عاد قرار تأجيل الانتخابات التشريعية الفلسطينية إلى سبتمبر/أيلول 2027 الجدل بشأن مستقبل العملية الديمقراطية وتجديد شرعية المؤسسات السياسية إلى الواجهة، في ظل استمرار الانقسام الداخلي والإجراءات الإسرائيلية التي تعرقل إجراء الاقتراع في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة، فيما أكدت الأمم المتحدة استمرار متابعة الملف والتواصل مع لجنة الانتخابات المركزية، دون إعلان موقف صريح مؤيد أو معارض للتأجيل.
وقال المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك، ردًا على سؤال لصحيفة «القدس العربي» بشأن موقف المنظمة الدولية من تأجيل الانتخابات التشريعية التي كانت مقررة في 28 نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، إن الأمين العام يواصل متابعة المسألة، مشيرًا إلى استمرار التواصل مع لجنة الانتخابات المركزية الفلسطينية لضمان الجاهزية الفنية اللازمة عندما يتحدد موعد إجراء الانتخابات فعليًا.
وجاء الموقف الأممي عقب إصدار الرئيس الفلسطيني محمود عباس، السبت 10 أكتوبر/تشرين الأول، مرسومًا رئاسيًا بإلغاء الموعد السابق للانتخابات التشريعية، وتحديد 11 سبتمبر/أيلول 2027 موعدًا جديدًا لإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية متزامنة، بعد مشاورات سياسية مع الفصائل والقوى الفلسطينية.

وفي محاولة لتوضيح موقف القيادة الفلسطينية من قرار التأجيل، تعهد نائب رئيس دولة فلسطين حسين الشيخ، الإثنين 12 أكتوبر/تشرين الأول 2026، بإمكانية تقديم موعد الانتخابات العامة، شريطة توافر الظروف السياسية والأمنية التي تضمن نزاهة العملية الانتخابية وشفافيتها ومصداقيتها.
We reaffirm our commitment to a comprehensive Palestinian national dialogue, with the participation of all factions and political forces, and in a spirit of responsibility and partnership, to strengthen national unity and the steadfastness of our people on their homeland soil, and to reach consensus on preparing the necessary conditions for holding general elections in East Jerusalem, the West Bank, and the Gaza Strip.
— حسين الشيخ Hussein Al Sheikh (@HusseinSheikhpl) October 12, 2026
وأكد الشيخ، في تدوينة عبر منصة «إكس»، التزام القيادة الفلسطينية بإجراء الانتخابات العامة استنادًا إلى القانون الأساسي، باعتبارها وسيلة لتجديد الشرعيات وتكريس التعددية السياسية وتداول السلطة بالطرق السلمية.
وشدد على أن الانتخابات ليست إجراءً شكليًا، بل استحقاق جوهري يعكس الإرادة الشعبية، مؤكدًا أن تقديم موعد الانتخابات الرئاسية والتشريعية سيظل مطروحًا إذا توافرت الضمانات اللازمة لإجرائها بصورة حرة وشاملة.
القدس وغزة وقيود الاحتلال في صدارة مبررات التأجيل
ودعا الشيخ المجتمع الدولي إلى ممارسة ضغوط على إسرائيل لتهيئة الظروف اللازمة لإجراء الانتخابات في القدس الشرقية والضفة الغربية وقطاع غزة، بما يضمن مشاركة الفلسطينيين في جميع الأراضي المحتلة دون قيود.
وطالب بوقف اعتداءات جيش الاحتلال والمستوطنين، وإزالة أكثر من ألف حاجز عسكري قال إنها حولت الضفة الغربية إلى مناطق معزولة، إلى جانب وقف العمليات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة والإفراج عن أموال المقاصة الفلسطينية المحتجزة.
وفي سياق متصل، أكد الشيخ التزام القيادة الفلسطينية بإجراء حوار وطني شامل بمشاركة مختلف الفصائل والقوى السياسية، بهدف تعزيز الوحدة الوطنية والتوافق على ترتيبات تتيح إجراء الانتخابات في جميع الأراضي الفلسطينية.
وكان المرسوم الرئاسي الصادر عن عباس قد ربط قرار التأجيل بالتدهور الأمني والإنساني، واستمرار التوسع الاستيطاني والاقتحامات العسكرية الإسرائيلية، والقيود المفروضة على حركة الفلسطينيين، فضلًا عن الصعوبات التي تواجه وصول موظفي لجنة الانتخابات المركزية والمراقبين الدوليين إلى القدس الشرقية وقطاع غزة.
كما أشار إلى عدم استكمال ترتيبات الانسحاب الإسرائيلي من غزة وإعادة الإعمار، وعدم تهيئة الظروف الأمنية والإدارية اللازمة لضمان إجراء انتخابات شاملة وآمنة.
تساؤلات بشأن تجديد الشرعية بعد عقدين من غياب الانتخابات
ويأتي تأجيل الانتخابات في وقت يواجه فيه النظام السياسي الفلسطيني تساؤلات متزايدة بشأن تجديد شرعية مؤسساته، بعد نحو عقدين من آخر انتخابات تشريعية جرت عام 2006، وأسفرت عن فوز حركة حماس بأغلبية مقاعد المجلس التشريعي.
وكانت آخر انتخابات رئاسية قد جرت عام 2005، وفاز فيها محمود عباس، قبل أن تتعطل العملية الانتخابية على المستوى الوطني في أعقاب الانقسام الفلسطيني عام 2007، وما تبعه من تعطيل عمل المجلس التشريعي، وصولًا إلى قرار المحكمة الدستورية بحله عام 2018.
وفي يوليو/تموز الماضي، أصدر عباس مرسومًا حدد بموجبه 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2026 موعدًا لإجراء الانتخابات التشريعية، وبدأت لجنة الانتخابات المركزية في 26 سبتمبر/أيلول استقبال طلبات تسجيل القوائم الانتخابية، قبل صدور قرار التأجيل.
We reaffirm our full commitment to implementing the Basic Law and the provisions related to conducting general elections, out of our faith in pluralism and the peaceful transfer of power, and the renewal of leaderships and their legitimacy through one sole path: the ballot box. We call upon the international community to pressure the occupation authority to create an atmosphere conducive to holding these elections in East Jerusalem, the West Bank, and the Gaza Strip by halting all repressive and terroristic measures by the occupation army and its settlers, and by removing more than a thousand barriers that have turned the West Bank into isolated detention cantons for an entire people, and by stopping its crimes in the Gaza Strip, and by returning our stolen funds through Israeli piracy. We pledge to reschedule the date to an earlier time, for holding concurrent presidential and legislative elections in an interconnected manner as soon as the appropriate conditions are available that ensure the integrity, transparency, and credibility of the electoral process. Elections are not a mere formal display, but a substantive matter that expresses the will of a people that must be exercised with at least the minimum of dignity and independence.
— حسين الشيخ Hussein Al Sheikh (@HusseinSheikhpl) October 12, 2026
وأثار القرار مواقف متباينة في الأوساط الفلسطينية، بين من يرى أن الظروف الأمنية والانقسام السياسي يحولان دون تنظيم انتخابات حرة وشاملة، ومن يعتبر أن تكرار التأجيل يفاقم أزمة الشرعية ويؤخر إعادة بناء المؤسسات التمثيلية عبر صناديق الاقتراع.
وبحسب تقارير دولية، أعربت أطراف فلسطينية عن دعمها إرجاء الانتخابات لإتاحة مزيد من الوقت للحوار الوطني، بينما انتقدت أطراف أخرى القرار باعتباره إطالة جديدة لغياب المسار الديمقراطي.
الأمم المتحدة تقر باستمرار سقوط الضحايا في غزة دون تقديم حصيلة جديدة
وفي ملف منفصل يتعلق بالتطورات الإنسانية والميدانية في قطاع غزة، أكد المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة ستيفان دوجاريك استمرار قلق المنظمة الدولية إزاء العنف الذي يتعرض له المدنيون الفلسطينيون، في وقت تتواصل فيه التقارير عن سقوط شهداء وإصابات جراء العمليات العسكرية الإسرائيلية.
وجاءت تصريحات دوجاريك ردًا على سؤال متابعة لصحيفة «القدس العربي»، تناول عدم إبراز أعداد الضحايا الفلسطينيين بالوضوح نفسه في بعض الإحاطات الصحفية اليومية للأمم المتحدة، رغم استمرار سقوط الشهداء في القطاع.
وأوضح دوجاريك أن المنظمة الدولية لم تتوقف عن الإشارة إلى استمرار العنف ضد المدنيين الفلسطينيين، مشيرًا إلى أن التحديثات المتعلقة بأعداد الضحايا تُعرض في مناسبات مختلفة، بينها الإحاطات التي يقدمها المسؤول الأممي رامز الأكبروف إلى مجلس الأمن.
ولم يقدم المتحدث الأممي حصيلة جديدة للشهداء والجرحى خلال رده، مؤكدًا في المقابل استمرار متابعة التطورات الميدانية والإنسانية.

وفي سياق متصل، أفاد دوجاريك بأن الأكبروف أجرى زيارة استمرت يومين إلى قطاع غزة، اطلع خلالها على أوضاع عائلات فلسطينية عادت إلى مدينة غزة وتعيش في مبانٍ متضررة وغير آمنة، بعضها مهدد بالانهيار.
وبحسب الإفادة، تحدثت العائلات عن اضطرارها للعودة بسبب محدودية البدائل ورغبتها في البقاء بالقرب من الخدمات الأساسية والأقارب وشبكات الدعم المجتمعي، بعد تكرار النزوح.
كما تناولت الزيارة الاستعدادات لموسم الأمطار، واحتياجات الأسر المتعلقة بالمأوى والمياه والحماية من الفيضانات، فيما طالبت نساء يعُلن أسرهن بتوفير الإنارة والخيام البديلة والملابس الشتوية للأطفال والمساعدات النقدية.
وكان الأكبروف قد حذر في تصريحات أممية سابقة من المخاطر التي تواجه العائلات المقيمة داخل المباني المتضررة، ودعا إلى تسهيل دخول المعدات اللازمة لإزالة الأنقاض وتوفير أماكن إيواء أكثر أمانًا.
وبين استمرار تأجيل الاستحقاقات الانتخابية وتفاقم الظروف الإنسانية والأمنية في الأراضي الفلسطينية، يظل التحدي أمام القيادة الفلسطينية والمجتمع الدولي متمثلًا في توفير ضمانات فعلية لإجراء انتخابات شاملة، مع الحفاظ على حق الفلسطينيين في تجديد مؤسساتهم السياسية وعدم تحويل الظروف الاستثنائية إلى تأجيل مفتوح للعملية الديمقراطية.
