الانتخابات الفلسطينية بين استمرار الترشح واتجاه لتأجيل الاقتراع.. رسالة من الشيخ إلى فرنسا تكشف أزمة سياسية وضغوطًا دولية

لجنة الانتخابات.png

دخل ملف الانتخابات التشريعية الفلسطينية مرحلة جديدة من الغموض السياسي، الجمعة 9 تشرين الأول/أكتوبر 2026، بعدما كشفت رسالة رسمية وجهها نائب الرئيس الفلسطيني حسين الشيخ إلى فرنسا عن توجه لتأجيل الاقتراع المقرر في 28 تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، ربما حتى أيلول/سبتمبر 2027، في وقت تواصل فيه لجنة الانتخابات المركزية استقبال طلبات الترشح، التي ارتفع عددها إلى 11 طلبًا، وسط تمسك فرنسي وأوروبي بإجراء الانتخابات وفق الجدول الزمني المعلن.

ويعكس تزامن التطورين فجوة متزايدة بين الإجراءات الانتخابية الجارية على الأرض والتوجهات السياسية داخل القيادة الفلسطينية، في ظل تدهور الأوضاع الأمنية والاقتصادية في قطاع غزة والضفة الغربية، واستمرار الانقسام الداخلي، وتصاعد التساؤلات بشأن إمكانية تنظيم انتخابات شاملة تضمن مشاركة الفلسطينيين في القدس المحتلة والضفة الغربية وقطاع غزة.

وأعلنت لجنة الانتخابات المركزية، الجمعة، تسلم طلبي ترشح جديدين تقدمت بهما قائمتا «وطن للمستقلين» و«تجمع الكل الفلسطيني»، ليرتفع إجمالي طلبات الترشح للانتخابات التشريعية لعام 2026 إلى 11 طلبًا، بعد تسجيل تسعة طلبات حتى الأربعاء الماضي.

وأكدت اللجنة استمرار العمل في مقرها العام بمدينة البيرة ومكتبها في دير البلح وسط قطاع غزة، يومي الجمعة والسبت حتى الساعة الرابعة عصرًا، إلى جانب أيام الدوام الرسمية، لاستقبال طلبات الترشح الجديدة واستكمال إجراءات الطلبات المقدمة سابقًا، حتى إغلاق باب الترشح الثلاثاء المقبل، 13 تشرين الأول/أكتوبر.

وتأتي هذه الإجراءات وفق الجدول الانتخابي المعلن، الذي يحدد 28 تشرين الثاني/نوفمبر موعدًا للاقتراع، فيما تؤكد اللجنة أن تقديم طلب الترشح لا يعني قبول القائمة نهائيًا، إذ تخضع الطلبات للتدقيق والتحقق من استيفاء المتطلبات القانونية قبل اعتمادها رسميًا. 

رسالة إلى باريس تكشف توجهًا لتأجيل الانتخابات

في المقابل، كشفت وكالة رويترز، الجمعة، عن رسالة وجهها حسين الشيخ إلى وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، بتاريخ الثامن من تشرين الأول/أكتوبر، أبلغ فيها الجانب الفرنسي بأن الانتخابات التشريعية تتجه إلى التأجيل نتيجة عدم توافر الظروف السياسية والأمنية والاقتصادية التي استند إليها قرار إجرائها.

وبحسب الرسالة التي اطلعت عليها رويترز، خلص تقييم أجرته القيادة الفلسطينية إلى أن الظروف التي كان يُفترض أن تسمح بتنظيم الانتخابات لم تتحقق، وأن إجراء الاقتراع في الوضع الراهن يواجه عقبات أساسية تمس شمولية العملية الانتخابية وحرية المشاركة فيها ونزاهتها.

وأوضحت الرسالة أن مسؤولين فلسطينيين أوصوا الرئيس محمود عباس بتعديل موعد الانتخابات ومواصلة الحوار الداخلي لتهيئة الظروف المناسبة لإجرائها، مع طرح النصف الأول من أيلول/سبتمبر 2027 موعدًا بديلًا.

ولم يكن قد صدر، وفق المعطيات المتاحة، مرسوم رئاسي جديد يعتمد التأجيل ويعدل الموعد المحدد للاقتراع، ما يبقي الإجراءات الانتخابية القائمة مستمرة من الناحية الرسمية، رغم المؤشرات السياسية المتزايدة إلى احتمال تغيير موعدها. 

رهانات سياسية وأمنية لم تتحقق

وربطت الرسالة الفلسطينية التوجه نحو التأجيل بعدم تحقق مجموعة من التطورات التي كانت القيادة الفلسطينية تعوّل عليها لتحسين الظروف اللازمة لإجراء الانتخابات، وفي مقدمتها تنفيذ الخطة الأميركية المتعلقة بقطاع غزة، وما يرتبط بها من ترتيبات أمنية وسياسية.

وأشارت إلى أن التوقعات الفلسطينية شملت نشر قوات دولية وشرطة فلسطينية في غزة، ونزع سلاح حركة حماس، وانسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلي، إلى جانب تحركات أميركية لمنع ضم مزيد من الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية والقدس الشرقية المحتلتين، والحد من اعتداءات المستوطنين.

كما تضمنت التوقعات الإفراج عن نحو سبعة مليارات دولار من أموال المقاصة الفلسطينية المحتجزة لدى إسرائيل، بما يسهم في تخفيف الأزمة المالية والاقتصادية التي تواجهها السلطة الفلسطينية.

غير أن الرسالة خلصت إلى أن هذه التفاهمات والتعهدات لم تتحقق، وأن الأوضاع في الأراضي الفلسطينية شهدت مزيدًا من التدهور، الأمر الذي دفع مسؤولين فلسطينيين إلى التوصية بإرجاء الاقتراع وإعطاء الأولوية لتهيئة الظروف السياسية والأمنية الداخلية. 

فرنسا تتمسك بالانتخابات وتجديد الشرعية الفلسطينية

ويضع التوجه الفلسطيني نحو التأجيل القيادة الفلسطينية أمام تحدٍّ دبلوماسي مع فرنسا، التي تعد الانتخابات أحد الالتزامات الأساسية المرتبطة بمسار الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية وإصلاح مؤسساتها السياسية.

وأكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الفرنسية، باسكال كونفافرو، في مؤتمر صحفي الخميس، أهمية إجراء الانتخابات التشريعية في موعدها المعلن، 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2026، والانتخابات الرئاسية خلال النصف الأول من عام 2027.

وأوضح أن باريس تتابع عن كثب التطورات المتعلقة بالانتخابات الفلسطينية، مشيرًا إلى أن الإعلان عن أي تأجيل محتمل يعود إلى الجانب الفلسطيني، لكنه شدد على أن الموقف الفرنسي يتمثل في ضرورة الالتزام بالجدول الزمني المحدد.

ورحبت فرنسا بإعلان مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس إطلاق مهمة أوروبية لمراقبة الانتخابات الفلسطينية، باعتبارها خطوة داعمة لإجراء اقتراع يتسم بالمصداقية والشفافية.

وتنظر باريس إلى الانتخابات بوصفها مدخلًا لتجديد شرعية المؤسسات الفلسطينية وتعزيز قدرتها على تمثيل الفلسطينيين سياسيًا، في إطار الجهود الدولية الرامية إلى الحفاظ على إمكانية تطبيق حل الدولتين. 

الانقسام الفلسطيني وتعقيدات الاقتراع في غزة والقدس

ويتزامن الجدل بشأن موعد الانتخابات مع نقاشات داخلية بين الفصائل الفلسطينية حول جدوى المضي في الاقتراع قبل التوصل إلى تفاهمات وطنية بشأن المرحلة المقبلة، ولا سيما في ظل استمرار الانقسام السياسي والمؤسسي بين الضفة الغربية وقطاع غزة.

وكانت وكالة أسوشيتد برس قد أفادت، الخميس، بأن فصائل فلسطينية تبحث تأجيل الانتخابات التشريعية، على خلفية صعوبات لوجستية وسياسية تتعلق بتنظيم الاقتراع في قطاع غزة والقدس الشرقية المحتلة، إلى جانب الحاجة إلى استكمال الحوار الوطني.

وبحسب الوكالة، برزت تباينات بشأن التأجيل، إذ ترى أطراف فلسطينية أن تهيئة الظروف السياسية والتقنية وإجراء حوار وطني شامل يمثلان شرطًا لإنجاح الانتخابات، في حين تحذر أطراف أخرى من أن إرجاءها مجددًا قد يؤدي إلى تعميق أزمة الشرعية السياسية والمؤسساتية الفلسطينية. 

وتزداد التعقيدات في قطاع غزة نتيجة الأضرار الواسعة التي خلفتها الحرب، وما يرتبط بها من صعوبات في توفير المستلزمات الانتخابية وضمان وصول الناخبين إلى مراكز الاقتراع، فضلًا عن التساؤلات المتعلقة بإمكانية تنظيم عملية انتخابية شاملة في القدس المحتلة في ظل القيود الإسرائيلية.

استحقاق مؤجل منذ عقدين

وتكتسب الانتخابات التشريعية المقبلة أهمية خاصة باعتبارها أول انتخابات للمجلس التشريعي الفلسطيني منذ كانون الثاني/يناير 2006، حين فازت حركة حماس بأغلبية المقاعد، قبل أن يتفاقم الانقسام الفلسطيني وتسيطر الحركة على قطاع غزة عام 2007.

أما آخر انتخابات رئاسية فلسطينية، فقد جرت في كانون الثاني/يناير 2005، وفاز فيها محمود عباس، الذي استمر في منصبه رغم انتهاء ولايته الانتخابية الأصلية، في ظل تعثر إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية جديدة.

وكان محمود عباس قد أصدر في التاسع من تموز/يوليو 2026 مرسومًا بتحديد 28 تشرين الثاني/نوفمبر موعدًا للانتخابات التشريعية، في خطوة عُدّت محاولة لإعادة تنشيط المؤسسات الفلسطينية وتجديد شرعيتها بعد سنوات طويلة من تعطّل العملية الانتخابية. 

لجنة الانتخابات المركزية

وبينما تواصل لجنة الانتخابات المركزية استقبال القوائم وفق الإجراءات القانونية المعلنة، تكشف المراسلات الفلسطينية مع باريس عن اتجاه سياسي لإعادة النظر في موعد الاقتراع، ما يضع القيادة الفلسطينية أمام معادلة معقدة تجمع بين الحاجة إلى تجديد الشرعية الديمقراطية، ومتطلبات التوافق الوطني، والتحديات التي تفرضها الأوضاع الميدانية والضغوط الدولية.

ويبقى حسم مصير الانتخابات مرهونًا بصدور قرار رئاسي رسمي بشأن موعدها، في وقت تتجه فيه الأنظار إلى موقف القيادة الفلسطينية من التوصيات المتعلقة بالتأجيل، ومدى قدرتها على التوفيق بين مقتضيات الوضع الداخلي والالتزامات السياسية التي قطعتها أمام شركائها الدوليين.

 

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - رام الله