3 أعوام من الحرب على غزة.. أكثر من 74 ألف شهيد وانهيار المنظومة الصحية و21 ألف مريض ينتظرون العلاج خارج القطاع
نشرت وزارة الصحة في قطاع غزة الجمعة 9 تشرين الأول/أكتوبر 2026 التقرير الاحصائي المفصل حول تداعيات حرب الابادة على المنظومة الصحية في قطاع غزة بعد مرور ثلاث سنوات.
وكشفت وزارة الصحة في تقريرها عن حصيلة ثقيلة للخسائر البشرية والصحية التي خلفتها الحرب الإسرائيلية على القطاع خلال ثلاثة أعوام، وثّقت استشهاد عشرات آلاف الفلسطينيين، بينهم نحو 22 ألف طفل وأكثر من 11 ألف امرأة، وإصابة ما يزيد على 175 ألفًا، بالتزامن مع انهيار واسع في قدرات المستشفيات ونفاد الأدوية والمستلزمات الأساسية ووفاة آلاف المرضى أثناء انتظار الإجلاء الطبي، في مشهد يعكس استمرار تداعيات الحرب على حياة الفلسطينيين رغم مرور نحو عام على وقف إطلاق النار.
وأظهر التقرير الإحصائي الموسع الذي أصدرته الوزارة، عبر وحدة المعلومات الصحية (PHIC)، أن تداعيات الحرب تجاوزت أعداد الشهداء والجرحى، لتشمل تراجع القدرة الاستيعابية للمستشفيات، وتعطل الأجهزة الطبية، واتساع سوء التغذية، وارتفاع أعداد الأطفال الأيتام والمحرومين من التعليم، إلى جانب أزمة نفسية واجتماعية تطال شرائح واسعة من سكان القطاع.
وسجل التقرير التراكمي 74,237 شهيدًا و175,267 جريحًا منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، فيما أظهرت البيانات اليومية الأحدث التي نشرتها الوزارة في 8 تشرين الأول/أكتوبر ارتفاع الحصيلة إلى 74,254 شهيدًا و175,306 مصابين، بينهم 1,471 شهيدًا و5,189 مصابًا منذ بدء وقف إطلاق النار، بحسب إحصاءات الوزارة.
الأطفال والنساء في صدارة الخسائر البشرية
وبحسب التقرير، شكّل الأطفال 29.6% من إجمالي الشهداء، بواقع 21,976 طفلًا، فيما بلغ عدد الشهيدات 11,301 امرأة، بنسبة 15.2%، وسُجل استشهاد 5,405 من كبار السن، إلى جانب 35,555 رجلًا.
أما في صفوف المصابين، فقد وثقت الوزارة إصابة 45,569 طفلًا و24,537 امرأة و12,269 من كبار السن، إضافة إلى 92,892 رجلًا.
وكشفت المؤشرات الواردة في التقرير أن طفلًا استشهد، في المتوسط، كل 71 دقيقة خلال فترة الحرب، فيما بلغ عدد الشهداء من الأطفال دون الخامسة 5,444 طفلًا، بينهم 1,125 طفلًا لم يبلغوا عامهم الأول.
كما وثقت الوزارة استشهاد 612 طفلًا وُلدوا خلال الحرب، في مؤشر على حجم الخسائر البشرية التي طالت الأطفال منذ الأيام الأولى من حياتهم.
وأظهرت البيانات ارتفاع معدل وفيات الأطفال دون الخامسة من 13.6 وفاة لكل ألف مولود حي عام 2022 إلى 33.4 وفاة عام 2025، بما يعكس التدهور الحاد في البيئة الصحية والغذائية والخدمات الطبية المقدمة للأطفال.
أكثر من 71 ألف طفل يتيم ومئات الآلاف محرومون من التعليم
ولم تقتصر تداعيات الحرب على الضحايا المباشرين، إذ كشف التقرير عن وجود 71,846 طفلًا يتيمًا، إلى جانب تسجيل 1,134 حالة بتر بين الأطفال، ما يفرض احتياجات طويلة الأمد للعلاج والتأهيل والدعم النفسي والاجتماعي.
كما يعاني 1,204,102 طفل من انعدام الأمن الغذائي، بينما حُرم 914,102 طفل من التعليم، نتيجة الدمار الذي طال المؤسسات التعليمية والنزوح وتعطل العملية الدراسية.
وتشير هذه المؤشرات إلى اتساع الأضرار التي لحقت بجيل كامل من أطفال غزة، سواء بفقدان أفراد الأسرة أو التعرض لإصابات دائمة أو الحرمان من الغذاء والتعليم والرعاية الصحية، بما يضاعف التحديات أمام جهود التعافي وإعادة التأهيل.
19 مستشفى خارج الخدمة وتدمير واسع للمرافق الطبية
وعلى صعيد المنظومة الصحية، وثق التقرير استهداف 38 مستشفى في قطاع غزة، خرج 19 منها عن الخدمة بالكامل، فيما تواصل المستشفيات الأخرى تقديم خدمات محدودة بصورة جزئية، وسط نقص الموارد والأجهزة الطبية والطواقم المتخصصة.
كما تعرض 158 مركزًا للرعاية الصحية الأولية للاستهداف، خرج 64 منها عن الخدمة، بينما يعمل 94 مركزًا بصورة جزئية، في ظل تراجع قدرته على تلبية الاحتياجات الصحية المتزايدة.
وسجل التقرير استشهاد 1,723 من العاملين في القطاع الصحي واعتقال 362 آخرين، إضافة إلى استهداف 216 مركبة إسعاف وتضرر أو استهداف 825 مرفقًا صحيًا.
وأدى هذا التدهور إلى انخفاض عدد الأسرّة التابعة لوزارة الصحة من 2,674 سريرًا عام 2022 إلى 1,205 أسرّة عام 2026، بينما تراجع إجمالي الأسرّة في القطاع الصحي من 3,412 إلى 2,623 سريرًا خلال الفترة نفسها.
وتكشف هذه الأرقام، وفق التقرير، عن فجوة متزايدة بين القدرة التشغيلية للمرافق الصحية وحجم الاحتياجات الطبية الناجمة عن الإصابات والأمراض المزمنة وتدهور الظروف المعيشية.
توقف الرنين المغناطيسي ونقص حاد في الأدوية
وأبرز التقرير حجم الأضرار التي لحقت بالتجهيزات الطبية الحيوية، إذ لا تعمل سوى 44 مولدة كهربائية من أصل 116، و12 محطة أكسجين من أصل 35، وثلاثة أجهزة تصوير طبقي محوري من أصل 18 جهازًا.
كما توقفت أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي التسعة بالكامل، الأمر الذي يعوق تشخيص كثير من الحالات المرضية والإصابات المعقدة.
وفي ملف الأدوية والمستلزمات الطبية، أظهرت البيانات نفاد 54% من أصناف الأدوية الأساسية، و71% من المستهلكات الطبية، و83% من مواد الفحص المخبري، و44% من المستهلكات المخبرية.
وبلغ العجز في الأدوية اللازمة لخدمات القسطرة وجراحة القلب المفتوح 96%، مقابل 85% في جراحة العيون و59% في خدمات علاج السرطان وأمراض الدم.
وتضع هذه النسب المستشفيات أمام صعوبات بالغة في إجراء العمليات الجراحية وتوفير العلاجات التخصصية والفحوص التشخيصية، بينما تتزايد أعداد المرضى الذين يحتاجون إلى تدخلات طبية لا تستطيع المرافق الصحية توفيرها بصورة منتظمة.
الجوع يحصد الأرواح وفقر الدم يهدد الحوامل
وفي مؤشر آخر على عمق الأزمة الإنسانية، وثقت وزارة الصحة 466 وفاة مرتبطة بسوء التغذية، شكّل الأطفال 40.5% منها، وكبار السن 33.7%، والنساء 15.5%، والرجال 10.3%.
وكشف التقرير ارتفاع نسبة فقر الدم بين النساء الحوامل إلى 61% خلال عام 2026، في ظل نقص الغذاء المتوازن والمكملات الغذائية والخدمات الصحية المرتبطة بالحمل والولادة.
كما سُجلت 23,883 حالة سوء تغذية بين الأطفال دون الخامسة، خلال الفترة الممتدة من كانون الثاني/يناير حتى آب/أغسطس 2026، بينها 3,148 حالة سوء تغذية حاد شديد، تتطلب رعاية طبية وتغذوية عاجلة.
وتعكس هذه المؤشرات ارتباط تدهور الأوضاع الصحية بالقيود المفروضة على دخول المساعدات وتراجع الخدمات الأساسية، بما يزيد المخاطر على الأطفال والنساء الحوامل والمرضى وكبار السن.
2027 مريضًا توفوا بانتظار الإجلاء الطبي
وكشف التقرير أن نحو 21 ألف مريض وجريح ينتظرون الإجلاء الطبي لتلقي العلاج خارج قطاع غزة، بينهم 5,803 أطفال و4,800 مريض أورام، وفق التصنيفات الواردة في التقرير الإحصائي.
وسجلت الوزارة وفاة 2,027 مريضًا أثناء انتظار الإجلاء، بينهم 264 طفلًا و505 مرضى أورام، في ظل محدودية فرص الحصول على العلاج التخصصي خارج القطاع وتعثر حركة السفر عبر المعابر.
وكانت وزارة الصحة قد جددت، في الثامن من تشرين الأول/أكتوبر، مطالبتها المجتمع الدولي بالتدخل لفتح المعابر بصورة مستدامة وضمان خروج المرضى والجرحى، محذرة من استمرار الوفيات في صفوف الحالات التي تحتاج إلى علاج عاجل.
آثار نفسية عميقة.. الخوف يلاحق شباب غزة
وامتدت تداعيات الحرب إلى الصحة النفسية، إذ أظهرت دراسات مسحية أوردتها الوزارة أن 98% من المشاركين أفادوا بشعور مستمر بالخوف، بينما استوفى 62% معايير اضطراب ما بعد الصدمة.
وأظهرت النتائج كذلك أن 61% من المشاركين يعانون أعراض اكتئاب تتراوح بين المتوسطة والشديدة، فيما سجل 57% أعراض قلق بالمستويات نفسها.
وتعكس هذه النتائج شدة الأعباء النفسية التي يواجهها الشباب، نتيجة التعرض المتكرر للعنف وفقدان أفراد الأسرة والنزوح وعدم الاستقرار وانقطاع الدراسة والعمل.
وتبقى هذه النسب خاصة بعينات الدراسات المسحية التي استند إليها التقرير، ولا تعني بالضرورة أن النسب نفسها تنطبق على جميع شباب قطاع غزة.
المنظومة الصحية أمام تحديات التعافي وإعادة البناء
وتأتي هذه الأرقام بعد ثلاثة أعوام من بدء الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، في وقت تستمر فيه المنظومة الصحية بالعمل في ظروف استثنائية، مع خروج مرافق طبية عن الخدمة وفقدان أعداد كبيرة من العاملين فيها، إلى جانب النقص الواسع في الأدوية والأجهزة والمستلزمات الأساسية.
ورغم الإعلان، الجمعة، عن إعادة تفعيل خدمة جراحة القلب في غزة، فإن حجم العجز الموثق في التقرير يشير إلى استمرار الحاجة إلى إعادة تأهيل البنية التحتية الصحية وتوفير المعدات الطبية وإعادة بناء القدرة التشغيلية للمستشفيات ومراكز الرعاية الأولية.
وتبرز البيانات حجم التحديات التي تواجه إعادة بناء القطاع الصحي، ليس فقط على مستوى المنشآت والمعدات، وإنما أيضًا في توفير الرعاية طويلة الأمد لعشرات آلاف الجرحى والأطفال مبتوري الأطراف، وعلاج الأمراض المزمنة والأورام، ومعالجة الآثار النفسية والاجتماعية للحرب.
وتكشف حصيلة الأعوام الثلاثة، وفق وزارة الصحة، عن أزمة صحية ممتدة يتداخل فيها ارتفاع عدد الضحايا مع انهيار الخدمات الطبية واتساع الاحتياجات الإنسانية، وسط مخاوف من أن يؤدي استمرار القيود على الإمدادات والإجلاء الطبي إلى تفاقم الخسائر البشرية حتى بعد توقف العمليات العسكرية واسعة النطاق.








