإنما عرضها صاحبها عليّ على هامش الحوار الممتد حول طروحاته النقدية في السرد والفنتازيا الإسلامية.

القصيدة:

حذف الهمزة أهمّ عنصر في الحكاية

لا شيء يستحقّ أن يحدثَ إلّا أن تنام معها

أن تعفّرها راضية في تراب الحديقة النائية

أن ترى الغبار على ركبتيها

تشبع من كأس نشوتها

تحذف الهمزة عامداً من "كأسها"

لتعيدها سيرتها الأولى

تراها ناهضةً تنفض عنها الغبار

ضاحكة تقول لك الحكاية مرّة أخرى وهي تشير إلى ركبتيها:

"أصبحتُ درّاجةً... أصبحتُ سيارة"

وأنت تقول:

"أصبحتُ طعم وردتها... وأصبتُ فيها انتباه رعشتها"

لا شيء يستحقّ إذاً بعدها إلّا أن ترى ذاك الغبار ثانية على جانبيها

***

هي وحدها الآن تحدّثُ الإسبانَ... تكتب عنكَ قصّتها

تستولد الذكرياتِ...

الشخوصَ                 

تفلسفَ الحبكةَ الماضيةْ

وأنت الآن وحدك ههنا

تكتبُ هذي القصيدة عن طراوة اللحم في شكل ربلتها

عن طعمها المرّ المحلّى في عزف آهتها

وتكاد تحصي الغبارَ

إيقاع نفضتها في هزّ قامتها

وتبثها عبر الأثير: "بسيطة"

فكأنّها ولدتك في متنِ جملتها

***

هي هكذا الحكايات يا صاحبي

أثقلت كاهليكَ بنار رحمتها

طرفان فعلاً ماضياً

والفاعل المجهول يبني من ضباب الأفق حكمته الباردةْ

عزاؤك

الشيءُ الوحيدْ

في خلع برنسها...

القراءة النقدية:

ينتمي هذا النص إلى تلك النصوص المركبة التي تتخذ من الظاهر الإيروتيكي المباشر عتبة نصية أولى لولوج عوالم وجودية ولغوية أكثر عمقا وتعقيدا، فلا يكتفي النص برصد اللحظة الحميمية أو توثيق تجربة عاطفية ذاتية، بل يتخذ من تلك اللحظة ركيزة أساسية لمساءلة أدوات التدوين الشعري ذاتها، ومراجعة أنساق السلطة الذكورية الكامنة في الخطاب الغزلي العربي الموروث، وكشف آليات الإدراك المادي للجسد والمكان.

لتفكيك هذه التجربة الشعرية واستغوار طبقاتها الدلالية والمفهومية، تتأسس هذه الدراسة على مقترح نقدي موسع ثلاثي المسارب، ينطلق من التكامل بين المناهج النقدية التحليلية دون الوقوف عند حدود الوصف الظاهري أو الانغلاق الشكلي:

يمتد المسرب الأول عبر الأسلوبية التفكيكية واللسانيات النصية، حيث يهتم برصد الانزياحات الصوتية والتركيبية، واستكشاف كيفية تحول المقولات النحوية والبلاغية من أطر تقنين معيارية صارمة إلى استعارات كبرى تسهم في بناء الرؤية الشعرية وتفكيك الهيمنة المؤسسية للغة، بينما يتكئ المسرب الثاني على طروحات "النقد الثقافي" عند عبد الله الغذامي، لمكاشفة الأنساق المضمرة التي تتوارى خلف الجماليات الظاهرة، وتتبع كيفية تقويض النص لمركزيّة "أنا الفحل" والجملة الثقافية السائدة، تحولا بالأنثى من موقع المفعول به والموضوع المستملك إلى موقع الذات المنشئة والمستولدة للنص والفلسفة.

أما المسرب الثالث فيلتقط البعد الظاهراتي (الفينومينولوجي) والوجودي، مستندا إلى مفاهيم (موريس ميرلو-بونتي) حول "فينومينولوجيا الإدراك" و"الجسد المعيش" (Le corps vécu) واستعادة "لحم العالم" (La chair du monde)، لرصد كيفية تحول التراب والغبار والتماس الجسدي إلى وثائق معرفية تؤسس للوجود المادي الحقيقي، وتكشف في الوقت ذاته عن اغتراب الذات الحديثة وانشطارها بين الجغرافيا الملموسة والمنافي الأثيرية.

أولاً: المسرب الأسلوبي واللغوي

أ- الفونوتيقيا التفكيكية:

ينطلق الاشتغال الأسلوبي في النص من بؤرة (فونوتيقية) ولغوية صريحة، يمارس فيها الشاعر فعلا تفكيكيا واعيا لذات اللغة التي يكتب بها: "تحذف الهمزة عامدا من 'كأسها' / لتعيدها سيرتها الأولى"، تُعدّ الهمزة في النطاق الفونوتيقي واللساني صوتا حنجريا انفجاريا مجهورا، يتطلب نطقها إغلاقا تاما للمزمار ثم انفراجاً مفاجئا للهواء، مما يحدث قطعا نطقيا حادا في مجرى الصوت، ومن ثمّ، فإن الهمزة في البنية التقعيدية العربية ترمز إلى قيود المعيارية الصلبة والأطر الرسمية التي فرضتها المؤسسة اللغوية للحد من سيولة التعبير الشفاهي التلقائي.

إن فعل حذف الهمزة هنا يتحول من انزياح إملائي وتخفيف عامي (تحويل "كأسها" المهموزة إلى "كاسها" الممدودة) إلى موقف جمالي وفلسفي واعٍ، فالشاعر يمارس تقويضا أسلوبيا للسطوة النحوية بغية استعادة "السيرة الأولى" للفظ والتجربة معا، والسيرة الأولى هنا إحالة إبستمولوجية إلى حالة الشفافية، والسيولة النطقية، والطرواة البدائية التي سبقت تكبيل الإنسان ولغته بقواعد الصرف وأغلال المعيار، فالهمزة تجسد الفصل والقطع الجاف، في حين يمنح حذفها اللفظ جريانا صبيانيا ينهمر بسلاسة تتناغم مع طراوة النشوة والالتحام الحسي، مما يجعل الفعل اللغوي مرآة مطابقة تماما للفعل الوجودي المتمثل في إسقاط الحواجز والموانع الاجتماعية.

ب- أنسنة الميكانيكا واللعب الدلالي:

يتكسر البناء الغزلي التقليدي المعتمد على التشبيهات الاستعارية الموروثة من البيئة البدوية (كالمها، والأقمار، والغصون) عبر إقحام مفردات تقنية وعصرية سريعة في قلب الحوار الحميمي الشفيف، ويتجلى هذا الانزياح في الحوار المتبادل بين الطرفين، إذ تعبّر الأنثى ضاحكة وهي تشير إلى آثار التراب: "أصبحتُ درّاجة... أصبحتُ سيارة"، فيجيبها الشاعر بتمثّل وجداني حسي: "أصبحتُ طعم وردتها... وأصبتُ فيها انتباه رعشتها".

يمثل هذا التبادل انزياحا دلاليا حادا يدمج بين حركية الآلة السريعة وعفوية اللعب البكر، فالدرّاجة والسيارة هنا يستدعيان دلالات السرعة، والانطلاق، والاندفاع الخالي من التعقيد، حيث يتحول تراب الحديقة العالق بالركبتين من علامة اتساخ مادي إلى شاهد على الحركة واللعب، ويتفاعل الشاعر مع هذا التداعي التقني عبر أسلوبية المقابلة الحسية؛ فهو لا يقابل الآلة بآلة، بل يستجيب بلغة التذوق والانتباه الشديد "طعم وردتها"، "انتباه رعشتها"، مما يحول السرعة الميكانيكية إلى لحظة إدراك حسي مكثف للرعشة الحيوية.

ج- النحو المستعار:

لا يقف التناص مع اللغة عند حدود الصوت والمفردة، بل يتعداه إلى استعارة المصطلحات النحوية والصرفية وتوظيفها بوصفها أطرا مفاهيمية تفسر القدر والعاطفة الإنسانية، يتضح هذا الاشتغال البنيوي في قوله: "طرفان فعلا ماضيا / والفاعل المجهول يبني من ضباب الأفق حكمته الباردةْ".

يتجرد النحو هنا من وظيفته التقنينية المعزولة ليتحول إلى وعاء استعاري كلي يستوعب انقضاء اللحظة واكتمالها؛ فالطرفان المتلاحمان يتحولان مجتمعين إلى "فعل ماضٍ"، في دلالة أسلوبية على حتمية التحول إلى الذاكرة والتاريخ بجلوس اللحظة في طيات الانقضاء، أما القوة الميتافيزيقية الحاكمة للزمن والغياب فيُعبر عنها بالفاعل المجهول، وهو ما يحيل إلى القدر النافذ الذي ينحت عزاءاته الباردة بعيدا عن رغبات الذات، هذا الإسقاط للمقولات التركيبية على التجربة العاطفية يوضح أن اللغة في النص مسرح لنقل الأحداث، وهي كذلك المادة الخام التي يُصنع منها المصير وتُبنى داخلها التجربة الوجودية.

ثانياً: المسرب النقد-ثقافي

أ- تفكيك مركزية "أنا الفحل":

يتأسس مشروع النقد الثقافي عند عبد الله الغذامي على فحص الأنساق الثقافية (Cultural Formats) والمضمرة منها بشكل خاص، تلك التي تتوارى خلف الجماليات البلاغية لتكرس سلطة المؤسسة البطريركية، وتضخم مركزية "أنا الفحل" المالك للغة والجسد والسرد، وفي التراث الشعري العربي، يقوم النسق الغزلي في أغلبه على صدارة الشاعر الذكر بوصفه الذات الكاتبة والفاعلة والمسيطرة، في حين تُعامل الأنثى بوصفها موضوعا/ مفعولا به، محصورا في النطاق الجمالي أو الشهواني المجرد.

غير أن القراءة الثقافية لقصيدة "حذف الهمزة أهمّ عنصر في الحكاية" تكشف عن انكسار حاد ومباشر في هذه الجملة الثقافية الموروثة، يتجلى هذا التقويض النسقي في السطر الشعري المفصلي: "فكأنّها ولدتك في متنِ جملتها"، الشاعر هنا لا يستعرض سلطته الكاتبة، ولا يتغنى بامتلاكه للأنثى، بل يمارس تجريدا واعيا لذاته من عرش الفحولة النصية والولادة التكوينية، فالأنثى تتحول من نص يكتبه الشاعر، لتغدو "الجملة/ الذات المنشئة" والأصل التكويني الذي يتخلق الشاعر في متنها، إن فعل الولادة النصية والوجودية ينتقل بالكامل إلى الطرف الأنثوي، ليتحول الشاعر إلى كائن مولود لغويا وموضوعا تتخطفه صيغها الكلامية، مما يشكل زحزحة جذرية لمفهوم "الفحل الصانع للنص" لصالح "الأمومة اللغوية التأسيسية".

ب- الأنثى بوصفها الذات المفكرة والمؤرخة مقابل انكفاء الذكر:

تتعمق هذه المزاحمة النسقية عبر تفكيك ثنائية (الذكر المتكلم/ الأنثى الصامتة)؛ إذ يُسند النص للأنثى سلطة السَّفَر، والتدوين، والتأريخ، والفلسفة، مقابل انكفاء الذات الذكورية واستسلامها للعزلة المكانية والتذكر الحسي المحدود، يتبدى ذلك بوضوح في المقارنة النصية التالية:

"هي وحدها الآن تحدّثُ الإسبانَ... تكتب عنكَ قصّتها

تستولد الذكرياتِ... الشخوصَ

تفلسفَ الحبكةَ الماضيةْ

وأنت الآن وحدك ههنا

تكتبُ هذي القصيدة عن طراوة اللحم في شكل ربلتها".

تُظهر المقارنة النقدية بين موقعي الذات الذكورية والأنثوية حجم الانقلاب الراديكالي في الأنساق الثقافية التقليدية داخل النص؛ إذ تتخلّى الذات الأنثوية عن أدوار الانحسار والتبعية التاريخية لتتصدّر المشهد بالانفتاح على العالم الخارجي والتواجد في المنافي "إسبانيا" ومخاطبة الآخر الثقافي "تحدّث الإسبان"، متجاوزة الحدود المحلية التي ينكفئ داخلها الصوت الذكوري ويعتزل في مكانه الضيّق "وحدك ههنا".

ولا يقف هذا التحول عند حدود الحركة الجغرافية والاتصال المباشر بالمجتمع الجديد مقابل الاكتفاء الذكوري بالتراسل الافتراضي المعلّق عبر الأثير، بل يمتد ليمسّ جوهر الفعل النصي والمستوى المعرفي؛ حيث تمارس الذات الأنثوية سلطة التدوين والاستيلاد النصي "تكتب عنك قصتها"، "تستولد الشخوص" وتخوض في التجريد الفكري والتفكيك المعرفي للتاريخ "تفلسف الحبكة الماضية"، وفي المقابل، يُختزل الدور الذكوري في تدوين هامشي يرتهن لتتبع الأثر الحسي المادي "تكتب هذي القصيدة" والاستغراق في التفاصيل المادية الدقيقة كإحصاء الغبار وتذكّر "طراوة اللحم"، ما يعكس إعادة تشكيل كليّة لأدوار الفعل والفاعلية بين الطرفين.

إن الأنثى في هذا الخطاب لم تعد موضوعا للغزل أو جسدا يمتلكه الفحل، بل أصبحت هي المؤرخ المالك للقصة، والمفكر الذي يتناول "الحبكة الماضية" بالنقد والفلسفة، بينما يتراجع الشاعر ليمارس دور المدوّن للأثر الحسي والتفاصيل الجسدية الغاربة.

ج- انكسار المنظومة النسقية والتراجع أمام الفاعل المجهول:

يتسق هذا الانقلاب النسقي مع التطور الدرامي لختام القصيدة؛ فالنص لا ينتهي بنغمة انتصار فلكلوري ذكوري ولا باستعراض للسطوة، بل باعتراف صريح بالهشاشة أمام حركة الغياب المستمرة، فالطرفان صارا "فعلا ماضيا"، والشاعر يقف محايدا أمام حكم الشمولية التي يبنيها "الفاعل المجهول"، وتحول التجربة من منطق الامتلاك والسيطرة إلى عزاء يتيم يتبدى في "خلع برنسها"، هذا الخلع يتجرد من كل أبعاد الامتلاك الشهواني ليغدو إعلانا عن الانكشاف الوجودي المتبادل، وتراجعا تاما أمام هيمنة القدر والشعور بالغياب.

ثالثاً: المسرب الفينومينولوجي

أ- الجسد المعيش مقابل الجسد الموضوعي:

تعتمد الفلسفة الظاهراتية، كما ينظّر لها (موريس ميرلو-بونتي) في كتابه العمدة "فينومينولوجيا الإدراك"، على التمييز الدقيق بين "الجسد الموضوعي" (Le corps objectif) بوصفه جثة أو آلة بيولوجية توجد في المكان وتخضع للمعاينة الخارجية، و"الجسد المعيش" (Le corps vécu) بوصفه الوسيط الإدراكي الأساسي والمركز الوجودي الذي يختبر  الإنسان من خلاله العالم ويمتد في أبعاده.

من هذا المنظور الظاهراتي، ينخرط النص الشعري في تقديم تجربة إدراكية مكثفة تعيد الاعتبار للالتصاق بالمادة الحية:

"أن تعفّرها راضية في تراب الحديقة النائية

أن ترى الغبار على ركبتيها...

تشبع من كأس نشوتها...

تراها ناهضة تنفض عنها الغبار".

إن "تراب الحديقة" و"الغبار العالق بالركبتين" ليسا في النص تفاصيل شوارعية أو آثار اتساخ طارئة، بل هما الشاهد المادي الملموس الذي يسجل حدوث الوجود وانعتاقه من العزلة الذهنية، فالإدراك الفينومينولوجي لا يكتمل بالتجريد المثالي العقلاني، بل بالتماس المباشر مع الأرض؛ والغبار ينقل اللحظة من التجريد الروحي إلى التجسد الفيزيائي الحاضر، إن تنفيض الغبار والضحك التلقائي يمثلان عودة صريحة إلى "الأشياء في ذاتها" (Zu den Sachen selbst)، حيث يتأكد الوجود الإنساني عبر التفاعل الجسدي المباشر مع البيئة والمحيط.

ب- "لحم العالم" والوعي الحسي:

يستحضر الشاعر فراس حج محمد في القصيدة مفهوم "لحم العالم" (La chair du monde) الذي طوره (ميرلو-بونتي) لتفكيك الثنائية الديكارتية الفاصلة بين النفس والجسد، أو بين الذات المدرِكة والموضوع المدرَك، فالجسد لا يلاحظ العالم من الخارج، بل هو جزء من نسيجه المادي، ويتجلى ذلك في القراءة الحسية الشاملة التي يقدمها الشاعر للأنثى:

"تكتبُ هذي القصيدة عن طراوة اللحم في شكل ربلتها

عن طعمها المرّ المحلّى في عزف آهتها

وتكاد تحصي الغبارَ

إيقاع نفضتها في هزّ قامتها".

إن "طراوة اللحم" هنا ليست استثارة شهوانية سطحية، بل هي التماس المعرفي والمادي مع الخامة الحية للوجود، فالشاعر يدرك الجسد الأنثوي بوصفه امتدادا للعالم، ويتفاعل مع الصوت "عزف آهتها" والتذوق "طعمها المر المحلّى" والإيقاع الحركي "إيقاع نفضتها" بوصفها ظواهر إدراكية متكاملة تملأ أفق الوعي، فالإدراك هنا يتجاوز النظر المجرد ليكون خبرة حواسية شاملة تدمج السمع باللمس والتذوق، ملغية الفواصل التقليدية بين الوعي الذاتي والمادة الخارجية.

ج- انشطار المكان والتواجد المزدوج:

يكشف النص عن مأساة وجودية تعاني منها الذات الحديثة، والمتمثلة في الانشطار المكاني والوعي المتشظي بين عالمين وجوديين متناقضين:

الأول هو جغرافيا التجسد المادي الملموس والالتحام الحسي؛ المتمثلة في تراب الحديقة النائية، وطراوة اللحم، وعزف الآهة المباشر، والثاني هو جغرافيا التجريد والمنافي والأثير؛ المتمثلة في الغربة المكانية (إسبانيا)، وفلسفة الماضي، وبث الذكريات عبر الأثير.

يولّد هذا التقابل الفينومينولوجي حالة من "التواجد المزدوج" (Dual Presence)؛ حيث تتواجد الذات في المكان المحلي المادي "وحدك ههنا"، بينما يرحل وعيها وإدراكها إلى فضاء أثيري معلق بين جغرافيا المنفى وذاكرة التراب الأول، ويغدو فعل التدوين الشعري محاولة يائسة لردم هذه الفجوة المكانيّة، واستعادة غبار اللحظة الأولى عبر الكلمات المبثوثة عبر الأثير.

د، الاختزال الظاهراتي (Epoché):

تصل القصيدة إلى ذروتها الفينومينولوجية في الصورة الختامية المكثفة:

"عزاؤك

الشيءُ الوحيدْ

في خلع برنسها..."

إن "البرنس" يمثل المؤسسة، والأقنعة الحضارية، والأغلفة الاجتماعية والثقافية التي تحجب الإنسان والجسد عن حقيقتهما البدائية الشفافة، ومن ثَمّ، فإن فعل "الخلع" يوازي تماما مفهوم "الاختزال الظاهراتي" أو "تعليق الحكم" (Epoché /Phenomenological Reduction) عند (هوسرل) و(ميرلو-بونتي)؛ أي تحييد كافة السرديات والمؤسسات والمسبّقات الذهنية للوصول إلى النواة الصلبة للكينونة.

فالخلع هنا ليس تجردا جثمانيا، بل خلعا للأقنعة الأيديولوجية والثقافية، للوصول إلى العاري الوجودي الشفاف؛ حيث تسقط أوهام الامتلاك الفحولي، ويتبدد ضباب الأفق البارد، ليقف الإنسان مواجها قدره وعزلته وحيدا ونقيا، ممسكا بذاكرة التماس الأول بوصفها العزاء الوحيد المتبقي له في هذا العالم.

رابعاً: المقارنة التكاملية المدمجة بين المسارات النقدية الثلاثة

تُفصح القراءة التركيبية للنص عن تلاحم وثيق بين التحول النسقي الشامل وتكامل أدوات التفكيك المنهجي؛ إذ تجسد المقارنة النقدية بين موقعي الذات الذكورية والأنثوية انقلاباً راديكالياً في البنية الثقافية، حيث تنتقل الأنثى من هامش التبعية إلى مركز الفاعلية عبر الانفتاح الجغرافي "إسبانيا"، وامتلاك سلطة التدوين والاستيلاد النصي "تستولد الشخوص"، وممارسة التفكيك المعرفي للتاريخ "تفلسف الحبكة الماضية"، في مقابل انكفاء الذات الذكورية واحتجازها في عزلة المكان الضيق "وحدك ههنا" والاستغراق في تتبع الأثر الحسي المادي.

وقد جاء التكامل الأسلوبي والنقد-ثقافي والظاهراتي ليتتبع هذا الانقلاب في أصغر البنيات اللغوية وأعمقها؛ ففي حذف الهمزة "كاسها" التقاط للسيولة الصوتية أسلوبياً مع تقويض السلطة النحوية الأبوية ثقافياً واستعادة الشفافية الأولى ظاهراتياً، وفي مقولة "ولدتك في متن جملتها" تتآزر الأسلوبية (التناص مع المقولات النحوية) مع النقد الثقافي كسر مركزية "أنا الفحل" والظاهراتية، فتحقق الذات عبر الآخر وانبثاق الوعي من اللفظ لتأكيد انتقال مركز الخلق إلى الأنثى، كما يتأكد هذا التضافر في التعاطي مع الانزياح الدلالي لمفردات الأرض والجسد "تراب الحديقة" لكسر الصورة البلاغية المثالية الغزلية وتوثيق "الجسد المعيش"، وصولاً إلى ختام النص عند "خلع برنسها" الذي تجسد فيه التكثيف الأسلوبي مع انكسار الجملة الثقافية وممارسة "الاختزال الظاهراتي" (Epoché)، ليغدو النص بأكمله وثيقة نقدية تفكك الأنساق التقليدية وتُعيد صياغة الكينونة والوعي عبر مظاهرة منهجية ثلاثية الأبعاد.

وفي الختام:

تكشف هذه الدراسة أن قصيدة "حذف الهمزة أهمّ عنصر في الحكاية" للشاعر فراس حج محمد يمكن أن تعدّ نموذجا للشعرية العربية المعاصرة التي تتجاوز إنتاج المعنى السطحي لتتأمل أدوات إنتاجه وشروطه الوجودية والثقافية، فأثبت التحليل ثلاثي المسارب أن النص يمتلك جودة بنيوية وتماسكا فكريا يتجلى في التضافر بين مستوياته اللغوية والثقافية والظاهراتية:

فعلى المستوى الأسلوبي واللغوي، أظهر النص قدرة فائقة على توظيف الانزياح الفونوتيقي والمقولات النحوية لتفكيك المعيار المؤسسي الصارم واستعادة السيرة الأولى اللينة للتعبير الإنساني، وعلى المستوى النقد-ثقافي، حققت القصيدة خرقا راديكاليا للنسق الفحولي الموروث؛ حيث جردت الشاعر الذكر من عرش "أنا الفحل" الصانع للنص والمحتكر للسلطة، ومنحت الأنثى موقع الذات المنشئة والمفكرة التي تولد الشاعر في متن جملتها وتؤرخ للتجربة.

أما على المستوى الظاهراتي والوجودي، فقد نجح النص في إعادة الاعتبار للجسد المعيش وتفاصيله المادية كالتراب والغبار والطراوة الحسية، بوصفها وثائق معرفية تضمن التحقق الكلي للكينونة وتواجه الاغتراب المكاني وتداعي الزمن، لتنتهي التجربة بفعل خلع البرنس بوصفه تجردا ظاهراتيا شاملا من الأقنعة الحضارية والمؤسسية، وانكشافا نقيا للإنسان وهو يواجه قدره وعزلاءه أمام زحف الغياب.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة قدس نت