القدوة يطالب برحيل الرئيس عباس ويطرح بديلاً سياسياً: لا انتخابات ولا إصلاح دون تغيير

ناصر القدوة

القدوة: النظام الفلسطيني بلا شرعية والرئيس عباس يخشى الانتخابات، تأجيل الانتخابات انتهاك للقانون الأساسي والقيادة تتمسك بالسلطة

وزير الخارجية الفلسطيني الأسبق يعتبر تأجيل الانتخابات انتهاكاً للقانون الأساسي، ويطالب بإنهاء احتكار السلطة وتشكيل حكومة مفوضة بصلاحيات كاملة، ويحذر من تراجع المكاسب الدبلوماسية الفلسطينية، مشككاً في جدوى الحوار المرتقب بالقاهرة.

وجّه وزير الخارجية الفلسطيني الأسبق ناصر القدوة انتقادات حادة للرئيس محمود عباس (أبومازن) والقيادة الفلسطينية، معتبراً أن قرار تأجيل الانتخابات الرئاسية والتشريعية إلى سبتمبر/أيلول 2027 يمثل انتهاكاً جسيماً للقانون الأساسي، ويعمّق أزمة الشرعية السياسية والمؤسساتية، في وقت يواجه فيه الفلسطينيون تحديات متصاعدة بفعل سياسات الاحتلال الإسرائيلي، وتزايد الضغوط الدولية المطالبة بإصلاح مؤسسات الحكم وتجديد التمثيل الديمقراطي.

وقال القدوة، في مقابلة رصدتها «وكالة قدس نت للأنباء» مع برنامج «مدار الغد» على قناة «الغد»، إن النظام السياسي الفلسطيني الحالي «بلا شرعية»، متهماً المجموعة الحاكمة بالتمسك بمواقعها ورفض الاحتكام إلى صناديق الاقتراع خشية خسارة الانتخابات، وداعياً إلى تحرك وطني يعيد بناء المؤسسات الفلسطينية على أسس ديمقراطية، دون انتظار موافقة القيادة القائمة.

وجاءت تصريحات القدوة من مرسيليا عقب إصدار الرئيس عباس، السبت 10 أكتوبر/تشرين الأول، مرسوماً يقضي بإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية بصورة متزامنة في 11 سبتمبر/أيلول 2027، وإلغاء الموعد السابق للانتخابات التشريعية الذي كان مقرراً في 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2026.

وبررت الرئاسة الفلسطينية قرار التأجيل بالظروف السياسية والأمنية والميدانية، والقيود الإسرائيلية المفروضة على القدس والضفة الغربية وقطاع غزة، إلى جانب الحاجة إلى تهيئة الظروف لإجراء انتخابات شاملة وآمنة. 

«انتهاك جسيم للقانون الأساسي»

واعتبر القدوة أن قرار التأجيل يتجاوز، من وجهة نظره، الصلاحيات القانونية للرئيس، لأنه يتعلق بحق أصيل للشعب الفلسطيني في اختيار ممثليه، وليس بإجراء إداري يمكن تغييره دون ضوابط.

وقال إن المسألة تمس جوهر النظام الديمقراطي الفلسطيني، مضيفاً أنه لا يحق للرئيس أو لأي جهة أخرى التعامل مع الانتخابات باعتبارها قراراً خاضعاً للحسابات السياسية.

وتساءل عن مبررات التأجيل، قائلاً إن الظروف الصعبة والقيود الإسرائيلية لم تكن مجهولة عندما صدر المرسوم السابق بتحديد موعد الانتخابات، معتبراً أن استمرار الاستناد إليها يثير تساؤلات عن الإرادة السياسية لإجراء الاقتراع.

وأكد أن الاحتلال الإسرائيلي يسعى إلى منع الفلسطينيين من ممارسة حقوقهم، بما فيها الحقوق الديمقراطية، لكنه رأى أن الرد الفلسطيني ينبغي أن يتمثل في تحدي القيود الإسرائيلية والإصرار على إجراء الانتخابات في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة.

ورجّح القدوة عدم إجراء الانتخابات في موعدها الجديد، معتبراً أن القيادة القائمة لن تقبل، وفق تقديره، خوض انتخابات ترى أن نتائجها قد تؤدي إلى خسارتها السلطة.

وتبقى هذه الاتهامات تقديرات سياسية للقدوة بشأن دوافع التأجيل ونتائج الانتخابات المحتملة، في مقابل تأكيد الرئاسة الفلسطينية أن قرارها يهدف إلى ضمان مشاركة الفلسطينيين في جميع الأراضي المحتلة وتوفير شروط اقتراع حر ونزيه.

«النظام بلا شرعية».. دعوة إلى تغيير القيادة

وفي أحد أبرز مواقفه خلال المقابلة، شكك القدوة في الأساس الذي تستند إليه شرعية النظام السياسي الفلسطيني بعد مرور أكثر من عقدين على آخر انتخابات رئاسية وتشريعية.

وقال إن النظام القائم يفتقر، في تقديره، إلى الشرعية الانتخابية وغيرها من مصادر الشرعية التي يمكن الاستناد إليها، معتبراً أن استمرار المؤسسات الحالية دون تجديد تمثيلها الديمقراطي أدى إلى أزمة سياسية عميقة.

وأضاف أن المطلوب لا يقتصر على توصيف أزمة الشرعية، وإنما يتطلب طرح بدائل عملية تحول دون حدوث فراغ سياسي أو مؤسساتي.

وحمل القدوة القيادة الفلسطينية مسؤولية استمرار الوضع القائم، مشيراً إلى أن آخر انتخابات رئاسية جرت عام 2005، فيما أُجريت الانتخابات التشريعية الأخيرة عام 2006، قبل تعثر المحاولات اللاحقة لتجديد المؤسسات المنتخبة.

وعندما سُئل عن القرار الذي سيطلب من الرئيس عباس اتخاذه إذا التقاه بعيداً عن وسائل الإعلام، أجاب بأنه سيطالبه بمغادرة السلطة مع المجموعة الحاكمة، معتبراً أن البقاء في الحكم لأكثر من عشرين عاماً بعد انتخاب الرئيس لولاية مدتها أربع سنوات يستوجب إفساح المجال لقيادات أخرى.

وشدد على أن التغيير ضرورة سياسية ومؤسساتية، بصرف النظر عن تقييم أداء الأشخاص، داعياً إلى الانتقال نحو قيادة قادرة على اتخاذ قرارات جدية لمواجهة التحديات الإسرائيلية.

حماس وفتح.. اتهامات بتغليب الحسابات الفصائلية

وتطرق القدوة إلى مواقف حركتي فتح وحماس من الانتخابات، معتبراً أن إسرائيل هي الطرف الأساسي الذي لا يرغب في إجراء انتخابات فلسطينية، لكنه اتهم كذلك قيادة السلطة بالسعي إلى تجنب استحقاق انتخابي تخشى نتائجه.

وفي ما يتعلق بحماس، قال القدوة إن الحركة أجرت اتصالات وتفاهمات سياسية مع تيار الإصلاح الديمقراطي بشأن الانتخابات وإمكانية تشكيل قائمة مشتركة.

وأوضح أنه كان شخصياً من الداعين إلى تشكيل قائمة وطنية موسعة، لا تقوم على المحاصصة الفصائلية، وتكون مفتوحة أمام التيارات السياسية ومختلف قطاعات المجتمع الفلسطيني، بما فيها التيار الإسلامي السياسي.

لكنه أشار إلى تراجع هذه التفاهمات، متهماً حماس بتغيير مواقفها وفق حسابات علاقاتها السياسية مع قيادة السلطة الفلسطينية.

ورأى أن أي شراكة سياسية بين الرئيس عباس وحماس ستواجه عقبات كبيرة، معتبراً أن القيود والاعتبارات الأمنية الإسرائيلية تؤثر بصورة مباشرة في القرارات السياسية الفلسطينية.

ولم يقدم القدوة دليلاً مستقلاً على اتهامه الرئيس عباس بإخضاع قرارات الشراكة لموافقة جهاز الأمن العام الإسرائيلي «الشاباك»، ولذلك يبقى هذا الاتهام موقفاً سياسياً منسوباً إليه.

انتقادات أوروبية وتحذير من فقدان المكاسب الدبلوماسية

وتزامنت تصريحات القدوة مع تصاعد الاعتراضات الدولية على تأجيل الانتخابات، إذ أصدر وزراء خارجية أستراليا وكندا وفرنسا والمملكة المتحدة، الثلاثاء 13 أكتوبر، بياناً مشتركاً أعربوا فيه عن أسفهم الشديد للقرار، معتبرين أنه يحرم جيلاً كاملاً من الفلسطينيين من فرصة اختيار ممثليهم.

وحذر الوزراء من أن التأجيل سيؤدي إلى مزيد من تراجع ثقة الفلسطينيين في المؤسسات الديمقراطية، داعين السلطة الفلسطينية إلى إعادة النظر في القرار وإجراء الانتخابات دون تأخير.

وفي الوقت نفسه، أقر البيان بوجود عقبات جدية أمام إجراء الاقتراع، وطالب إسرائيل بالامتناع عن اتخاذ إجراءات تعرقل مشاركة الفلسطينيين، بما فيها القيود المتعلقة بالقدس وسائر الأراضي الفلسطينية. كما أكد معارضة الدول الأربع مشاركة حماس في الحكم الفلسطيني مستقبلاً. 

 وكانت وزارة الخارجية الفرنسية قد دعت، في بيان منفصل صدر الأحد 11 أكتوبر، إلى التراجع عن التأجيل، مؤكدة أن تجديد الشرعية الديمقراطية ضرورة لتعزيز مؤسسات الدولة الفلسطينية والحفاظ على فرص حل الدولتين. 
 
وأشاد القدوة بالموقف الفرنسي والأوروبي، معتبراً أن هذه الدول تدافع عن حق الفلسطينيين في اختيار ممثليهم، لكنه حذر من الاكتفاء بالمطالبة بإجراء الانتخابات دون البحث عن خطوات بديلة إذا استمر تعطيلها. 

وأشار إلى أن بعض المكاسب الدبلوماسية الفلسطينية، ولا سيما الاعترافات الدولية بالدولة الفلسطينية، ارتبطت بالتزامات تتعلق بالإصلاح المؤسسي وإجراء الانتخابات.

وقال إن التأجيل المتكرر يهدد مصداقية التعهدات الفلسطينية أمام الدول التي دعمت الاعتراف بالدولة، محذراً من أن استمرار الوضع القائم قد يؤدي إلى تراجع الدعم السياسي والدبلوماسي.

كما رأى أن انتقال بعض الدول الأوروبية من دعم السلطة إلى ممارسة ضغوط عليها احتمال قائم، متوقعاً إمكانية تقييد أجزاء من المساعدات، دون تقديم معلومات تؤكد اتخاذ قرار أوروبي بهذا الشأن.

حكومة مفوضة ورئيس بصلاحيات محدودة

وطرح القدوة تصوراً لتجاوز الأزمة السياسية يقوم على تشكيل حكومة يقودها رئيس وزراء يتمتع بصلاحيات تنفيذية كاملة، مع تقليص صلاحيات الرئيس وتحويل موقعه إلى منصب ذي طابع فخري أو بروتوكولي.

وأوضح أن هذا المقترح لا يعني تشكيل حكومة توافق وطني بالصيغة التقليدية، وإنما إجراء تغيير جوهري في توزيع الصلاحيات داخل النظام السياسي الفلسطيني، بما يجعله أقرب إلى النظام البرلماني.

واعتبر أن رئيس الوزراء المفوض ينبغي ألا يكون من الدائرة السياسية الضيقة للرئيس عباس، لضمان استقلالية القرار التنفيذي وفتح المجال أمام إصلاح حقيقي.

وأضاف أنه سبق أن طرح هذا التصور على شخصيات أوروبية، داعياً الدول الداعمة لفلسطين إلى عدم حصر تحركاتها في المطالبة بالانتخابات، بل تبني خطوات سياسية ملموسة إذا استمر تعطيل الاستحقاقات الديمقراطية.

ويمثل هذا الطرح مقترحاً سياسياً للقدوة، وليس ترتيبات مؤسساتية متفقاً عليها، كما أن تطبيقه يتطلب معالجة الإطار الدستوري والقانوني المنظم لصلاحيات الرئيس والحكومة.

منظمة التحرير.. إصلاح شامل وتجمع وطني جديد

وفي ملف منظمة التحرير الفلسطينية، دعا القدوة إلى تجديد شرعية جميع المؤسسات الوطنية، معتبراً أن الأزمة لا تقتصر على السلطة الفلسطينية، بل تمتد إلى بنية المنظمة وآليات تشكيل مؤسساتها، وفي مقدمتها المجلس الوطني الفلسطيني.

وانتقد القدوة واقع المجلس الوطني، مشيراً إلى غياب الوضوح بشأن عضويته وآليات التمثيل فيه، وداعياً إلى إصلاح شامل يستند إلى التوافق الوطني أو الانتخابات المباشرة حيثما أمكن.

وطرح فكرة تشكيل تجمع وطني فلسطيني واسع يضم القوى والشخصيات الساعية إلى التغيير، تمهيداً لإعادة بناء المشهد السياسي على أساس ثلاثة تيارات رئيسية: تيار وطني ديمقراطي، وتيار وطني إسلامي، وتيار وطني يساري.

وأوضح أن الهدف ليس إلغاء منظمة التحرير الفلسطينية أو التخلي عنها، وإنما إيجاد حالة وطنية منظمة وقادرة على الضغط باتجاه إصلاحها واستعادة دورها التمثيلي.

وقال إن المنظمة تمثل إنجازاً وطنياً ينبغي الحفاظ عليه، لكنه رفض التعامل معها باعتبارها مؤسسة محصنة من النقد أو التغيير.

وأضاف أن تشكيل كيان أو تجمع موازٍ في المرحلة الانتقالية قد يكون ضرورياً لدفع عملية الإصلاح، مؤكداً أن الغاية النهائية هي العودة إلى منظمة تحرير فلسطينية مجددة تستوعب مختلف مكونات الشعب الفلسطيني.

وتعكس هذه الدعوة تحولاً في خطاب القدوة نحو البحث عن أدوات تنظيمية وسياسية خارج الأطر القائمة، مع الإبقاء على منظمة التحرير باعتبارها المرجعية الوطنية التي ينبغي إعادة بنائها.

تشكيك في جدوى حوار القاهرة

وفي ما يتعلق بالحوار الوطني الفلسطيني المرتقب في القاهرة، أعرب القدوة عن تشاؤمه من إمكانية التوصل إلى نتائج ملموسة، مستنداً إلى تجارب المصالحة السابقة التي قال إنها لم تؤد إلى إنهاء الانقسام أو إصلاح النظام السياسي.

ورأى أن الحوارات المتكررة لم تعد كافية لمعالجة الأزمة، متهماً الأطراف المشاركة بتغليب المصالح الفصائلية والشخصية على المصلحة الوطنية.

وأضاف أن أي حوار لا يستند إلى قرارات عملية وآليات تنفيذ واضحة لن يتجاوز، وفق تقديره، إطار اللقاءات السياسية والإعلانات العامة.

كما انتقد اقتصار الحوار على الفصائل التقليدية، مشدداً على ضرورة إشراك القوى الشبابية والشخصيات المستقلة والتيارات غير الفصائلية في أي مشروع وطني شامل.

وكانت اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير قد أكدت، في بيانها الصادر في 10 أكتوبر، أن تأجيل الانتخابات جاء بعد مشاورات فلسطينية، وبهدف إتاحة المجال لحوار وطني شامل يساهم في تهيئة الظروف اللازمة لإجراء الاقتراع. 

 لكن القدوة أعرب عن اعتقاده بأن الحوار لن يحقق نتائج جوهرية في ظل استمرار القيادة الحالية، محذراً من تعليق آمال كبيرة على الجولة المرتقبة.

تحذير من التوسع الإسرائيلي وغياب الرؤية الفلسطينية

وربط القدوة أزمة الشرعية الداخلية بالتحديات السياسية والأمنية التي تواجه القضية الفلسطينية، محذراً من أن استمرار الانقسام وضعف المؤسسات يحدان من قدرة الفلسطينيين على مواجهة المشاريع الإسرائيلية.

وقال إن الحكومة الإسرائيلية تتبنى سياسات تستهدف تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة وضم الضفة الغربية، معتبراً أن التصريحات والمشاريع التوسعية الإسرائيلية تمثل تهديداً يتجاوز الأراضي الفلسطينية إلى دول عربية مجاورة.

وطالب القيادة الفلسطينية باتخاذ مواقف أكثر وضوحاً وفاعلية في مواجهة الاستيطان والتوسع الإسرائيلي، بدلاً من الاكتفاء بالخطابات السياسية والمواقف التقليدية.

كما شدد على أن الفلسطينيين يحتاجون إلى مسارين متوازيين: تحسين ظروفهم المعيشية المتدهورة، وتوفير رؤية سياسية وطنية واضحة تعيد الاعتبار للعمل المؤسسي وتحدد أهداف المرحلة المقبلة.

واعتبر أن استمرار النظام السياسي الفلسطيني بصيغته الحالية يضعف القدرة على مواجهة الاحتلال، في وقت تتطلب فيه التطورات الإقليمية والدولية قيادة قادرة على التحرك السريع واستثمار الدعم الدولي للقضية الفلسطينية.

وتأتي تصريحات القدوة في مرحلة تشهد تجدد الجدل حول شرعية المؤسسات الفلسطينية، بعد قرار تأجيل الانتخابات للمرة الثانية خلال خمس سنوات، وسط مطالبات داخلية ودولية بإنهاء حالة الجمود السياسي وضمان ممارسة الفلسطينيين حقهم في اختيار ممثليهم.

وبين تمسك القيادة الفلسطينية بمبررات التأجيل ورفض شخصيات سياسية وقوى دولية للقرار، تتزايد التساؤلات بشأن مستقبل الإصلاح السياسي الفلسطيني، وإمكانية تحويل الوعود بتجديد الشرعية إلى خطوات مؤسساتية ملموسة، قبل حلول الموعد الانتخابي الجديد في سبتمبر 2027.

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - مرسيليا (فرنسا)