حذّرت أكثر من 100 منظمة دولية وإنسانية وحقوقية، الجمعة 9 تشرين الأول/أكتوبر 2026، من أن اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة لم يتجاوز حدود الالتزامات المعلنة، واصفة إياه بأنه «حبر على ورق»، في ظل استمرار عمليات القتل التي تنفذها قوات الاحتلال الإسرائيلي، وفرض قيود على دخول المساعدات الإنسانية ومعدات الإغاثة ومواد إعادة الإعمار، بعد عام من التوصل إلى الاتفاق في تشرين الأول/أكتوبر 2025.
وقالت المنظمات، في بيان مشترك نشرته منظمة «أوكسفام إنترمون» الإسبانية ومنظمة العفو الدولية، إن قوات الاحتلال قتلت أكثر من 1400 فلسطيني، بينهم ما لا يقل عن 327 طفلًا، خلال العام الماضي، جراء الغارات وإطلاق النار والعمليات العسكرية المتواصلة في القطاع، معتبرة أن استمرار سقوط الضحايا وحرمان الفلسطينيين من مقومات الحياة الأساسية يكشف الفجوة بين إعلان وقف إطلاق النار والواقع الميداني.
وأكد البيان أن القيود الإسرائيلية المفروضة على دخول المساعدات والآليات الثقيلة ومواد البناء تعرقل جهود إنقاذ المحاصرين تحت الأنقاض وإعادة تأهيل المنازل والمرافق الأساسية، وتمنع مئات آلاف العائلات من استعادة الحد الأدنى من الاستقرار بعد الدمار الواسع الذي خلفته الحرب.
وشددت المنظمات على أن استمرار القتل والحرمان في غزة لا ينبغي أن يتحول إلى واقع اعتيادي تحت غطاء اتفاق لوقف إطلاق النار، مطالبة المجتمع الدولي بالتحرك لضمان حماية المدنيين وإنهاء القيود المفروضة على العمل الإنساني.
كارثة إنسانية مستمرة رغم مرور عام على الاتفاق
وكشف البيان عن استمرار تدهور المؤشرات الإنسانية في القطاع، إذ لا يزال نحو مليوني فلسطيني بحاجة إلى مأوى ملائم، بينما يواجه 1.4 مليون شخص مستويات أزمة من انعدام الأمن الغذائي أو أشد خطورة، في ظل نقص الإمدادات الأساسية وتدمير مصادر الدخل والخدمات العامة.
وأشار إلى أن أيًا من المستشفيات الـ36 في قطاع غزة لا يعمل بكامل طاقته، نتيجة الأضرار التي لحقت بالمنظومة الصحية والنقص الحاد في الأدوية والمعدات الطبية والوقود.
وبحسب المنظمات، لا يزال أكثر من 18,500 مريض، بينهم أربعة آلاف طفل على الأقل، بحاجة إلى إجلاء طبي عاجل خارج القطاع، فيما توفي أكثر من ألف مريض أثناء انتظار الحصول على العلاج.
وفي الوقت نفسه، تتفاقم المخاطر الصحية المرتبطة بتلوث المياه وانهيار شبكات الصرف الصحي، مع استمرار تعذر إزالة كميات كبيرة من الركام وانتشار الذخائر غير المنفجرة في المناطق السكنية.
ولفت البيان إلى استمرار وجود آلاف الفلسطينيين تحت أنقاض المباني المدمرة، في ظل عدم توافر المعدات الثقيلة اللازمة لعمليات البحث والانتشال، الأمر الذي يضاعف معاناة العائلات التي لا تزال تنتظر معرفة مصير ذويها.
الخط الأصفر واتساع القيود على حركة الفلسطينيين
وحذرت المنظمات من أن جيش الاحتلال واصل تحريك ما يُعرف بـ«الخط الأصفر» داخل قطاع غزة إلى ما يتجاوز خط الانسحاب المحدد في الاتفاق، ما أدى، بحسب البيان، إلى تضييق المساحات المتاحة أمام الفلسطينيين وحشرهم في مناطق أكثر اكتظاظًا.
واعتبرت أن هذه التطورات، إلى جانب استمرار العمليات العسكرية، تحول دون توفير بيئة آمنة لعودة العائلات إلى مناطقها أو بدء عمليات التعافي وإعادة الإعمار.
وقالت المديرة التنفيذية لمنظمة إنقاذ الطفولة الدولية، إنغر آشينغ، إن اتفاق وقف إطلاق النار يفقد معناه عندما يستمر قتل الأطفال وتعجز العائلات عن إعادة بناء حياتها، مشيرة إلى أن معدل الضحايا الأطفال منذ إعلان الاتفاق يقترب من طفل واحد يوميًا.
وأكدت أن الدول التي دعمت الاتفاق تتحمل مسؤولية استخدام نفوذها لوقف عمليات القتل وضمان وصول الأطفال إلى الغذاء والرعاية الصحية والمأوى والتعليم.
دعوات لمحاسبة الاحتلال ووقف القيود على المنظمات الإنسانية
من جانبها، أكدت الأمينة العامة لمنظمة العفو الدولية، أنييس كالامار، أن جهود التعافي وإعادة الإعمار لا يمكن فصلها عن المساءلة القانونية وإنصاف الضحايا، محذرة من أن استمرار الإخفاق في محاسبة إسرائيل والضغط عليها للامتثال لأوامر محكمة العدل الدولية الملزمة يسهم في استمرار الجرائم والانتهاكات بحق الفلسطينيين.
وقال عضو مجلس إدارة شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية، محسن أبو رمضان، إن المؤسسات الفلسطينية تواصل الاستجابة للاحتياجات الإنسانية الهائلة، رغم تدمير مقارها ونزوح موظفيها وتراجع مواردها المالية.
وطالب أبو رمضان الحكومات بالتحرك لوقف الاعتداءات الإسرائيلية والقيود المفروضة على عمل المؤسسات الإنسانية، داعيًا الجهات المانحة إلى توفير تمويل مباشر ومرن للمنظمات الفلسطينية لضمان استمرار خدماتها.
وضمت الجهات الموقعة على البيان منظمات دولية بارزة، بينها العفو الدولية، وأوكسفام، وإنقاذ الطفولة، والمجلس النرويجي للاجئين، والمجلس الدنماركي للاجئين، والإغاثة الإسلامية، وكاريتاس الدولية، وغرينبيس، والمعونة الطبية للفلسطينيين، إلى جانب عشرات المؤسسات الفلسطينية والدولية العاملة في مجالات الإغاثة وحقوق الإنسان.
وأكدت المنظمات أن المسؤولية الدولية لا تنتهي بمجرد التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، بل تتطلب ضمان تنفيذه فعليًا وحماية المدنيين وإزالة القيود التي تحول دون وصول المساعدات وإعادة بناء المرافق الحيوية.
ويأتي التحذير عشية الذكرى السنوية الأولى لبدء وقف إطلاق النار في 10 تشرين الأول/أكتوبر 2025، في وقت لا تزال فيه الأوضاع الإنسانية في غزة، وفق المنظمات، بعيدة عن التعافي، وسط استمرار سقوط الضحايا وتعثر إعادة الإعمار وتقييد وصول المساعدات الأساسية.
