«نيويورك تايمز» تكشف تلاعبًا بتقارير السفارة الأمريكية للتستر على الاستيطان وجرائم المستوطنين وحماية حكومة نتنياهو
كشف تحقيق نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية، الخميس 08 أكتوبر/تشرين الأول 2026، عن تدخلات داخل السفارة الأمريكية في القدس أدت إلى حجب تقارير دبلوماسية حساسة وتعديل مضامين أخرى، بهدف تقديم سياسات حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بصورة أكثر إيجابية أمام الإدارة الأمريكية، ولا سيما ما يتعلق بالتوسع الاستيطاني واعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة.
ووفق التحقيق، الذي استند إلى مقابلات مع 15 مسؤولًا أمريكيًا والاطلاع على عشرات الوثائق والمراسلات الداخلية، اضطلع ديفيد ميلشتاين، أحد كبار مستشاري السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي، بدور محوري في تعطيل تقارير أعدها دبلوماسيون أمريكيون، أو إعادة صياغتها بما يخفف الانتقادات الموجهة إلى حكومة نتنياهو، فيما نفى هاكابي صحة الاتهامات الواردة في التقرير.
طمس التحذيرات بشأن الاستيطان
وأورد التحقيق أن إحدى أبرز حالات التدخل وقعت أواخر مارس/آذار 2026، عندما وافقت الحكومة الإسرائيلية على توسع استيطاني واسع في الضفة الغربية، ما دفع موظفي السفارة الأمريكية إلى إعداد تقرير عاجل يحذر من أن الخطوة قد تتعارض مع الخط الأحمر الذي أعلنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن رفض ضم الضفة الغربية إلى إسرائيل.
لكن ميلشتاين، بحسب التحقيق، عرقل إرسال التقرير بصيغته الأصلية، وأعاد تقديم الخطوة الإسرائيلية باعتبارها شأنًا داخليًا، قبل إرسال صياغة معدلة تبرر الإجراءات بأسباب إنسانية غير محددة، ما أدى إلى تهميش التحذيرات السياسية التي تضمنها التقييم الأول.
وتثير هذه الواقعة تساؤلات بشأن مدى دقة المعلومات التي وصلت إلى صناع القرار في واشنطن حول الإجراءات الإسرائيلية الرامية إلى توسيع السيطرة على أراضي الضفة الغربية، ومدى انعكاسها على الموقف الأمريكي المعلن بشأن رفض الضم.
عرقلة تقارير قتل فلسطينيين يحملون الجنسية الأمريكية
وامتدت التدخلات، وفق الصحيفة، إلى ملفات تتعلق بقتل فلسطينيين يحملون الجنسية الأمريكية، بعدما طالب أعضاء في الكونغرس بالحصول على معلومات بشأن مقتل تسعة منهم على أيدي مستوطنين وقوات الاحتلال الإسرائيلي.
وأشار التحقيق إلى أن موظفي السفارة أعدوا تقريرًا مفصلًا بشأن هذه القضايا، تضمن معطيات عن تعثر التحقيقات وعدم توجيه اتهامات جنائية، غير أن ميلشتاين عرقل تمريره، فيما أُرسلت مراسلة بديلة تعطي انطباعًا بوجود تعاون فعّال مع السلطات الإسرائيلية.
وبحسب التقرير، أدت هذه التدخلات إلى إعاقة جهود أعضاء الكونغرس للحصول على صورة دقيقة عن مسار التحقيقات، وهو ما يطرح تساؤلات بشأن الشفافية والمساءلة عن مقتل فلسطينيين يحملون الجنسية الأمريكية.
إعادة صياغة تقارير عن اعتداءات المستوطنين
وكشف التحقيق أن التدخلات طالت أيضًا تقييمات دبلوماسية بشأن تصاعد اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين في الضفة الغربية، رغم تحذيرات مسؤولين عسكريين إسرائيليين من أن استمرار العنف قد يؤدي إلى اندلاع اضطرابات فلسطينية واسعة.
ووفق ما أوردته وكالة الأناضول نقلًا عن التحقيق، عرقل ميلشتاين تقارير أشارت إلى إخفاق السلطات الإسرائيلية في التصدي للاعتداءات، وأُرسلت بدلًا منها برقية تشيد بإجراءات حكومة نتنياهو وتصورها على أنها تعمل بفاعلية لاحتواء العنف.
ولم تقتصر التدخلات على الضفة الغربية، إذ أشار التحقيق إلى تعديل تقارير بشأن عمليات توزيع المساعدات في قطاع غزة عبر «مؤسسة غزة الإنسانية» المدعومة أمريكيًا، وحذف تحذيرات دبلوماسية من الفوضى وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا، مقابل تقديم صورة إيجابية عن عمليات التوزيع.
تقييد التقارير الفلسطينية داخل السفارة
وأوضح التحقيق أنه منذ تولي ميلشتاين منصبه في أبريل/نيسان 2025، فرض رقابة مشددة على المراسلات الصادرة عن القسم المعني بالشؤون الفلسطينية داخل السفارة الأمريكية.
وبحسب مسؤولين تحدثوا للصحيفة، تراجع عدد التقارير المرسلة إلى واشنطن من عدة تقارير أسبوعيًا إلى عدد محدود شهريًا، بعدما أصبح الموظفون يترددون في إعداد تقييمات قد تُمنع من الإرسال أو تُعاد صياغتها بصورة تغير مضمونها.
وأشار بعض المسؤولين إلى أن هذه الممارسات دفعت موظفين إلى البحث عن قنوات بديلة لنقل المعلومات الميدانية دون المرور بالإجراءات التي فرضها ميلشتاين، خشية وصول صورة منقوصة أو مشوهة عن التطورات إلى الإدارة الأمريكية.
ونقلت الصحيفة عن مسؤولين سابقين وآخرين مطلعين على عمل السفارة مخاوفهم من أن تؤدي هذه التدخلات إلى تقويض الدور التقليدي للتقارير الدبلوماسية، التي يفترض أن تقدم تقييمات دقيقة ومستقلة تساعد الإدارة الأمريكية على اتخاذ قراراتها.
تساؤلات حول دور السفير الأمريكي
وفيما يتعلق بمسؤولية السفير مايك هاكابي، أفاد التحقيق بأنه لم يتضح مدى اطلاعه على جميع تدخلات مستشاره، أو ما إذا كانت هذه التدخلات قد أثرت فعليًا في قرارات البيت الأبيض.
غير أن مسؤولين أمريكيين قالوا إن هاكابي شارك في بعض الحالات في تعطيل تقارير أو إعادة تشكيل مضامينها، بينما تدخل في حالات أخرى لكبح ميلشتاين عندما اعتبر أنه تجاوز الحدود المقبولة.
في المقابل، رفض هاكابي ما ورد في التحقيق، واعتبر أن الاتهامات تفتقر إلى الأساس الواقعي، مؤكدًا نفيه القاطع لما نشرته الصحيفة.
أما وزارة الخارجية الأمريكية، فاكتفت بالتأكيد أن فريقها يعمل على تنفيذ أولويات السياسة الخارجية لإدارة ترامب، دون تقديم رد تفصيلي على الوقائع التي تناولها التحقيق.
وتسلط المعطيات التي كشفها التحقيق الضوء على مخاوف داخل الأوساط الدبلوماسية الأمريكية من إخضاع التقارير الرسمية للاعتبارات السياسية، بما قد يحجب عن واشنطن تقييمات ميدانية تتعلق بالتوسع الاستيطاني واعتداءات المستوطنين وقتل الفلسطينيين، ويحد من قدرة صناع القرار والمشرعين على مساءلة الحكومة الإسرائيلية بشأن سياساتها في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
