فراس حج محمد| فلسطين
خلال سنة من الحرب على إيران، استمعت إلى كثير من المحللين السياسيين وإلى برامج متعددة و(بودكاست/S) كثيرة وطويلة وتشعبية، وبرزت نجوم كثيرة وانطفأت أخرى، لكن غياب د. عزمي بشارة عن المشهد كان أمراً يثير فيّ أسئلة تشكيكية، فالحرب فيها قدر كبير من الإحراج له، إن عبّر عن مواقفه كما أنا أفهم شخصيته في موقفه المبدئي من أمريكا ومن قادة الإجرام اليهود في الكيان الغاصب، لا سيما وأن الأوراق يمكن أن تختلط، ومن السهولة "أن تضيع الطاسة" كما يقال في المثل الفلسطيني الشعبي، فثمة تصرفات لا يمكن له أن يبررها حدثت في الحرب تجاه "دولة قطر" على الأقل، كما أنه لا يستطيع من موقفه الأخلاقي وانحيازه للعدالة أن يحمّل إيران المسؤولية عما يجري. إذاً ثمة ورطة ستحدث لو تحدّث في تلك الأجواء الملتهبة، على الرغم من أن بعض الأصوات القطرية كانت ذات مواقف جيدة تجاه إيران خلال الحرب، لكن لا يستطيع بشارة كونه ضيفاً أن يقول ما قالوه وإن كان بشكل أخف حدة ووضوحاً.
الآن، الأمر أهدأ كثيراً، وقطر في صلب مشروع المفاوضات الإيرانية الأمريكية وهي وسيط نزيه، مقبول من الطرفين، كما فهم كثير من العرب- وخاصة النخب المثقفة والمتعلمة والتي تتحرك في الفضاءات الثقافية والإعلامية- أن المعتدي والمجرم معروف، وأصبح معلوما أنه بالإمكان أن نميز بين الخيط الأبيض من الخيط الأسود في ظلام هذه الحقبة التي لم يبزغ فيها فجر حتى هذه اللحظة وعلى المدى المنظور.
في ظل هذه الأجواء جاءت عودة عزمي بشارة بصفته "مفكراً" إلى الفضاء العام، في الحوار المفتوح ضمن برنامج موسم الندوات التي تنظمه وزارة الثقافة القطرية (بثه المركز العربي على قناته في اليوتيوب بتاريخ 3/10/2026) ورعاه شخصيا وزير الثقافة القطري سعادة الشيخ عبد الرحمن بن حمد، كما جاء بعد ذلك اللقاء التي أجرته المذيعة نور حريري مع بشارة في مكتبه حول الموسوعة العربية (أربيكا)، وبثته قناة العربي 2 وخصصت له حلقة كاملة من برنامج ضفاف الثقافي المسائي (بثه المركز العربي على قناته في اليوتيوب بتاريخ 2/9/2026).
وفي ظني أن حضور عزمي سيزداد بعد هذه الندوة فقد استطاع بذكاء المثقف أن يسير فوق حقل من الألغام ويعبّر عن رأيه ويُرضي القطريين والإيرانيين ويرضى ضميره قبل الطرفين، ولعله لقاء مصمم من أجل هذا الغرض، وفي ظني أنه كذلك، فلم يكن هذا اللقاء ندوة وإنما حوارية اشترك فيها مسيّر اللقاء، وعرض فيها بعض الأسئلة المنتقاة على ما يبدو، كما أنها لم تكن ذات جمهور كبير، كما هو معهود ندوات عزمي بشارة. هل في ذلك عيب ما؟ لا أبداً، بل من حق أي مثقف أو مفكر أن يجد الطريقة المناسبة له لأن يعود إلى بؤرة المشهد، على الرغم من أن هذا هو محض اجتهاد، ولعله لا يرقى لأن يكون اجتهادا في تفسير هذه العودة، إذ لم يغب عزمي أيضا غيابا مطلقا.
ما يهمني في هذه الندوة الحوارية ليس السياسة، فأنا متخم- مثل غيري- بالآراء والأفكار، وباستطاعة أي شخص أوتي بعض وقت واهتمام أن يرسم أبرز الملامح للمعارضين والمؤيدين، ولموقف الفرقاء ومن مع، ومن ضد، فالسياسة لم تعد حكرا على النخب لأتابعها من أفواه المتحدثين بها، ولكن ما يعنيني بالدرجة الأولى هو كيف يتصرف المثقف والمفكر في ظل هذه الصراعات الحادة التي يختلط فيها الأخلاقي بغير الأخلاقي والمحلي بالدولي، والخاص بالعام، وأصبحت الآراء مستمسكات شخصية ضد المتحدثين بها، فثمة من تم ترحيله من قطر على سبيل المثال على خلفية مناصرته لإيران في بداية الحرب، هؤلاء المطرودون من "جنة الخليج العربي" لم يكونوا يحملون موقفا عدائيا ضد قطر، كما أنا كذلك، لكن كما قالت العرب: "بعض الأوقات أيمن من بعض وبعض الأماكن أيمن من بعض".
بالإضافة إلى ذلك فإن ما يعنيني من هذه الندوة حديث عزمي بشارة نفسه الذي يجنح فيه إلى الصياغات العامة الأكاديمية الفكرية حتى وهو في حوار عام، ولذا فإنه يعلو على الراهن، ويذهب إلى القواعد والكليات فيقيس عليها تلك الرواهن والراهنيات لمصلحة مستخلصات عقلية صحيحة أو شبه صحيحة، لها جانب تنظيري؛ تصلح لأن تطبق في غير هذا الراهن الذي يمكن أن ينتج مثله في بقعة أخرى من العالم، فمن يستمع لأي مفكر غير بشارة سيجد هذه الميزة في أحاديثهم، وهذه النقطة ليست إلا محض توصيف بكيفية رسم المفكرين لأحاديثهم وإخراجها متفقة مع ما توصلوا إليه بالبحث والتنقيب من أفكار لها صفة المعقولية والعموم، بناء على نظريات الفكر السياسي المتبعة لديهم.
وثمة أمر شخصي جدا، يدفعني إلى متابعة الدكتور عزمي بشارة أنه أحد المفكرين العرب العلمانيين غير المتطرفين في علمانيتهم، بل إنك ترتاح وأنت تستمع إليه وهو يتحدث بتوازن عن العربي والكردي والسوري والفلسطيني والعراقي والأمريكي واليهودي، بنفس الموضوعية والتوازن الذي تراه في حديثه الفكري والديني، فلا يتعصب ضد الفكرة الإسلامية والإسلاميين وفكرة الدين ذاتها كما يفعل علمانيون آخرون، بل إنه يعجبني جدا وهو ينهي محاضراته كما ينهي خطيب الجمعة خطبته "أقول قولي هذا وأستغفر الله"، فعزمي بشارة عندي من هذا الباب مقدر جدا، ويقف على نفس الدرجة من حبي واحترامي للدكتور إدوارد سعيد الذي نافح عن المسلمين والإسلام حتى أكثر من المفكرين المسلمين، إن هذين المفكرين يشعرانني بأهمية أن تكون مفكرا، غير منغلق، وغير حاد، وأن تكون متوازناً، ولا تنحاز إلا إلى العدالة ومنظومة الأخلاق الإنسانية العامة، تلك القضية التي تشغله كما قال، وكما ألاحظها في كثير من محاضراته ومقابلاته وكتبه ومقالاته.
وأما السبب الثالث الذي دعاني إلى الاستماع إليه هو ما صادفته من تضليل إعلامي حقيقي لأقوال عزمي بشارة في هذا اللقاء، حيث التقطت بعض المواقع جملة عابرة لم تكلف سوى ثوان معدودة ليقول فيها بشارة: "إيران اقترفت كل الأخطاء الممكنة في هذه الحرب". هذه الجملة مستفزة وهي كمن قال "ولا تقربوا الصلاة"، وتغري أعداء إيران بالترويج لغاياتهم المشبوهة، فعزمي لم يقل هذه الجملة ليدين إيران بالمطلق إنما جاءت في سياق شرحه بذكاء شديد دون أن يحتاج إلى أن يبرر، وعتب على من يخلطون الأوراق، وينحازون إلى المجرمين من صهاينة ويهود، ويفرق بين إيران كدولة ونبت أصيل في المنطقة وبين كيان استعماري دخيل متطرف، يريد أن يفرض وصايته الأمنية على دول الإقليم ليفرض نفسه قوة سياسية بعد أن تفوق عسكرياً.
تبين لي أن من نشر هذه الجملة حسابات صحيفة العربي الجديد العزماوية على مواقع التواصل الاجتماعي، ما أربكني قليلا إلا إذا كان الأمر نوعا من التلاعب الإعلامي. بعيدا عن هذا الإرباك، فإن هذه المسألة جعلتني أسمعه باهتمام وعندي "سوء نية" لإدانة موقفه، إذ إنني لا أحب أن آخذ الأمور بالتأويل مع الأشخاص أو ضدهم وخاصة السياسيين والمفكرين، ولكن أدينهم من صلب ما تحدثوا به، وبعد الاستماع وباهتمام وبتدقيق وجدت أن هذه الجملة التي بلورت على هذا الشكل لإدانة إيران أولا لم تكن سوى اقتطاع غير مهني من سياق لا يقول ما أريد لها أن تقوله، لذلك فإن هذا التطرف الإعلامي ضد الحقيقة جعلني أفتش في كلام عزمي، وأبعاد الكلام ومدلولاته.
لا شيء جديد في هذا الحديث عن إيران، إذ كنت سمعته منه في لقاءاته التي كانت كثيرة أيام حرب الإبادة الجماعية على غزة قبل أن تنطلق النيران الإجرامية في اعتداءاتها على إيران، فما زال بشارة يرى إيران دولة إقليمية قوية ذات مشروع يفترقون فيه عن العرب، ولذلك فهي ما زالت- حتى خلال هذه الحرب- تتصرف بناء على مصالحها أولا وأخيراً، بل إنه يعتبر أكبر خطأ جسيم لها خلال الحرب هو سكوتها عن ضرب الكيان لغزة وحزب الله، تقديرا منها أن الحرب لن تمتد إليها، فكان خطأها الذي كلفها الكثير، بالإضافة إلى إن إغلاق مضيق هرمز وضرب القواعد الأمريكية جاءت في كلام بشارة من باب التفهم، لا الموافقة على سياسة إيران وتصرفها العسكري تجاه دول الجوار.
ليس هذا كل شيء من هذه الندوة الحوارية، لكن ثمة إفادة جلى تقف بالنسبة لي موازية لكل ما تحدث به سياسياً على الرغم من مساحتها الهامشية في الندوة، وهو في رده على سؤال الإبداع أين هو من كتابات عزمي بشارة، وهل سيكون له جديد في ذلك؟
لقد أكدت لي إجاباته عن هذا السؤال ما تحدث به في حواره مع صقر أبو فخر في كتابه "نفي المنفى"، من هامشية الجانب الإبداعي في مشروعه الكتابي، فلا يعد نفسه شاعرا ولا روائيا، كما أسلفت في كتابة سابقة، وإنما الجديد هو اعترافه شديد الوضوح الذي أعلن فيه قوله عن الكتابة الإبداعية أنها "فصل ختمته من حياتي" و"هي فصل وتم"، لكن لم يعلن ندمه على ما كتب، ويرى أنها كانت ولادة ظروف خاصة مر بها وهو في فلسطين، فما كان من الممكن له أن يتعامل مع تلك الظروف إلا بهذا النوع من الكتابة، بل إن يشك في أنها كانت جميلة. كما وضّح- وفي عجالة- أن ثمة فرقاً بين العقلية البحثية الأكاديمية التي تبرمج عليها الآن وبين الكتابة الإبداعية، فالعقلانية والتفكير المنطقي بتناقض مع الكتابة الإبداعية، بل يعمل العقل على تجفيفها، فلم يعد قادرا على إنتاج الإبداع.
هذا الاعتراف من عزمي بشارة يضع مشروعه الأدبي- إن صح الآن أن يوصف بالمشروع- في مهب الريح والنسيان، ومن هذا الباب ربما لم يهتم بما أُنجز حول تجربته الروائية من رسالة ماجستير قبل حوالي عام في جامعة النجاح الوطنية، فلم يعر البحث والباحثة أي اهتمام، على الرغم من علمه بذلك، إلا أنه أهمله إهمالا تاما على حسب علمي ومتابعتي، فعلى سبيل المثال لم تكتب عن هذا المنجز البحثي المنصات الإعلامية التابعة له أية خبر أو إشارة، فمنصات (ألترا/ Ultra) على تنوعها وصحيفة العربي الجديد وتلفزيون العربي وغيرها لم يذهبوا وراء الموضوع بتاتاً، ليجعلوه في بؤرة الضوء والاهتمام الإعلامي، وهم الذين يسعون إلى أخبار ومنجزات أقل شأنا من ذلك بكثير، فهل يَعتبر عزمي بشارة كتبه الأدبية الأربعة سقطة المفكر الذي وقع فيها؟ أغلب الظن نعم، وإن لم يبد ندمه عليها من باب تخفيف حدة النقد الذاتي الذي لا يمارسه عزمي بشارة على نفسه إلا في النادر جداً.
كما أن ما أنجزتُه حول تجربته الإبداعية من دراسة معدّة للنشر بعنوان "أدب الحريّة والنشيد- قراءات في أدب عزمي بشارة"، لن تكون دراسة مهمة حتى وإن وصفت بأنها أول كتاب نقدي يتناول عالم بشارة الإبداعي، وقد تحدثت فيه عن كتبه الأربعة، روايتين وكتابي نصوص، فما فائدة كتاب ليس لموضوعه الأساسي قيمة تذكر عند من أنتج أفكاره الأساسية الموصوفة بأنها إبداعية؟
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة قدس نت
